نور أبو عيشة
غزة-الأناضول
بين أكوام من أكياس "الإسمنت" رماديّ اللون، تقف "جميلة عطية" (35) عامًا، تقي نفسها حر الشمس بـ"قبعة" رجالية، وبـ"نفس" القبعة تُخفي ملامحها "الأنثوية".. ترفع رأسها قليلا إلى الأعلى حيث تقف شاحنة الإسمنت، وتنادي: "يللا (هيا) يا محمد.. نريد أن ننجزَ هذا العمل كلّه اليوم، لا وقت للعب".
بيدين أفقدتهما ظروف الحياة اليومية "حسنهما"، فـ"غدت" كما "الرجال"، خشنةً..عريضة، تتناول "جميلة" كيسًا من الإسمنت يزن 50 كيلوجرامًا، فتتناوب في حمله، تارة تسنده إلى ظهرها، وتارة أخرى تحتضنه بين يديها، لتمشي مسافة تقارب الـ15 مترًا، فتضعه أرضًا إلى جانب الأكياس الأخرى التي نقلتها هناك لـ"توّها".
عمل "جميلة" في "رفع الإسمنت" ليس العمل "الشاق" الأول الذي تخوضه منذ نعومة أظافرها، فـ"الأعمال" الرجاليّة هي الوحيدة التي احتضنت "جميلة" في صغرها، وفي الوقت الذي تحلم فيه الصغيرات بـ"لعبة" وقطعة من "الحلوى"، حلمت "جميلة" ببضع "سويعات" من الراحة، لتعطي "جسدها" حقه في الحياة.
أعادتنا "جميلة" في حديثها لـ"الأناضول"، إلى ماقبل "عشرين" عامًا، عندما كانت "طفلة" في عمر الورود، لم تتجاوز الـ15 سنة، حيث أخذت قرارها بدخول ساحة العمل لمساعدة عائلتها، نظراً لظروفها الاقتصادية الصعبة.
لم تأخذ مهمة البحث عن العمل وقتاً طويلاً، إذ بـ"جميلة" ترضى بالقليل لتوفّر "الضروري"، فقبلت أن تعمل في مزرعة لـ"الدواجن" في الفترة المسائية لتحافظ على دوامها المدرسي صباحاً، فعملت في المزرعة من الساعة السادسة مساءً وحتى ساعات الفجر.
دخْل جميلة "المادي" من المزرعة -لفتاة بعمرها- كان مغرياً إلى حد جعلها تعلن اسقالتها "الدراسية" وتتفرغ للعمل في المزرعة، حيث استطاعت لمدة "عشر" سنوات أن تعيل أسرتها بـمبلغ يقدر بـ(250) دولار شهرياً.
وبعد عشر سنوات، انتقلت للعملِ في معمل لـ"حجارة" الباطون، فترفع على أكتافها "الناعمة" أحجاراً مزقت معالم شبابها، فكان العقد الـ"عشرين" من عمرها مفصلاً "تاريخياً" نقلها لممارسة الأعمال الشاقة بعد أن تركت عملها في المزرعة.
كانت يدا جميلة شاهدتين على معاناتها، في الوقت الذي امتنعت فيه عن مد يدها لطلب المساعدة، قائلة لمراسلة "الأناضول": "علينا أن نكون أقسى من الظروف، لنقوى على اجتيازها، فلقمة العيش المغمسة بمرارة الحياة أهون بكثير من لقمة تأتي نتيجة مد اليد للآخرين".
سبع سنوات كانت كفيلة لأن تعطي كفي "جميلة" ملامح الحجارة، فغرست كل زاوية من الحجارة مكانها على "كفيها" علها تشهد للتاريخ أن "حسناء غزة أكلت من عرق جبينها".
وعلى الرغم من مشقة العمل على "الأنثى" إلا أنها تقاضت مقابل رفع كل (80) حجرًا من الباطون (الأسمنت) مبلغ (نصف) دولار، أي ما يعادل (5) دولارات يوميًا.
ومؤخراً، أي ما قبل ثلاث سنوات.. انتقلت "جميلة" للعمل في مصنع لـ"الإسمنت" في بلدة بيت حانون، شمال قطاع غزة.
وتقول: " العمل لا يعيب المرء، المهم أن يأكل من عمل يداه، وأنا أفضل أن أعمل طيلة ما بقي من عمري في رفع الإسمنت على أن أمد يدي لأطلب نقوداً من الناس أو مساعدة".
وتوضح جميلة أنها تعيل أسرتها المكوّنة من والدها ووالدتها "المريضة"، وبنات أخيها المتوفى، وعددهم 8 فتيات.
وتشير إلى أن أشقاءها الأربعة الذكور، قتلوا في حرب غزة، التي شنتها إسرائيل على القطاع غزة (نهاية2008-بداية 2009).
وبعد مقتل إخوتها –الأربعة- أصيبت والدتها بجلطة أعاقت يدها وقدميها الاثنتين عن الحركة، ونظراً لصعوبة الوضع الاقتصادي فقد تعذر عليها أن تكمل علاج والدتها.
وتقول: "أمي بحاجة إلى علاج دائم، وأنا أعيل ثمانية أطفال، ووالدي ووالدتي، وزوجة أخي، كيف لي أن أوفر ثمن العلاج أيضاً؟!"
وتضيف جميلة:" أتناسى أحياناً أن لي احتياجات خاصة، أخص بالراتب الذي أتقاضاه أفراد عائلتي، كما أنني ربطت مستقبلي القادم بمستقبل بنات أخي، فحياتي لهن، وهن الأجدر بعيش مستقبلهن بأمن وراحة".
وفي مكان لا يليق بالحياة الآدمية، ولا يصح أن يطلق عليه اسم "بيت"، خصصت "جميلة" ركناً صغيراً لا تتجاوز مساحته الأمتار، لتسكن به مع والدها ووالدتها، أما الركن الثاني فقد خصصته "جميلة" لتربية "المواشي والطيور".
جنباً إلى جنب.. تعيش أسرة جميلة و"المواشي" في "مكان" تغطي جوانبه قصاصات من القماش، وأما سقفه فيرفعه ألواح من الحديد.
وتقول جميلة: "أسكن في هذا المكان منذ صغري، اعتدت الحياة هنا، حتى أن هذه الأرض التي تحملنا على كفيها، هي أرض (وقف إسلامي)، ليست ملكنا، وفي الشهر الأخير وصلتنا عدة بلاغات شرطية تطلب منا إخلاء هذا المكان!".
وتشير إلى أن زوجة أخيها تسكن مع أبنائها في منزلها القريب، مضيفة: "في هذا المكان لا يوجد حيز للحياة، فنعيش في مربع صغير نقضي فيه كل حاجياتنا، فلا يوجد مكان مخصص للطبخ، ولا آخر مخصص لقضاء الحاجة".
وتلفت إلى أنها كانت توفر مبلغا صغيراً "شهرياً" حتّى تشتري المواشي والطيور، بحيث تشكل هذه المواشي دخلاً تعيل به جميلة الأسرة عند "الأزمات"، مضيفةً: "عند الأزمات، كمنع إدخال الإسمنت لقطاع غزة، أبيع إحدى المواشي، أو أبيع بيض الدجاج لأصرف على العائلة".