مصطفى حبوش
صور - مصطفى حسونة
غزة – الأناضول
اعتبر خبراء فلسطينيون أن اللاجئين الفلسطينيين لعبوا منذ تهجيرهم عام 1948 دورا كبيرا في إبقاء القضية الفلسطينية حية على الساحة العالمية؛ فمن ظروف الحياة القاسية في مخيمات اللجوء، قادوا المعركة ضد المحتل الإسرائيلي؛ فتشكلت منهم غالبية قيادات المقاومة المسلحة ضد الاحتلال سواء في الداخل أو الخارج، وقيادت منظمة التحرير الفلسطينية.
كما أن أغلب الشعراء والكتاب والأدباء - الذين ظهروا على الساحة الفلسطنية طيلة العقود الستة الماضية - هم من اللاجئين الفلسطينين الذين نقلوا قضيتهم وقضية وطنهم إلى العالم عبر الروايات والأدب والشعر، بحسب هؤلاء الخبراء.
وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تعرض نحو 800 ألف من السكان الفلسطينيين للطرد من أراضيهم، على أيدي "العصابات الصهيونية المسلحة" عام 1948، وذلك من 531 قرية ومدينة فلسطينية.
ومعظم هؤلاء اجتازوا الحدود كلاجئين إلى البلدان العربية المجاورة، مثل الأردن و لبنان وسوريا، فيما لجأ جزء آخر إلى القرى والبلدات والمدن الفلسطينية كانت تحت السيطرة "العربية" آنذاك (الضفة الغربية خضعت للإدارة الأردنية، وقطاع غزة خضع للإدارة المصرية)، وفريق ثالث بقى في دولة إسرائيل التي أعلن عن قيامها في 15 مايو/ آيار 1948
ويبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها نحو 4.7 مليون لآجئ، وفق إحصائية الأمم المتحدة لعام 2010.
وحول دور اللاجئين الفلسطينيين في القضية الفلسطينية، قال ناهض زقوت مدير عام مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق والخبير في شؤون اللاجئين الفلسطينيين إن اللاجئين الفلسطينيين بدأوا "دورهم الوطني وطريقهم لاستعادة أرضهم منذ لحظة وصولهم لمخيمات الشتات الفلسطيني عام 1948 حيث عملوا على إعادة ترتيب أوراقهم وأنفسهم ليعملوا على تحرير أرضهم".
واضاف زقوت في تصريحات خاصة لمراسل الأناضول: "اعتمد اللاجئون الفلسطينيون في بداياتهم على العرب لتحرير أرضهم، لكنهم اكتشفوا أن الدول العربية لا تملك أي مخطط لاسترجاع فلسطين؛ فكان أول عمل منظم لهم عام 1964 حيث تم تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية بقرار عربي، وكلف أحمد الشقيري وهو لاجئ فلسطيني من مدينة عكا بتشكيل هذه المنظمة".
وبحسب زقوت، "لم تكن وجهة نظر الشقيري في تأسيسه لمنظمة التحرير مماثلة لتوقعات العرب التي كان هدفهم من هذه المنظمة احتواء الفلسطينيين لا أكثر؛ فعمل على تأسيس منظمة قوية وجيش فلسطيني أطلق عليه اسم (جيش التحرير)، ووضع هدفا للمنظمة هو: تحرير فلسطين عبر الكفاح المسلح، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضهم التي هجروا منها".
بقي الشقيري رئيساً للمنظمة حتى عام 1967؛ حيث قدم استقالته وتولى رئاسة المنظمة بدلا منه يحي حمودة بالوكالة، قبل أن يتولى رئاستها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في عام 1969.
وأشار الخبير الفلسطيني ناهض زقوت إلى ان جميع قادة منظمة التحرير الفلسطينية الأربعة الذين تعاقبوا على رئاسة المنظمة هم من اللاجئين الفلسطينيين؛ فأحمد الشقيري من مدينة عكا (شمال إسرائيل حاليا)، ويحي حمودة من قرية لفتا قضاء القدس، وياسر عرفات تعود أصوله لمدينة القدس، ومحمود عباس من مدينة صفد (شمال إسرائيل حاليا).
وذكر أنه "في عهد ياسر عرفات انضم إلى منظمة التحرير جميع التنظيمات الفلسطينية المسلحة والفدائيين الذين كانوا في غالبيتهم من اللاجئين الفلسطينيين؛ فالمخيمات الفلسطينية كانت تمثّل وقوداً لجميع التنظيمات؛ لأن لاجئيها ذاقوا مرارة الهجرة والتشرد، ولم يكن لديهم المزيد ليخسرونه فحاولوا استعادة أرضهم وتحرير بلادهم".
وأضاف زقوت أن اللاجئين الفلسطينيين "عملوا من خلال منظمة التحرير على صياغة برنامج وميثاق وطني فلسطيني في أواخر الستينات (من القرن الماضي) أكد على تحرير الأرض الفلسطينية وعودة اللاجئين ومواصلة الكفاح المسلح ضد إسرائيل".
وتابع: "قبل تولي ياسر عرفات منظمة التحرير الفلسطينية كان قائداً للفدائيين الفلسطينيين الذين انطلقوا من مخيمات الشتات وخاضوا المعارك ضد إسرائيل فكانت أول عملية عسكرية نفذها لاجئون فلسطينيون هي عملية قرية عيلبون، شمال إسرائيل، التي نفذتها مجموعة مسلحة من قوات العاصفة التابعة لحركة فتح عام 1964 واستشهد فيها أحمد موسى سلامة وهو لاجئ من قرية ناصر الدين في مدينة طبريا (شمال إسرائيل حاليا)" .
ولعل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية وفي لبنان على وجه التحديد، وفق الباحث في شئون اللاجئين ناهض زقوت، "كانت تمثل وقوداً للتنظيمات الفدائية الفلسطينية؛ فكانت تلك التنظيمات تجند اللاجئين، وتدربهم على السلاح، وترسلهم لينفذوا العمليات العسكرية في عمق إسرائيل".
وأضاف زقوت أن "معركة الكرامة التي خاضها اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ضد إسرائيل وهزموها فيها شر هزيمة عام 1968 ذروة كفاحهم المسلح، وتزامن معها عمليات خطف الطائرات التي اشتهرت فيها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في حقبة السبعينات وكانت اللاجئة الفلسطينية من مدينة حيفا ليلى خالد أبرز منفذيها".
وبخلاف الأردن، شكل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بحسب زقوت، "قوة كبيرة حتى أصبح يقال: إنهم دولة داخل دولة؛ حيث نفذوا العديد من العمليات التي أوجعت إسرائيل، وأبرزها عملية اختطاف الحافلة التي كانت في طريقها من حيفا إلى تل أبيب في مارس/ آذار 1978 ونفذتها اللاجئة الفلسطينية دلال المغربي والتي ولدت في مخيم صبرا وشاتيلا في لبنان".
ورأى الخبير الفلسطيني أنه "عقب الانجازات التي حققها اللاجئون الفلسطينيون في معركة الكرامة وحوادث خطف الطائرات والعمليات المسلحة الناجحة في عمق إسرائيل بدأ البعض يحاول كسر شوكتهم فكانت أحداث سبتمبر/ أيلول الأسود في الأردن عام 1970 التي راح ضحيتها آلاف اللاجئين الفلسطينيين، وتبعها حرب لبنان عام 1982، ومن ثم مجزرة مخيم صبرا وشتايلا بلبنان في سبتمبر/ أيلول عام 1982 والتي راح ضحيتها قرابة 5000 لاجئ، وبعدها كانت حرب المخيمات التي دارت من عام 1985 إلى 1988 والتي استنزفت المخيمات الفلسطينية في لبنان".
وأضاف أن اللاجئين الفلسطينيين لم يسلموا من حرب الخليج الثانية عام 1991؛ حيث تم طردهم من الكويت بعد انتهاء حربها مع العراق بسبب موقف الرئيس ياسر عرفات المؤيد للموقف العراقي في ذلك الوقت، وتم ذبح للاجئون الفلسطينيون في العراق في الحرب الأمريكية عام 2003، وها هم يقتل منهم الآلاف في مخيمات اللجوء في سوريا منذ عام 2011".
ورأى زقوت أن الدافع الذي كان يحفز اللاجئين الفلسطينيين على مواصلة الكفاح المسلح من أجل القضية الفلسطينية، هو حالة البؤس والتشرد والظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية التي كانوا يعيشونها في مخيمات اللجوء".
وأضاف: "ظروف المخيمات القاسية أخرجت قيادات الشعب الفلسطيني فكان معظمهم من اللاجئين الفلسطينيين".
وأشار إلى خروج معظم قيادات الفصائل الفلسطينية من المخيمات؛ لأنهم هم أصحاب الحق الذين ذاقوا ويلات الحروب والتشرد والبؤس".
ولفت في هذا الصدد إلى أن ياسر عرفات مؤسس حركة فتح من القدس، وجورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية من مدينة اللد (وسط إسرائيل حاليا)، ومؤسس حركة "حماس" أحمد ياسين من قرية الجورة شمال قطاع غزة، وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس من قرية سلواد قضاء القدس، وإسماعيل هنية القائد في حماس وهو أيضاً لاجئ فلسطيني من قرية الجورة شمال قطاع غزة.
ولم يكن دور اللاجئين الفلسطينيين الوطني مقصوراً على الكفاح المسلح، بحسب زقوت، الذي قال إنهم "عملوا على نقل قضيتهم ومعاناتهم عبر الروايات والأدب والشعر فكان معظم الشعراء والكتاب والأدباء الفلسطينيين من اللاجئين".
من جانبه، لخص عدنان أبو عامر، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح في غزة، الدور الذي لعبه اللاجئون الفلسطينيين في حماية القضية الفلسطينية قائلا: "لعبت المخيمات الفلسطينية بالوطن والشتات دورا مركزيا في الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية على عدة أصعدة؛ أبرزها: حماية قضية فلسطين عموما من الاندثار والنسيان، وإبقاء قضية اللجوء في وجدان الفلسطينيين أجيالا متعاقبة وإلغاء مقولة أن الأجيال اللاحقة ستنسى".
وأضاف أبو عامر لمراسل الأناضول: "عمل اللاجئون على بلورة وإنشاء الحركة الوطنية الفلسطينية عبر إطلاق شرارة ثورة التحرير حيث اعتبرت المخيمات حاضنة للثورة وعنوانا للتضحيات".
وتابع: "كما تحمل اللاجئون العبء الأكبر في الانتفاضتين الأولى عام 1987 والثانية عام 2000؛ بحيث بقيت المخيمات الرمز الحي لقضية اللاجئين وحقهم في العودة والمستهدف الأول في أي اجتياح تقوم به إسرائيل".
وفي هذا الصدد، لفت الخبير في الشأن السياسي الفلسطيني إلى أن إسرائيل دأبت على طي صفحة ما حدث سنة 1948 من تشريد للاجئين الفلسطينيين من خلال شن هجمات متواصلة على مخيمات اللجوء الفلسطينية في داخل فلسطين وخارجها".
ويعيش ما يزيد على 1,4 مليون لاجئ، يشكّلون ما نسبته ثلث إجمالي اللاجئين المسجلين، في 58 مخيمًا معترفًا به في حين تتوافر خدمات الوكالة في تلك المخيمات أو في المناطق المجاورة لها.
وتتوزع مخيمات اللاجئين بواقع 12 مخيمًا في لبنان، و10 مخيمات في الأردن و9 مخيمات في سوريا و27 مخيماً في أراضي السلطة الفلسطينية، موزعة بواقع 19 مخيما في الضفة الغربية و8 مخيمات في قطاع غزة.
ويعاني اللاجئون من ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية داخل مخيماتهم وتقوم على توفير فرص العمل والإغاثة لهم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" التابعة للأمم المتحدة.
و"الأونروا" تأسست بموجب قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر/ كانون الأول 1949، ولها مقران رئيسيان في فيينا وعمَّان.
news_share_descriptionsubscription_contact
