طرابلس اللبنانية.. مبان متداعية تهدد حياة المواطنين (تقرير)
انهيار مبنى سكني قبل أسبوعين في منطقة باب التبانة بمدينة طرابلس شمالي لبنان، شكّل فاجعة جديدة أعادت تسليط الضوء على أزمة الأبنية الآيلة للسقوط في أفقر مدن البلاد.
Lebanon
طرابلس، شمال لبنان / وسيم سيف الدين / الأناضول
- الحكومة أعلنت إجراءات إخلاء المباني المهددة وإيواء مؤقت للمتضررين وترميم أو هدم غير القابل للإصلاح- رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة أعلن المدينة "منكوبة" في ما يتعلق بالأبنية المهددة بالسقوط
- سفير تركيا مراد لوتيم أبدى استعداد بلاده لتوفير 100 منزل جاهز لإيواء عائلات متضررة
- نقيب المهندسين شوقي فتفت: الأبنية تعاني من أسباب تراكمية كالإهمال وتقادم الخرسانة ومشاكل بنية تحتية
- أحد سكان مبنى مهدد بالانهيار: أقصى ما تلقّيناه هو التأكد من إخلاء المبنى دون توفير بدائل واضحة للسكن
انهيار مبنى سكني قبل أسبوعين في منطقة باب التبانة بمدينة طرابلس شمالي لبنان، شكّل فاجعة جديدة أعادت تسليط الضوء على أزمة الأبنية الآيلة للسقوط في أفقر مدن البلاد.
وعلى ضوء ذلك تتلقى السلطات والجهات المعنية اتهامات بالإهمال والتقصير، ومناشدات شعبية لإنقاذ آلاف السكان المعرّضين لخطر فقدان منازلهم وأرواحهم.
وفي 8 فبراير/ شباط الجاري لقي 14 شخصا مصرعهم ونجا 8 جراء انهيار المبنى المؤلف من ست طوابق، وسبق ذلك مصرع شخصين وإصابة آخرين أواخر يناير/كانون الثاني، جراء انهيار مبنى سكني آخر في المدينة.
هذا المشهد ليس مستجدا على المدينة، إذ سبقه حوادث مشابهة وتحذيرات متكررة خلال الأسابيع الماضية، بسبب تقادم مئات الأبنية وغياب أعمال الصيانة والتدعيم، ما يزيد من احتمالات تكرار الكوارث.
تكرار حوادث الانهيار دفع الحكومة إلى إعلان سلسلة إجراءات تشمل إخلاء المباني المعرّضة للانهيار وتأمين مراكز إيواء مؤقتة للمتضررين، وبرامج دعم اجتماعي وصحي، وأعمال تدعيم أو هدم للأبنية غير القابلة للإصلاح، وتقييم للبنى التحتية الأساسية.
** استنفار حكومي
عقب الحادثة أعلن رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة، أن المدينة "منكوبة في ما يتعلق بالأبنية المهددة بالسقوط بسبب الإهمال".
وبمواجهة هذا الوضع، أعلنت السلطات اللبنانية حالة استنفار وعقدت اجتماعات حكومية لمتابعة ملف الأبنية الآيلة للسقوط، في وقت سجلت المدينة أكثر من سبع حالات انهيار جزئي أو كامل منذ مطلع العام الجاري.
رئاسة الحكومة اللبنانية قالت إن السلطات أجلت خلال أسبوع 229 عائلة من 21 مبنى متصدعًا، فيما تم تلبية طلب 64 عائلة بتأمين مراكز إيواء مؤقتة، وبدء أعمال تدعيم 9 مبانٍ، وإدراج العائلات المتضررة ضمن برامج المساعدات الاجتماعية والصحية.
في المقابل، لا يزال العديد من السكان يرفضون مغادرة منازلهم بسبب الفقر وغياب البدائل السكنية، ما يعكس حجم الأزمة الإنسانية والعمرانية التي تواجه طرابلس منذ سنوات.
** دعم تركي
واستجابة للحالة الطارئة، أعلن السفير التركي لدى بيروت مراد لوتيم في 17 فبراير استعداد تركيا لتوفير 100 منزل جاهز لطرابلس لإيواء العائلات التي دُمّرت أو تصدعت منازلها مؤخرا.
جاء ذلك خلال لقاء لوتيم وفدا من إدارة الكوارث والطوارئ التركية "آفاد"، عقد في مكتب محافِظة طرابلس وشمال لبنان بالإنابة، إيمان الرافعي، بمشاركة رئيس البلدية، ورئيس اتحاد بلديات الفيحاء (طرابلس)، وائل زمرلي.
وذكر لوتيم أن التعاون لن يقتصر على تأمين المأوى، بل سيشمل مشاريع تدريب لعناصر الدفاع المدني والإغاثة، إضافة إلى تزويدهم بالمعدات الضرورية لتعزيز جهوزيتهم في مواجهة الكوارث.
وأشار إلى أن تركيا - عبر مؤسساتها الإنسانية - ستواصل الوقوف إلى جانب الشعب اللبناني، لا سيما في الظروف الصعبة، انطلاقًا من علاقات الصداقة والتعاون بين البلدين.
وأعرب عن أمله في أن تسهم هذه المبادرات في تخفيف معاناة العائلات المتضررة وتعزيز قدرة طرابلس على مواجهة الأزمات.
وللغاية نفسها، التقى السفير والوفد المرافق، وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد في مكتبها بالوزارة في بيروت.
** مدينة منكوبة بسبب الإهمال
بحسب رئيس البلدية، فإن أسباب انهيار المباني متعددة، معظمها يعود إلى قدمها، والإهمال المزمن من المالكين وعدم إجرائهم أعمال صيانة، إضافة إلى تأثير جولات الاقتتال الطائفي التي شهدتها، حيث تعرضت بعض المناطق الواقعة على خطوط التماس لأضرار كبيرة.
وبين عامي 2008 و2015، شهدت طرابلس أكثر من 20 جولة اقتتال دامية بين منطقة باب التبانة ومنطقة جبل محسن، أسفرت عن مئات القتلى والجرحى ودمار بالأبنية، انتهت بانتشار الجيش اللبناني بالمنطقة واتفاقات أمنية.
ويوضح كريمة للأناضول أن "تهالك البنية التحتية وإهمال الدولة لطرابلس على مدى عقود" أسهما في تفاقم المشكلة، لافتًا إلى أن "البلدية كشفت حتى الآن على 114 مبنى، سقط منها أربعة بالفعل".
ويضيف أن نحو 980 عائلة - قرابة 4 آلاف شخص - مهددون جراء تصدع الأبنية في مناطق التبانة وجبل محسن وضهر المغر والزهرية والأحياء القديمة، ضمن نطاق يقارب خمسة كيلومترات "ما يتطلب تدخلًا يتجاوز إمكانيات البلدية والدولة".
كريمة يشير إلى أن هذه المناطق تضم الفئات الأكثر هشاشة اجتماعيًا واقتصاديًا، ما أدى إلى إهمال أعمال الصيانة سواء من المالكين أو المستأجرين، داعيًا الدول الصديقة إلى دعم جهود معالجة الأزمة.
ويذكر أن الحكومة تدخلت بعد تصاعد الأصوات المطالبة بالتحرك، وتم الاتفاق على برنامج عمل يقضي بدفع بدل إيواء بقيمة ألف دولار لكل عائلة مهددة كل ثلاثة أشهر لمدة عام، وإرسال فرق من الهيئة العليا للإغاثة (حكومية) للكشف على الأبنية وتحديد إمكانية تدعيمها أو وجوب هدمها.
ويضيف أن العائلات ستُضم إلى شبكة أمان اجتماعي بالتعاون مع وزارتي الشؤون الاجتماعية والصحة، لتأمين الاستشفاء المجاني وربطها بمراكز الرعاية الصحية الأولية للحصول على الأدوية.
ويعتبر كريمة أن "الإجراءات الحالية مقبولة لكنها غير كافية"، مشددا على ضرورة إجراء مسح شامل لجميع الأبنية في طرابلس وإنشاء بنية تحتية جديدة لتعويض سنوات الإهمال التي تعرضت لها المدينة.
** الانهيار يهدد مئات الأبنية
من جهته، يقول نقيب المهندسين في طرابلس شوقي فتفت، إن أبنية المدينة قديمة وتعاني من أسباب تراكمية للانهيار، أبرزها الإهمال على مدى 50 إلى 60 عامًا، وتقادم الخرسانة، ومشاكل البنية التحتية.
ويوضح للأناضول أن عدد الأبنية المتضررة كبير وقد يتجاوز 700 مبنى، مشيرًا إلى أن بعضها قابل للترميم فيما البعض الآخر غير صالح للتدعيم، معتبرا أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق أصحاب الأبنية.
ويلفت إلى أن المستأجرين ليسوا ملزمين قانونيًا بالصيانة لكن من باب الحرص ينبغي الاهتمام بالمباني، مشيرًا إلى أن قانون الإيجارات شكّل أحد العوامل المؤثرة، فيما يقتصر دور البلدية والدولة على البنية التحتية.
ويلفت إلى أن عدد الأبنية التي يجري تقييمها مرشّح للارتفاع، مبينا أن النقابة تقوم بالكشف الأولي وتحديد صلاحية المباني للسكن، فيما تتخذ البلدية القرار النهائي بشأن الإخلاء.
** إنذارات بالإخلاء وتعويضات لا تكفي
في السياق ذاته، يقول أحد سكان مبنى مهدد بالانهيار محمد عمون، إنه يعيش في المبنى منذ أجيال، وإن السكان تلقّوا إنذارات متكررة بالإخلاء، قبل أن تتفاقم التشققات في المبنى.
ويضيف أن فرق البلدية كشفت على المبنى واعتبرته مهددًا بالسقوط، ووقّع السكان على تعهدات بالإخلاء، إلا أنهم لم يتلقّوا أي متابعة لاحقة.
وأشار إلى أن أقصى ما تلقّاه السكان هو التأكد من إخلاء المبنى دون توفير بدائل واضحة للسكن.
بدوره، يقول سمير الأشرفي، مالك شقة في مبنى مهدد بالانهيار، إن السكان تلقّوا أوامر بالإخلاء مع بدل إيواء بقيمة ألف دولار كل ثلاثة أشهر، معتبرًا أن المبلغ غير كافٍ لاستئجار مساكن بديلة.
ويوضح الأشرفي أن إيجارات الشقق خارج المبنى تصل إلى 300 دولار شهريًا إضافة إلى تكاليف المياه والكهرباء.
كما يرفض العديد من المالكين تأجير المنازل للنازحين انطلاقا من توقع عدم قدرة الأخيرين على الاستمرار بالدفع نظرا لوضعهم المتعثر، ما دفع الكثير منهم للإقامة لدى أقاربهم أو حتى البقاء في الشوارع بلا مأوى.
ويتساءل الأشرفي عن مصير سكان المبنى بعد هدمه، في ظل غياب حلول واضحة لإعادة إسكانهم.
وبذلك، يجد المعنيون بالقضية أنفسهم بين نارين، إما البقاء في منازل متهالكة قد ينتهي بهم الأمر مدفونين تحت أنقاضها، أو البقاء في الشارع دون مأوى حفاظا على حياتهم.
الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
