علا عطا الله
صور-مصطفى حسونة
غزة-الأناضول
ألف أرنب..باء بطة..تاء تفاح..قاموس "الأبجدية" هذا، والذي يبدأ صغار العالم في التعرّف عليه في أولى مصافحتهم لرياض الأطفال، يتحول على لسان أحفاد اللاجئين الفلسطينيين إلى قاموس جديد تصنع كلماته ذاكرة العودة والحنين إلى الأرض والدار.
وكما لو أنها تعزف نوتة موسيقية، لا تتوقف صاحبة الأعوام الخمسة "هديل شراب" عن التغني بقاموسها الأبجدي الجديد وهي تُردد : "باء: بيدر (حقل القمح)، خاء: خيمة، عين: عودة، ميم: مفتاح.. طاء: طابو (صكوك ملكية الديار والأراضي)".
وتطل الصغيرة هذه كغيرها من آلاف أطفال اللاجئين الذين يقفون اليوم مرددين مفردات نقشها آباؤهم وأجدادهم في ثنايا عقولهم وذاكرتهم.
وتتسابق الصغيرتان التوأم "هدى" و"سماح" بارود في الصف الأول الابتدائي في تحويل الأبجدية إلى مفردات ناطقة بحكاية اللجوء، فتبحثان عن ألف لأراضٍ هُجر منها أهلها, وباء لبستان كان عامرًا بأصحابه.
وبعد 65 عامًا على نكبة التشريد، يقف أحفاد الخيمة وهم مدركون لمعاني الهجرة, بل ويحفظون بلداتهم وقراهم الأصلية كما يحفظون أسماءهم.
"وكيف لا يفعلون؟"، تتساءل الجدة "أمينة أبو سلمية"، وهي تروي لـ"الأناضول" كيف أن كبار فلسطين يموتون ولكن لا ينسى صغارها الحكاية.
تلوح العجوز الثمانينية بيدها المنقوشة بخطوط الزمن وعقود الشوق إلى بساتين عسقلان فيما يطوق عنقها مفتاح العودة، وكصوتٍ يسرد وصية تقول: "الكبار ماتوا، فهل نسي الصغار؟ ..هم لن ينسوا وستبقى ذاكرتهم حية، نحن نغذيها بحق العودة".
وكانت رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة ،"جولدا مائير"، قد وقفت قبل عقود لتحدث شعبها عن أفضل طريقة للتخلص من الفلسطينيين فقالت: "اقتلوا كبارهم فينسى صغارهم".
وتتحول بلدتها الأصلية عسقلان وبساتينها وما تشتهر به إلى حكاية ما قبل النوم ترويها لأحفادها.
ومع مفاتيح العودة وأوراق الطابو تطرز الجدة "زينب عوض"(76 عاما) في ثنايا ذاكرة أحفادها أسماء القرى والبلدات الأصلية.
ولا تنسى أن تورث الجدة مفتاحها من جيل إلى جيل فهو "الوصية" كما تصف: "هو كلمة السر في عودتنا إلى الديار".
ويوما بعد يوم تشير الأرقام إلى نمو أعداد اللاجئين فمن بين 11 مليون فلسطيني يوجد أكثر من خمسة ملايين لاجئ.
ويوميا، يقوم الجد "شحدة أبو العيش" صاحب العقد الثامن بتذكير أحفاده بحق العودة, مؤكداً أن حب الأرض تتوارثه الأجيال جيلا بعد آخر: "يحمل أحفادنا اليوم إرثا سينتقل من جيلٍ إلى آخـر, آباؤنا فعلوا ذلك، واليـوم جاء دورنا، وغدا المهمـة للجيـل الجديد، إلى أن نرجع ونعود".
ويبدو الصغار وكما لو أنهم تفوقوا على أجدادهم في حفظ الدرس وتعلم ألف باء العودة، فصاحبة الأعوام الستة "سلمى راضي" تسرد لـ"الأناضول" ما تشتهر به بلدتها الأصلية "الجورة" وتتغنى بعنبها وتينها كما لو أنها تراها.
وتروي بلغة الكبار: "لن نفرط بحق العودة وحتما سنعود يوماً".
وفي الإذاعة المدرسية، ينشد صغار اللاجئين لحنين قراهم ومدنهم الأصلية، وعلى كراستهم يرسمون طرقاتها وشجرها.
وتحفظ "نور أبو زايدة"، ثمانية أعوام، كافة المعلومات عن مدينتها "هربيا" وموقعها الجغرافي وبما تشتهر, وفيما تلثم شفتاها مفتاح العودة، تقول بثقة: "إنه ميراث يطوق قلوبنا، ليس مجرد مفتاح نحتفظ به في صندوق أو نعلقه على جدار، إنه الوصية وحق العودة".