محمد الخاتم
الخرطوم- الأناضول
تترقب الخرطوم وجوبا وصول أول شحنة من نفط دولة جنوب السودان إلى ميناء بشائر على ساحل البحر الأحمر شرقي دولة السودان نهاية مايو/آيار المقبل، بعد 16 شهرا من توقف إنتاج النفط. وتوقف إنتاج النفط مطلع 2012 بسبب خلاف البلدين على حزمة من القضايا المترتبة على انفصال الجنوب عن الشمال عام 2011، أبرزها اقتسام عائدات النفط، وتأمين الحدود الذي عطل أيضا التجارة الحدودية المهمة لكليهما.
ووقع البلدان في سبتمبر/أيلول الماضي برعاية الاتحاد الإفريقي بروتكول تعاون شمل تسع اتفاقيات أبرزها اتفاق أمن الحدود الذي يمنع دعم أي طرف للمتمردين على الطرف الآخر واستئناف تصدير نفط الجنوب الذي لا منفذ بحري له عبر الأراضي الشمالية .
لكن الخرطوم اشترطت إنفاذ الاتفاق الأمني أولا ووقف الدعم الذي تقول إن جوبا تقدمه لمتمردين يحاربونها في مناطق متاخمة لدولة الجنوب قبل استئناف الأخيرة تصدير نفطها، وهو الخلاف الذي طوياه في مارس/آذار الماضي لإنقاذ اقتصاديهما من الانهيار.
واستحوذ جنوب السودان على 75 % من حقول النفط بعد انفصاله في يوليو/تموز 2011 بينما استحوذ السودان على البنية التحتية اللازمة لعمليات النقل والتكرير والتصدير.
وأوقف جنوب السودان إنتاجه النفطي (350 ألف برميل يوميا) في يناير/كانون الثاني 2012 بسبب خلافه مع الخرطوم حول رسوم النقل والتكرير والتصدير، لكن الطرفين اتفقا في سبتمبر/أيلول الماضي على رسم ما بين 9 – 11 دولارا للبرميل الواحد حسب الحقل المنتج منه، فضلا عن 3 مليارات و28 مليون دولار تدفعها جوبا للخرطوم لتعويضها عن خسارتها لحقول النفط بواقع 15 دولار عن أي برميل نفط لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة.
وبلغت عائدات النفط الكلية قبل الانفصال 470 ألف برميل يوميا؛ حيث كان السودان ينتج وقتها 120 ألف برميل ارتفعت العام الحالي إلى حوالي 150 ألف برميل، كانت تساهم بأكثر من 50% من موارد الموازنة العامة، وتمثل المصدر الأساسي لتوفير العملة الصعبة لتغطية الوارادات، وبفقدانها وصلت نسبة التضخم في الخرطوم إلى مستويات غير مسبوقة قاربت نسبة الـ50 % وتدنت قيمة العملة الوطنية إلى 7 جنيهات مقابل الدولار الواحد.
ويمثل النفط 98 % من إيرادات دولة جنوب السودان الذي يعتمد منذ توقف إنتاجه على الدول المانحة لتغطية نفقاته، رغم الانتقادات القاسية التي وجهتها هذه الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة لجوبا بسبب قرار وقف الإنتاج.
وقال وزير النفط في جنوب السودان، ستيفن ديو، في تصريحات صحفية قبل أسبوعين إن بلاده ستبدأ نهاية مايو/آيار المقبل تسويق أول شحنة من الخام الذي بدأ إنتاجه فعليا في 6 أبريل/نيسان الجاري من حقل ثارجاث بولاية الوحدة المتاخمة للسودان بعد وصولها إلى الميناء السوداني على البحر الأحمر.
وينقل نفط الجنوب عبر خط نقل سوداني يبدأ من منطقة هجليج الحدودية، والتي تنتج حاليا 50% من الخام السوداني، ويمتد الخط 1610 كيلومترا يتخللها عدد من محطات المعالجة وصولا لميناء بشائر على البحر الأحمر.
وقال ديو إن حقول ولاية أعالي النيل، وهي أيضا ولاية متاخمة للشمال وتنتج غالبية نفط الجنوب ( 250 الف برميل )، ستبدأ إنتاجها بـ180 ألف برميل، وستصل إلى مستوى الإنتاج الكامل بالتدرج بعد شهرين.
وأوضح أن القتال الذي نشب بين البلدين العام الماضي خلف أضرارا في خطوط النقل تحتاج لوقت لمعالجتها، مضيفا أن "حكومته تتوقع وصول أول إيرادات نفطية في يوليو المقبل" .
وبحسب الجدول الذي أعلنته جوبا فإن الإنتاج بدأ منتصف الشهر الجاري بمعدل 150 – 200 ألف برميل يوميا يستغرق وصولها الميناء حوالي شهر ونصف الشهر .
وقال وزير النفط السوداني عوض الجاز أمس إن الأسبوع القادم سيشهد دخول أول إنتاج من حقل سارجاث إلى محطة المعالجة الرئيسية بمنطقة هجليج.
من جانبه قال أستاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم عثمان البدري لمراسل الأناضول إن "استئناف إنتاج نفط الجنوب سيساهم في تحسن الأوضاع الاقتصادية بالشمال، ليس من واقع الرسوم التي سيحصل عليها، بل لأن الجنوب ستتوفر له الموارد اللازمة لتغطية احتياجاته التي يستوردها من الشمال بالعملة الصعبة".
ويستورد الجنوب من الشمال حوالي 120 سلعة حسب إحصائيات رسمية.
ولفت البدري إلى أن "المنشآت النفطية المعطلة منذ يناير/كانون الثاني 2012 ستوفر آلاف فرص العمل، الأمر الذي يؤثر أيضا في تحسن الوضع الاقتصادي للخرطوم".
وحذر الحكومة من "عدم الاتعاظ من التجارب السابقة وعدم إستغلال عائدات النفط بالطريقة المثلى في القطاعات الإنتاجية وصرفها في بنود بذخية غير مبررة".
ويقدر خبراء عائدات النفط السوداني منذ بدء انتاجه في العام 1998 بـ60 مليار دولار، يقولون إن الحكومة أهدرتها ولم تستثمرها في القطاعات الإنتاجية المهمة مثل الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية.
واعتبر البدري أن "الأولويات واضحة جدا أمام الحكومة، وعليها استثمار عائدات النفط في القطاعات الإنتاجية غير الناضبة".
وتابع: "على الحكومة وقف تصدير الخامات وتشجيع الصناعة، على سبيل المثال، بدلا عن تصدير الحبوب الزيتية عليها تشجيع صناعة الزيوت، فالآن لدينا مصانع معطلة رغم أن طاقتها الإنتاجية 3 مليون طن سنويا".
وأشار أستاذ الاقتصاد السوداني إلى أن "مصر تستهلك 200 مليون طن من زيوت الطعام سنويا بينما تنتج 50 ألف طن أي أن فجوتها 98 %، انظر إلى حجم الفائدة من تصدير الزيوت إلى مصر بدلا عن الحبوب الزيتية".
وذكر أن "على الحكومة الاستثمار المباشر في الزراعة لأن المستثمرين الأجانب يبحثون عن الأرباح السهلة ويستغلون الأراضي والمياه دون اعتبار للمصلحة الوطنية".
البدري شدد أيضا على ضرورة ترك الحكومة لمنهجها السابق في إدارة عائدات النفط قائلا إنه "إذا استمر نفس الأشخاص في ذات السياسات فلا فائدة مرجوة وعلى الحكومة أن تعيد النظر في الفريق الاقتصادي".
وتغطي العائدات النفطية أكثر من 90 % من العجز المعلن في موازنة السودان للعام 2013 والذي يبلغ 10 مليار جنيه (1.47 مليار دولار)، لكن خبراء يشككون في الأرقام الواردة في الموازنة ويقولون إن العجز أكبر بكثير مما هو معلن.
news_share_descriptionsubscription_contact
