محمود فاروق
القاهرة ـ الأناضول
يقلب جواز السفر بين يديه في صمت لا يخلو من حيرة.. يطيل النظر في الختم المطبوع على تأشيرة الدولة الأوروبية والتي يعلم جيدا أنها لن تكون سوى محطة عابرة في طريق الوصول نحو غايته.. إسرائيل.
يفزع بمجرد ورود الإسم على خاطره فلطالما اقترن في وجدان أبناء شعبه بـ"العدو".. يتذكر حديث صديقه مطمئنا "لا تقلق.. لن يعرف أحد.. فبمجرد وصولك للدولة الأوروبية ستنطلق منها إلى تل أبيب، تعمل وتربح وتعيش وربما تتزوج، ثم تعود لذات الدولة الأوروبية، وهناك تدعي أنك فقدت جواز سفرك، فتستخرج بديلا لا يوجد عليه ختم الدخول والخروج من إسرائيل، تعود به إلى مصر بسهولة".
يهدأ قليلا قبل أن يعود التردد ليراوده مجددا، وهو ينظر للصليب المطبوع على معصمه، فقد كان عليه قبل أن يقوم بتلك الإجراءات أن يحرر محضرا بقسم الشرطة بإحدى محافظات الصعيد، جنوب مصر، بأنه "مضطهد دينيا"، ليقدم صورة هذا المحضر إلى الدولة الأوروبية فتمنحه حق اللجوء الديني، لكن صوت صديقه عاد ليملأ فراغ تردده قائلاً "فعلها قبلك مسلمون أيضا.. ادعوا أنهم شيعة وبهائيون مضطهدون دينيا".
ينظر كيرلس دانيال.. الشاب القبطي المصري ذو البضعة وعشرين ربيعا إلى شهادته الجامعية المعلقة على جدار غرفته في إطار خشبي بسيط يعلوه الغبار، قبل أن يدير لها ظهره حاملا حقيبته في حسم نحو السيارة التي ستقله للمطار.
كيرلس دانيال، الحاصل على بكالوريوس تجارة (شهادة جامعية)، واحد من الشباب المصري الذين يعتزمون الهجرة إلى إسرائيل، اشترط قبل بداية الحديث مع مراسلة الأناضول ألا يتم تصويره أو ذكر بلدته خوفا من أن "يتعرف الناس على شكله ويصبح منبوذا بينهم، أو تصير حياته مهددة بسبب انطباعات المصريين حول الصهاينة، والعداء بين شعب مصر وإسرائيل، أو يتورط في قضية تجسس"، على حد قوله.
"سافرت منذ عام تقريبا لإسرائيل على سبيل الاستكشاف أولا حيث أقمت هناك لفترة قصيرة، بعد أن أنهيت دراستي الجامعية، ورأيت في إسرائيل آلاف المصريين من المسلمين والمسيحيين، بينهم شباب بمفردهم أو أسر بأكملها سافرت معا أو تزوج رب الأسرة هناك"، يستهل دانيال رواية تجربته مع الهجرة لإسرائيل التي تقع على الحدود الشمالية الشرقية من مصر، وخاضت مع بلاده 4 حروب في الأعوام 1948، 1956 و1967 و1973، انتهت باتفاقية سلام بينهما برعاية أمريكية عام 1979.
ويتابع: "عدد كبير من بيننا سافر من أجل العمل، وآخرون يقولون إنهم سافروا بسبب الاضطهاد الديني؛ منهم مسلمون ومسيحيون".
ويكشف دانيال كيف دخل إلى إسرائيل قائلا "في البداية كي نتمكن من السفر ودخول الدول التي ننطلق منها إلى إسرائيل، نقوم بتحرير محاضر بأقسام الشرطة عن طريق دفع مبلغ مالي بسيط (رشوة) لأي فرد شرطة أو موظف بالقسم، تقضي أننا مضطهدون دينيا في مصر، حتى يكون لنا حق اللجوء السياسي".
"بعدها نسلم نسخة من المحاضر إلى الدول التي ندخلها كمحطة أولى تسبق ذهابنا لإسرائيل، ومنها قبرص (الرومية)، اليونان، رومانيا، الدنمارك وإيطاليا، إلا أن هناك من يسافر عبر الأنفاق في شمال سيناء (شمال شرق مصر)"، يستطرد دانيال، مشيرا إلى أن "التهريب عبر الأنفاق أقل تكلفة لذا يرحب به غير المقتدرين".
ويضيف "هناك مسلمون أيضاً يحصلون على تلك المحاضر ليكون لهم حق اللجوء الديني بحجة أنهم بهائيون أو شيعة، ويتجهون إلى نفس الدول ومنها إلى إسرائيل"، مردفا "الإسرائيليون يعاملوننا هناك أفضل معاملة، سواء كنا مسلمين أو مسيحيين، وسواء كان في العمل أو الحياة اليومية، وهو ما جعلنا نستمر في السفر، وبعضنا تزوج واستقر هناك".
وعن الأعمال التي يقومون بها هناك يقول "هناك زملاء لي سبقوني لهناك يعملون في جميع الوظائف، كل شخص حسب مؤهله، ودبروا لي وظيفة"، رافضا ذكر وظيفته هناك.
"العودة أيضا لا تكون مباشرة إلى مصر وإنما كما بدأ السفر، نخرج من إسرائيل إلى قبرص أو أية دولة أوروبية، ونخفي جوازات السفر المختومة بدخول إسرائيل، وهناك نقوم بالإبلاغ أننا فقدنا جوازات سفرنا، حتى نستخرج بدل فاقد لا يوجد عليه الأختام الإسرائيلية، نستخدمه في العودة إلى مصر، حيث نخشى أن تلفق لنا أي قضايا تجسس"، يواصل دنيال سرده.
ويشير إلى أنه "من الصعب حصر عدد المصريين هناك لأن الأغلبية العظمى منهم لا يسافرون مباشرة إلى إسرائيل وإنما عبر دول أخرى"، مضيفا "أشخاص كثر يسافرون في فرق موسيقية ويستقرون هناك، وإسرائيل ترحب بزيادة أعداد أبناء الدول الأخرى بها".
محمد الحمبولي، مدير مركز الحصانات والحريات الحقوقي بصعيد مصر (جنوبا) يقدر من جانبه أن "محافظات المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا بجنوب مصر، شهدت خلال الشهرين الأخيرين هجرة نحو 500 شخص على الأقل من كل محافظة منهم إلى إسرائيل، غالبيتهم من الأقباط، حيث يمثل الأقباط نسبة كبيرة في هذه المحافظات تتجاوز أحيانا الـ30%". ويشير الى انه بوجه عام زادت اعداد الاقباط المهاجرين لاسرائيل بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 نتيجة لحالة عدم الاستقرار في البلاد بجانب المخاوف من سيطرة متشددين دينيا على الحكم في مصر.
وينوه "التقيت عددا من الشباب الذي عاد مؤخرا من إسرائيل وأكدوا لي أنهم يعيشون هناك حياة سهلة، والجهات المسؤولة والمواطنين في إسرائيل يعاملونهم معاملة طيبة وحسنة، هم أنفسهم يعجبون منها".
ويلفت إلى أنه "من الصعب رصد أعداد المهاجرين لأنهم لا يسافرون مباشرة إلى إسرائيل وإنما يهاجرون لدول أخرى وبعد أيام يغادرون إلى إسرائيل التي ترحب بدخولهم وتسهل لهم الإقامة والعمل والزواج".
ويتناقل سكان مركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا (جنوب) قصة عن "مهندس قبطي غامض يدعى صبحي الجربان كان في الأربعينات من عمره عام 1995"، حيث كانت العلاقات المصرية الإسرائيلية يقال إنها طبيعية على المستوى الرسمي، وفاترة شعبيا، ما جعل السفراء الإسرائيليين في مصر يشكون عدة مرات من الوحدة والاكتئاب.
آنذاك تفتق ذهن الجربان عن حيلة تكسر حدة برود هذا التطبيع وتضيف لحسابه البنكي مئات الألوف من الدولارات، حيث استغل سوء الأوضاع الاقتصادية وانتشار البطالة في مصر وشرع في تنظيم السفر والهجرة والعمل في إسرائيل لمن يرغب من أبناء بلدته، قبل أن يختفي تماما منذ عدة سنوات دون أن يعلم أحد عنه شيئا، بحسب روايات عدة من سكان أبي قرقاص، تجمع على أنه أول من فتح الباب أمام الهجرة لإسرائيل من محافظات الجنوب.
يوسف القمص، رئيس الوحدة المحلية السابق لقرية منهري، التابعة لمركز أبو قرقاص يقر في تصريحات لمراسلة الأناضول بأن "هناك عدد من الشباب القبطي من قرية منهري سافر إلى إسرائيل وهناك أعداد كبيرة من الشباب وأسر بأكملها من قرية الفكرية ومدينة أبو قرقاص بالمنيا، غادروا أيضاً فمنهم من هاجر بغرض العمل وآخرون هاجروا هربا من الأوضاع التي تعيشها مصر حاليا".
ويردف "لكن من يعود يخفى أمره لأسباب عدة، أبرزها أن يتمكن من الذهاب والعودة في أي وقت، لأن منهم من يحملون إقامات هناك بإسرائيل، ويخشون على أنفسهم لو كشف الأمر أن يتهموا بالخيانة أو يوضعوا تحت الرقابة".
أما القس مكاريوس يوسف كاهن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بأبي قرقاص من جانبه يجدد تمسك كنيسته بموقفها الرافض السفر لإسرائيل حتى لو كان لزيارة ألماكن المسيحية المقدسة بالقدس قائلاً "نعم هناك أزمة اقتصادية طاحنة تعانى منها مصر في الوقت الراهن لكن هذا ليس معناه فتح الطريق أمام الشباب للسفر لإسرائيل، وإنما بالبحث عن أفق جديد للاستثمار في مصر وتقوية اقتصادها".
اللواء خيري طلعت، القائد السابق لقطاع الأمن المركزي بمحافظة المنيا، ورئيس قسم التاريخ جامعة المنيا، يعتبر بدوره أن "الهجرة إلى إسرائيل بدأت في عهد (الرئيس السابق) حسني مبارك منذ التسعينات لجذب الشباب المصري العاطل، وكانت إسرائيل لا تستضيف إلا حملة المؤهلات العليا والمميزة، من المهندسين والأطباء، وضباط سابقين، وعلماء وخبراء في الحاسب الآلي، منهم من تزوج من عرب 48 مسلمة أو مسيحية ومنهم من تم تجنيده، وقد تم رصد هجرة عدد من هؤلاء في ثورة يناير وما تلاها من أحداث".
ويشير إلى أن "المنيا بها أعلى نسبة من المسيحيين في مصر تليها أسيوط، في حين أن المحافظتين كانتا معقلا للجماعات الجهادية المسلحة، فأصبح هناك ضغط وقلق من جانب المسيحيين الذين فضلوا الهجرة، وأتاح ترحيب عدد من الدول باستضافتهم سواء في هجرة فردية أو أسرية، ومن بين هذه الدول إسرائيل التي استغلت الظرف، خاصة مع سهولة وصولهم إلى إسرائيل بغطاء غير مكشوف عن طريق دول أوروبية أخرى".
ويتابع: "أما أشهر القرى المهجرة إلى إسرائيل في المنيا فهي البرشا، ودير البرشا بمركز ملوي، والبرجاية بمركز المنيا، منهري بمركز أبو قرقاص".
news_share_descriptionsubscription_contact


