عبد الرزاق بن عبد الله
الجزائر -الأناضول
مر اليوم الجمعة أسبوع كامل على الوعكة الصحية التي تعرض لها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ونقل على إثرها يوم السبت الماضي للعلاج بمستشفى فال دوغراس العسكري في العاصمة الفرنسية باريس.
وبينما تنتشر الشائعات والتكهنات في الشارع ووسائل الإعلام الجزائرية حول تدهور صحة بوتفليقة، توالت التطمينات من الحكومة ومصادر طبية رسمية بشأن صحة الرئيس، فيما حرص الأخير على إرسال رسائل إعلامية إلى المواطنين في المناسبات التي مرت بها خلال الأسبوع الجاري أكد خلالها أنه يتماثل للشفاء.
وفي أوقات سابقة الأسبوع الماضي، نقلت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية عن مصادر طبية إن الوضع الصحي للرئيس "مستقر ولا يبعث على القلق"، لافته إلى أنه "نقل إلى خارج الوطن من أجل مواصلة الفحوصات والحصول على راحة".
وفيما لم يظهر الرئيس الجزائري حتى مساء اليوم على شاشة التلفزيون الرسمي كما حدث عام 2005 عندما بث لقاء معه من مستشفى فال دوغراس عقب إجرائه عملية جراحية ناجحة ، فقد حاول سد "الفراغ السياسي" الذي تركه في الساحة برسائل تنشرها وكالة الانباء الرسمية منذ مغادرته البلاد.
الرسالة الأولى بعث بها بوتفليقة عشية ذكرى اليوم العالمي للعمال الذي وافق الأربعاء الماضي (الأول من مايو/ أيار)؛ حيث هنأ فيها الشعب الجزائري بحلول هذه الذكرى التي يحتفل بها في الجزائر تحت مسمى "عيد الشغل".
كما أعرب الرئيس الجزائري في الرسالة ذاتها عن "أسفه لتغيبه للمرة الأولى منذ اعتلائه سدة الحكم عام 1999 عن نهائي كأس الجمهورية لكرة القدم".
وأحرز نادي اتحاد العاصمة لقب كأس الجزائر لكرة القدم، الأربعاء الماضي، بعد تغلبه على نادي مولودية الجزائر بهدف مقابل لا شيء.
وطمأن الشعب الجزائري على صحته قائلا لهم: "إنني وأنا أتلقى العلاج والمتابعة الطبية أحمد الله على ما من به علي من سلامة وتماثل للشفاء".
وأضاف: "أطمئن مواطني الأعزاء وأشكر كل من تكرم علي بالدعاء والتعاطف والمواساة".
أما الرسالة الثانية فوجهها الرئيس الجزائري للأسرة الإعلامية أمس الخميس عشية الاحتفال بذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة التي وافقت اليوم الجمعة؛ حيث أكد فيها "عزم الدولة على تمكين الصحافة الوطنية والإعلام من الآليات القانونية ومختلف أشكال الدعم لأداء مهامها النبيلة".
كما أعلن بوتفليقة من مشفاه "ترسيم يوم وطني للصحافة أسوة بالفئات المهنية والاجتماعية الأخرى، يوافق يوم 22 أكتوبر/ تشرين الاول المقبل تخليدا لتاريخ صدور أول عدد من جريدة - المقاومة الجزائرية- في 22 أكتوبر/ تشرين الاول 1955 الناطقة باسم جبهة وجيش التحرير الوطني" خلال مرحلة الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي.
وبينما تتواصل هذه الرسائل، يعيش الشارع الجزائري تحت رحمة الشائعات والمعلومات المتضاربة بشأن صحة الرئيس وتاريخ عودته، والتي تتردد في بعض وسائل الإعلام بصورة يومية.
وانتقدت عدة أحزاب طريقة تعامل السلطات مع ملف المرض ودعتها إلى "مزيد من الشفافية في معالجة قضية مرض الرئيس".
وفي بيان اصدرته الاثنين الماضي، قالت حركة مجتمع السلم، أكبر حزب محسوب على جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر، إن "طمأنة الرأي العام على الحالة الصحية للرئيس تقتضي الشفافية التامة والمتابعة اللحظية على أعلى مستوى وبكثير من الاحترافية لإنهاء حالة الترقب المفضي إلى المزايدات والشائعات".
وأوضح بيان الحزب أنه "أمام كثرة التساؤلات والاستفسارات، فإن حركة مجتمع السلم تؤكد لمختلف وسائل الإعلام والصحافة أنها تتعامل مع هذه الوضعية من منطلقات الآداب الإسلامية العامة المحكومة ببعدها الإنساني".
وتابع: "السيد الرئيس بشر ولكن مسؤولياته أثقل، وصحته تهمنا جميعا والاطمئنان عليه حق كل مواطن وجزء من مشاعره تجاه رئيس دولته".
ورغم تطمينات الحكومة حول صحة الرئيس، إلا أن وسائل الإعلام المحلية تطرح تساؤلات حول وجود شح في المعلومات أو صور تنهي الشائعات التي تعصف بالشارع حول الوضع الصحي للرئيس.
وبدورها تساءلت وسائل الإعلام المحلية عن سبب "التكتم الرسمي حول صحة الرئيس وموعد عودته".
وفي هذا الصدد، كتبت صحيفة الخبر (خاصة) في افتتاحيتها لعدد اليوم الجمعة منتقدة التكتم الرسمي على الوضع الصحي للرئيس، قائلة: "جرت العادة أن يمرض الرئيس، ويُنقل للعلاج في الخارج، ولا يسمع به أحد، حتى ولو بقي أسابيع متواريا عن الأنظار وأجهزة الدولة لا تسرّب الخبر للرأي العام، ويُعتبر ذلك شأنا خاصا، وليس شأنا عاما يُفترض أن يعرفه الشعب أولا بأول!".
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، انتقد عبد العالي رزاقي، أستاذ الإعلام بجامعة الجزائر، المعالجة الإعلامية الرسمية لملف مرض الرئيس.
وقال رزاقي في تصريحات إعلامية: "السلطة لم تكن لتعلن عن المرض لولا تزامن القضية مع نهائي لكأس الجزائر، والذي كان غياب الرئيس عنه بما يشكل خطرا على أمن البلاد كون انتشار الإشاعة وسط حضور عشرات الآلاف من المناصرين في العاصمة يمكن أن يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه".
كما انتقل الجدل بشأن مرض الرئيس إلى مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث انقسم رواد هذه الشبكات بين "دعوات الشفاء للرئيس"، والسخرية من "التكتم الرسمي" بشأن طبيعة مرضه.
وحول ذلك، قال عبد الكريم تفرقنيت الاستاذ في الإعلام الجديد بجامعة الجزائر لمراسل الأناضول أن مرض الرئيس " تم تداوله عبر الفيس بوك بشكل مكثف، باعتباره حدث يهم الجزائريين، كما أنه جاء في ظروف حساسة بالنسبة للجزائر، بسبب مايدور حولها من توتر أمني في تونس وليبيا ومالي".
وأوضح أن هذا الوضع "جعل الجزائريين عبر الشبكة يتمنون له الشفاء العاجل ، ربما تعبيرا عن خوفهم من المجهول ، وخشية من تدهور الوضع الأمني في الجزائر ، مع الإشارة إن اخبار أخرى تم تداولها في الفيس بوك ، اتجهت نحو اعلان خبر وفاة الرئيس بوتفليقة أو القول بتدهور صحته".
وتتوقع الأوساط السياسية والإعلامية المشدودة إلى قضية مرض الرئيس، واحدا من ثلاثة سيناريوهات بشأن مصير الرئيس بوتفليقة؛ الأول: إما أن يعلن بأن الرئيس غير قادر على الاستمرار في الحكم، فيتم تكليف رئيس الغرفة البرلمانية الثانية (مجلس الأمة) بتولي رئاسة الدولة لمدة 45 يوما، وفقا للدستور. وفي حالة استمرار المانع بعد انقضاء هذه المدة، يعلن شغور منصب الرئيس بالاستقالة. ثم يتولى رئيس "مجلس الأمة" رئاسة البلاد مدة 60 يوما، تنظم خلالها انتخابات رئاسية.
أما الاحتمال الثاني فيكمن في أن يعلن عبر تسريبات للصحافة بأن الرئيس لا يمكنه الترشح لولاية رابعة بمناسبة انتخابات الرئاسة المنتظرة ربيع العام المقبل، بسبب مرضه، وبأنه سيكمل في كل الأحوال ولايته الثالثة التي بقي منها 11 شهرا، من دون أن يضطر إلى الظهور باستمرار. وتفضل السلطة السيناريو الثاني أكثر من الأول، بحسب مراقبين؛ إذ سيمنحها فرصة البحث عن مرشح يخلف بوتفليقة.
أما الاحتمال الثالث، وهو وارد، فيكمن في مغادرة الرئيس المستشفى في غضون الأيام القليلة المقبلة، فينظم له استقبال شعبي عند عودته، ويحتفى به، ويتلقى "دعوة شعبية ملحة" بأن يترشح لولاية رابعة، وهي حالة شبيهة، إلى حد ما، بالظروف التي أحاطت فترة ما بعد خضوعه لعملية جراحية نهاية 2005.
news_share_descriptionsubscription_contact
