نور أبو دية
صور- مصطفى حسونة
فيديو- بلال خالد
غزة - الأناضول
تراصت الخيام المصنوعة من القماش المتهالك والقش، ووحدها صيحات الأطفال كانت تشي بأن ثمة "حياة " في هذه المنطقة التي يقطنها مئات اللاجئين الفلسطينيين، والذين هجروا من بلدتهم الأصلية بئر السبع (جنوب إسرائيل) كحال ملايين اللاجئين في شتى أنحاء المعمورة والذين تركوا بيوتهم ومدنهم قسرا بعد نكبة التهجير.
هكذا بدا المشهد في حي "بن عامر" بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، وكأننا أمام مخيم من مخيمات اللاجئين عام 1948.
ورويدا رويدا، كانت الصورة أمام عين كاميرا "الأناضول" تكبر بتفاصيل وجعها، فالحي الذي يطلق عليه السكان هناك "العامرين" بدا مهجورا بطرقه الوعرة الضيقة.
واجتاز فريق "الأناضول" الطريق الوعرة، والرمال المتكدسة على جانبي الطريق، والتي يصعب المشي عليها حتى وصل إلى بيت أحد اللاجئين الفلسطينيين في تلك المنطقة.
ولا تكاد كلمة "بيت" تصلح لوصف المكان، فواجهته عبارة عن باب خشبي متهالك، وقديم جدا، وضعه أهل البيت لحمايتهم من الكلاب الضالة التي تتجول في المنطقة ليلاً، وما من جدران تقي البيت المكشوف، فقط تحوطه سياج صدئة يدخل من خلال فتحاتها الغبار وأشعة الشمس.
أما سقف البيت فعبارة عن قطع من الخشب موضوع عليها قطعة قماش كبيرة ممزقة، وشجرة عنب صغيرة خضراء كانت قد نبتت جديداً فغطت السقف.
وما أن استقرت كاميرا "الأناضول" في الداخل بعد حوار مع مالكة المنزل العجوز التي ترفض مصافحة وسائل الإعلام، اصطدمنا بالأواني المليئة بالطعام العفن، وبأرضية هي عبارة عن رمل.
زينب العامرين، العجوز اللاجئة من مدينة بئر السبع، قالت "للأناضول" بصوتٍ يتحسر على حالها: "نحن نعاني وضعًا صعبًا للغاية.. هجرنا من أراضينا وتشردنا، ولا نحصل على أبسط حقوقنا، وما من أحد يغيثنا".
وأشارت العامرين إلى أنها وعائلتها يحصلون علي كابونة "سلة غذائية تمونيية" من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" كل أربعة شهور مرة لكنها لا تكفيهم لبضعة أيام لأن عدد العائلة كبير ولا يوجد معيل للعائلة.
وحتى نظام التشغيل المؤقت الذي يطلق عليه محليا اسم (البطالة) والذي تقدمه وكالة "أونروا" لتشغيل اللاجئين العاطلين عن عمل لم يحصل عليه أحد من أفراد العائلة.
وتشير إلى أنهم يضطرون إلى العمل في الأراضي الزراعية المجاورة لهم طيلة اليوم ليحصلوا على بعض النقود لتوفير لقمة عيشهم.
ويبلغ عدد المسجلين لدى وكالة "أونروا" حاليا حوالي 5 مليون فلسطيني من اللاجئين وذويهم، يقيمون في الأردن وسوريا ولبنان والضفة الغربية وغزة.
وتغطي الوكالة احتياجاتهم الأساسية غير أن عُمر العامرين، رب الأسرة، يؤكد أن الوكالة لا توفّر له العلاج اللازم لابنته المعاقة، وأن صرخاته بتقديم العون له لم تلق بالا لدى أحد.
ويؤكد "العامرين" أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، تساعد فقط اللاجئين الموجودين بالمخيمات الفلسطينية كمخيم الشاطئ وتبني لهم المنازل، أما اللاجئون خارج المخيمات فلا تنظر إلى حالتهم، ولا تقدم لهم مساعدة سوى "الكابونة" والتي لا تكفي إلا لأيام.
وناشد العامرين الوكالة وكل أصحاب الضمائر الحية بتوفير الاحتياجات اللازمة لهم، ليعيشوا حياة أفضل من التي يعيشونها الآن.
وتنفذ وكالة الغوث العديد من البرامج الإغاثية والتشغيلية بالتعاون مع الحكومات المحلية بتمويل من الدول المانحة.
ولفت العمرين أنظار فريق "الأناضول" إلى البيت المكون من غرفتين من الإسمنت جدرانها مشققة، وسقف من الصفيح، وخيمة مصنوعة من "الخيش" ويتوسطها عمود خشبي يسندها كي لا تقع وتساءل بقهر: "هل هذا يصلح لنا كبشر؟!"
أما مطبخهم فهو عبارة عن طاولة قديمة من الخشب، ورفوف حديدية صدئة موضوع عليها أواني فارغة وصناديق بلاستيكية لخضار عفنة.
في طريق عودتنا، خيّم الصمت المطبق على فريقنا الصحفي، فمشاهد البؤس الصادمة التي تعرضنا لها، استدعت لمخيلتنا تاريخا طويلا من "الظلم"، الذي تعرضت له هذه الشريحة "اللاجئين"، ولا يريد أن يغادرها.