إيمان عبد المنعم
القاهرة – الأناضول
قال الفقيه القانوني حسين حسان، عضو الجمعية التأسيسية ورئيس اللجنة المصغرة لصياغة دستور مصر الجديد، إن مشروع الدستور نموذج يجب أن تحتذي به دساتير العالم، كونه منح الرئيس الجديد صلاحيات محددة حتى لا تجعل منه "باشكاتب" (الكاتب الذي يدوّن محاضر الاجتماعات) كما قضى على صناعة ديكتاتور جديد في مصر.
وفي حوار مطول مع مراسلة وكالة الأناضول للأنباء، أشار حسان إلى أنه بمجرد الاستفتاء على الدستور سيصبح الرئيس بلا صلاحيات وتنتهي المرحلة الانتقالية ويتولى مجلس الشورى سلطة التشريع.
وأشار إلى أن الجمعية أعدت دستورًا يلبي، ولأول مرة، طموحات الشعب المصري وتطلعات كافة طوائفه السياسية، مشددًا على أن الخلاف الذي جرى مؤخرًا وأدى إلى انسحاب البعض من الجمعية يسأل عنه المنسحبون لأن الدستور أعد بالتوافق ومضمونه مقبول من الجميع ولذلك فالخلاف لا علاقة له بهذا المضمون ولكن لأسباب أخرى.
وحسان هو مَنْ قام بقراءة مواد الدستور الـ 236 كاملة خلال جلسة التصويت، الخميس الماضي، على الرغم من تجاوز عمره الـ80 عامًا.
وأوضح أن الجمعية جمعت كافة محاضر جلسات النقاش التي دارت داخل لجانها في مضبطة تنشر قريبًا حتى يطلع عليها الجميع ويتأكد أن الخلاف لا علاقة له بمضمون الدستور.
وإليكم نص الحوار
* بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني، كان الشارع المصري يطمح إلى دستور يترجم أهدافه فما موقع تلك الأهداف من الدستور الجديد؟
الدستور المصري الجديد بني على مبادئ ثورة 25 يناير، حيث يكفل الحريات والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ويعبر عن كل طوائف الشعب وطموحاته.
فعلى سبيل المثال، نصّ باب الحريات على أنه في حال حكم على شخص وقضى مدة العقوبة ثم أظهرت درجات أخرى من التقاضي براءته فله تعويض على تلك المدة لا يسقط بالتقادم، كما ضمن حق الكفاية لكل أفراد المجتمع من مسكن ومأكل ومشرب، ومياه نظيفة.
فجميعها حقوق نصّ الدستور على وجوب ضمانتها من قبل الدولة، فهذا الدستور يمنح من يعيش في المقابر أن يخرج لوجه الدنيا، كما كفل للفلاحين وأهل البادية حقوقًا، وهذه أول مرة يهتم الدستور بالمناطق المهمشة.
*كيف ترى المنتج النهائي للدستور؟
أرى أن هذا الدستور جاء نموذجًا للعالم، وأتمنى أن تحتذي به دول أخرى وأتحدى أي دستور على وجه الأرض لا في أوروبا ولا أمريكا نصّ على كرامة وحقوق الإنسان وفق ما نص الدستور المصري الجديد.
*ما أهم إيجابيات الدستور الجديد برأيك على كافة المستويات؟
هذا الدستور ساوى بين المصريين جميعًا، ولأول مرة في التاريخ الدستوري المصري يُنَص على مواد خاصة بالمسيحيين واليهود في الدستور، حيث نصّت المادة الثالثة على حق المسيحيين واليهود في الاحتكام لشرائعهم في أحوالهم الشخصية والروحية والدينية، بينما خلت دساتير مصر منذ عام 1923 وحتى دستور 1971 من مثل هذا النص، كما نصّ على حق المواطنة عملاً بقوله تعالى "كيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله"، وهذا الدستور راعى حقوق الشعب المصري.
وهذا الدستور لأول مرة من صنع الشعب المصري، فالدساتير السابقة شكّلت لجانها من قبل الملك أو الرئيس ولكن هذا الدستور شكل من مجلسين نيابيين تم انتخابهما انتخابًا مباشرًا من قبل الشعب في انتخابات شهد العالم أجمع بنزاهتها.
*هناك انتقادات وجهت للطريقة السريعة التي أنجزت بها عملية التصويت على الدستور، فلماذا لجأتم لهذه الطريقة؟ وهل كانت بناء على تكليف من رئاسة الجمهورية؟
نحن التزمنا بالجدول الزمني الذي نصّ عليه الإعلان الدستوري الصادر في مارس/آذار 2011.
*ما هي كواليس العمل داخل الجمعية؟، وما سبب جملة الانسحابات التي شهدتها الجمعية مؤخرًا؟
لم تكن هناك كواليس، فكافة إجراءات وخطوات عمل الجمعية كانت معلنة أمام الرأي العام ووسائل الإعلام، والجمعية وضعت منذ اليوم الأول خطة عمل واضحة لها والتزمت بالإعلان الدستوري الصادر في مارس 2011، وكانت كافة القوى ممثلة في كافة اللجان بما فيها لجنة الصياغة، واستمر العمل بمشاركة جميع التيارات خلال الشهور الستة ولم تصاغ مادة إلا بأيادٍ مشتركة، حتى أن المواد التي كانت محل خلاف عقدت اجتماعات خاصة لها، وبعد الانتهاء من الدستور، وقبل جلسة التصويت فوجئنا بإعلان عدد من أعضاء الجمعية الانسحاب.
*نريد أن نعرف منك كواليس جملة الانسحابات التي شهدتها الجمعية في الأيام الأخيرة قبل إقرار الدستور، وكيف تم التعامل معها؟، وما هي المواد المختلف عليها؟
الحقيقة هناك علامات استفهام حول موقف المنسحبين من الجمعية التأسيسية فهؤلاء شاركوا علي مدار 6 أشهر في عمل شاق ومتواصل وهم شركاء أساسيون في صناعة كل مادة من مواد الدستور، ولم تمر مادة واحدة إلا بالتوافق وبعد مناقشات مطولة حتي أن كل مادة استغرقت متوسط 300 ساعة من المناقشات ومحاضر جلسات تشهد علي ذلك ومضبطة الجلسات خير شاهد علي ذلك، بل إن بعضهم كان يملي علينا المواد إملاءً ثم يخرج ليعترض أمام وسائل الإعلام.
والحقيقة أنهم ليس لديهم سبب موضوعي يتعلق بالدستور أو أي مادة من مواده لأنهم شركاء في صنع هذا المنتج ووافقوا عليه وذلك موجود بالصوت والصورة والتوقيعات شاهدة علي ذلك، وعلى المنسحبين الإجابة لماذا انسحبوا قبل جلسة التصويت.
* شاركت في إعداد الدستور المصري الذي شهد خلافًا حادًا حول المادة الثانية، وتحديدًا كلمة "مبادئ" أو "أحكام" الشريعة، باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع، فما الفرق بينهما ولماذا فضّلتم كلمة مبادئ؟
كان الإسلاميون متمسكون بلفظ "الشريعة" بينما تمسك التيار الليبرالي بـ "مبادئ الشريعة"، وسارت مفاوضات مطولة حتي تم التوافق على إبقاء المادة كما كانت في دستور 71 مع تقديم تفسير لكلمة "مبادئ الشريعة" من قبل هيئة كبار العلماء.
* الإسلاميون خرجوا قبل أيام للمطالبة بتطبيق شرع الله في الدستور، ومن قبلهم التيارات الليبرالية واليسارية معلنة رفضها للدستور بحجة أن الإسلاميين سيطروا على صياغته، فأين موقف الدستور الجديد من تلك المطالب؟
الدستور جاء معبرًا عن كافة المطالب وكافة فئات الشعب وقواه السياسية وكذلك تنوعاته المختلفة.
وعلى الرغم من أن الجمعية التأسيسية شكلت من مجلسين نيابيين منتخبين، شكل الإسلاميون بهما نحو 75%، إلا أن التيار الإسلامي وافق على أن يقتصر تمثيله في الجمعية التأسيسية على 50% فقط، بحسب الاتفاق الذي تم برعاية المجلس العسكري مع القوى المدنية، بحثا عن توافق، إلا أننا لا نعرف سبب انسحاب هؤلاء قبل التصويت على الدستور رغم أنهم شاركوا فيه وصاغوه بأيديهم، وهذه حقائق سيذكرها التاريخ.
*وما هي المبررات التي ساقوها لكم؟
لم تقدم للجمعية اعتذارات عن المشاركة ولكن فوجئنا بالبعض يعلن ذلك عبر الفضائيات ويسوق أمورًا لا أصل لها من الصحة.
*إذن ما سر الخلاف؟
أنا لا أملك التفسير ولكن الشعب عليه أن يتعرف علي الأسباب من خلال الاطلاع علي المضبطة.
وأؤكد ثانية أن مشروع الدستور ليس محل خلاف، وما يقال خلاف ذلك محض افتراء، ولا أساس له من الصحة، كما أن القضية ليست الإعلان الدستوري لأن هناك 9 أيام فقط باقية علي الاستفتاء يعقبها انتهاء المرحلة الانتقالية ويصبح الرئيس بلا صلاحيات تشريعية فلا سلطات للرئيس بعد الاستفتاء إلا القليل، حيث ستذهب سلطة التشريع إلي مجلس الشوري لحين إجراء الانتخابات البرلمانية.
الدستور الجديد ترك صلاحيات قليلة للرئيس حتى لا يكون مجرد "باشكاتب"، كما يريده البعض، ولكنه في نفس الوقت قلص صلاحياته مقارنة بدستور 1971، وحمى مصر من أن يصبح فيها ديكتاتور أو فرعون جديد، ولا أرى أن نضع شعب مصر الطيب في هذا الموقف لأجل نخبة لها مصالح وتوازنات معينة.
*وماذا عن موقف رئاسة الجمعية؟
الحقيقة أن المستشار حسام الغرياني، رئيس الجمعية، اتصل بالمنسحبين فردًا فردًا، وقال لهم بعبارات طيبة أنتم شاركتم في وضع الدستور، وإذا كانت هناك أمور عليها خلاف تعالوا نناقشها، ولكن ماذا نصنع مع أناس شاركوا ثم تركونا في اللحظة الأخيرة، وأقول لهم إذا كانت هناك توازنات يجب ألا تكون على حساب مصر أو استقرارها والحكم بيننا المضابط والتوقيعات على محاضر الجلسات.
*وكيف ستكون المضابط حكمًا وهي في أدراج الجمعية التأسيسية؟
ما تواجهه الجمعية الأيام الأخيرة من انتقادات وتخلي الكثيرين عن مواقفهم السابقة دفعنا لجمع كافة المضابط ومحاضر الاجتماعات لعرضها على الرأي العام في أقرب وقت ليتعرف علي مواقف الجميع.
* البعض يشكك في شرعية الجمعية التأسيسية بعد حل مجلس الشعب فما رأيك في ذلك؟
الجمعية شكّلت من صفوة المجتمع واختيرت من قبل الشعب وهي شرعية 100% وقد عملت الجمعية التأسيسية منذ إنشائها بنظم ديمقراطية فكانت لا تصاغ مادة إلا بعد مناقشتها من كافة الجوانب في كافة اللجان التي جمعت بين التيارات المدنية والإسلامية وإذا ما انتهت اللجان منها تتم مناقشتها في الجمعية العامة، أما المواد الخلافية فعقدت لها جلسات خاصة ونوقشت حتي تم التوافق وأنا لم أر جمعية تضع دستورًا بهذه الديمقراطية.
*كم نسبة رضائك عن الدستور؟
100%
*على مدار الشهور الخمسة الماضية شهدت البلاد العديد من الأحداث السياسية فهل أدت لتغيير أو تعديل بعض المواد؟
الدستور تضمن كافة الرؤى والمقترحات التي تخدم الشعب المصري.
*الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي قبل أيام منح الجمعية التأسيسية شهرين لإنهاء عملها، لماذا لم تستغلوا تلك المدة؟
الجمعية وضعت جدولاً زمنيًّا منذ بداية عملها والتزمت بالإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس العسكري ونصّ علي منحها 6 شهور لإعداد الدستور وتم العمل وفق هذا الجدول وتم التوافق علي مواد الدستور بالكامل قبل شهر والمدة الزائدة لا طائل منها مادام الدستور انتهي ولم يبق سوي التصويت.
*ولو حتى بهدف التجويد؟
عملية التجويد كانت مستمرة طيلة إعداد مواد الدستور، فالجمعية كانت تنفّذ إعلانًا دستوريًّا لم يعترض عليه أحد من القوى السياسية، وهو إعلان مارس 2011، كما أن الجميع كان يعمل، وعمل اللجان بالكامل موثق صوت وصورة والتوقيعات تشهد ومن يقول إن الدستور مسلوق فأقول له إن الدستور انتهى قبل يومين فقط من المدة المحددة له ولو كان مسلوقًا لانتهينا منه قبل شهرين أو ثلاثة.
*ألم تكن هناك فرصة لحل الخلافات ومشكلة المنسحبين؟
لم تكن هناك خلافات والدليل المضبطة.
*البعض يري أن العجلة بعملية التصويت كانت بناءً علي تعليمات من مؤسسة الرئاسة إنقاذًا لأزمة الإعلان الدستوري؟
لا يقبل أي عاقل أن يكون خاتمًا في أصبع الرئاسة خاصة أن الجمعية منتخبة من الشعب.
*إلى أي درجة يتوافق الدستور مع الشريعة الإسلامية؟
الدستور ليس به ما يخالف الشريعة الإسلامية ونحن لم نصغ شريعة ولا إسلامًا في دستور ولكن الإسلام منذ 1400 عام حمى الحقوق والحريات بشكل لم يتضمنه أي دستور أو إعلان عالمي لحقوق الإنسان ويكفي أن الدستور الجديد نصّ على أن الكرامة حق لكل إنسان.
*ألا يوجد في الدستور الجديد أي سلبيات؟
هو اجتهادات بشر ولا عصمة إلا لكتاب الله ودستور 23 كان إنتاج بشر وعدّل بدستور 1954 ثم 71 ولا يوجد دستور فوق التعديل.
*نصّ الدستور الجديد علي منح البرلمان الحق في تعديل الدستور، فهل ترى أن هذ النص قد يسمح بتغيير الدستور بحسب الأغلبية البرلمانية، في حين الدستور الأصل فيه أن يتسم بالاستقرار والتمثيل العام للمجتمع؟
وضع هذا النص لأن الدستور ليس قرآنًا، والدستور بهذه الصيغة يقدم أقصى ضمانة تجمع بين التعديل ومصلحة الأمة وبين تحقيق الاستقرار أيضا.
*متى انقسم الشارع المصري؟، وكيف يتم حل تلك الأزمة؟
الانقسام بدأ مع عملية التصنيف وإطلاق مصطلحات إسلاميين وتيار مدني على الرغم من أن التيار المدني يصلي ويصوم، كما أن الإسلاميين مدنيون أيضا، والحل يكمن في إعلاء مصلحة مصر والتأكد من أن الدستور الجديد سيلبي طموحات الجميع، ويدفع نحو بناء المؤسسات وإنهاء المرحلة الانتقالية.
*هل سينال الدستور رضا المصريين بعد ثورة يناير في رأيك؟
نعم، وأتوقع أن يحصل على 80% من أصوات الناخبين.
news_share_descriptionsubscription_contact
