حرمتها الماء والكهرباء.. كلية قلنديا تقاوم مضايقات إسرائيل (تقرير)
- الطالب محمد كفاية: إذا تم إخلاء الكلية ومصادرتها من قبل إسرائيل سنجد أنفسنا بلا مستقبل وبلا أمل
Ramallah
القدس / قيس أبو سمرة / الأناضول
- الطالب محمد كفاية: إذا تم إخلاء الكلية ومصادرتها من قبل إسرائيل سنجد أنفسنا بلا مستقبل وبلا أمل- مدير الكلية بهاء عوض: نواجه خطرين الأول حرمان 325 طالبا من التعليم والثاني خسارة اللاجئين حقهم
يخيّم الصمت على ساحات كلية قلنديا للتدريب المهني شمالي مدينة القدس المحتلة، ليعلو التهديد الإسرائيلي لواحدة من أقدم وأهم مؤسسات التعليم المهني التابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".
المكان اعتاد أن يعجّ بالطلبة والمدربين ويضجّ بأصوات الآلات والمشاغل المهنية، لكنه يبدو اليوم شبه فارغ؛ لا ورشات تعمل ولا طلبة في الساحات، بعد أن قطعت سلطات إسرائيل الكهرباء والماء عنها ما أثر على مسيرة التعليم لتصبح بحدّها الأدنى.
يأتي ذلك في ظل إجراءات إسرائيلية متسارعة تستهدف مؤسسات "الأونروا" في القدس ومحيطها.
وإضافة إلى قطع الماء والكهرباء عن الكلية تهدد السلطات الإسرائيلية بمصادرة أرضها ووقف عملها بشكل كامل، ما أثار مخاوف واسعة في أوساط الطلبة والهيئة التدريسية من إغلاق وشيك يضع مئات الطلبة أمام مصير مجهول.
** مخاوف حقيقية
محمد كفاية، طالب في قسم الميكانيك، يقف إلى جانب ورشة مغلقة، ويقول لمراسل الأناضول إن التحاقه بكلية تدريب قلنديا "كان فرصة حقيقية لبناء مستقبل مهني".
ويضيف كفاية وهو من مخيم الأمعري في رام الله وسط الضفة الغربية: "الكلية كانت فرصة للبدء بتعلّم مهنة أستطيع أن أبني عليها مستقبلي، لكننا اليوم نعيش مخاوف حقيقية من إغلاقها".
ويتابع: "إذا تم إخلاء الكلية ومصادرتها سنجد أنفسنا في الشارع، بلا مستقبل ولا أمل".
ويؤكد كفاية تمسّكه بالبقاء في الكلية رغم الظروف الصعبة، قائلا: "لا يوجد مكان آخر يمكن أن يقدّم لنا هذا النوع من التدريب المهني المتكامل، لذلك نتمسك بالبقاء مهما كانت التحديات".
ولا يقتصر القلق على محمد كفاية وحده، إذ يعيش أكثر من 325 طالبا في الكلية حالة من الخوف والترقّب، خشية حرمانهم من استكمال تعليمهم المهني، في ظل التهديدات الإسرائيلية المتواصلة".
وبدأت إسرائيل بتنفيذ تهديداتها ضد الكلية جزئيا قبل أيام، بقطع التيار الكهربائي والماء، ما تسبب بشلل كبير في العملية التدريبية، خاصة أن البرامج المهنية تعتمد بشكل أساسي على الكهرباء لتشغيل المعدات والآلات.
وتهدد السلطات الإسرائيلية بمصادرة أرض الكلية بالكامل البالغة مساحتها 88 دونما، زاعمة أنها "أراضٍ عسكرية إسرائيلية" وحددت نهاية يناير/كانون الثاني الماضي مهلة لتنفيذ القرار الذي يتوقع تنفيذه في أي وقت.
ويأتي هذا التهديد في سياق تطبيق قانون حظر عمل "الأونروا" في الشق الشرقي من مدينة القدس المحتلة عام 1967، والذي أقره الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول 2024.
وبموجب ذلك، أوقفت إسرائيل عمل الوكالة في مقرها الرئيسي بحي الشيخ جراح، ثم هدمت مبانيه لاحقا، قبل أن توقف عمل مدارس "الأونروا" الست في القدس في مايو/أيار 2025، في خطوة اعتبرتها الوكالة تصعيدا خطيرا يستهدف وجودها ودورها الإنساني والتعليمي.
** ملكية الأرض
ورفضت "الأونروا" ادعاءات إسرائيل بشأن ملكية أرض كلية تدريب قلنديا، مؤكدة في بيانات أن الأرض خُصصت لصالح الوكالة عام 1953 من قبل الحكومة الأردنية، التي كانت تحكم الضفة الغربية آنذاك، لإقامة كلية تدريب قلنديا لخدمة اللاجئين الفلسطينيين.
وتؤكد الوكالة أن الكلية تخدم طلبة اللاجئين من مخيمات الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وتشكل أحد الأعمدة الأساسية للتعليم المهني في المجتمع الفلسطيني.
وتقدم كلية تدريب قلنديا تخصصات تعليمية وتدريبية تمتد لعامين كاملين، إلا أن تقليص ميزانيات "الأونروا" ونقص التمويل أدّيا إلى تقليص بعض التخصصات إلى عام واحد فقط.
** أقدم مركز تدريب مهني للاجئين
مدير كلية تدريب قلنديا بهاء عوض، يقول إن الكلية تُعد أول مركز تدريب مهني أنشأته وكالة الغوث عام 1953، وتقدم برامج تدريبة مهنية متنوعة لأبناء اللاجئين الفلسطينيين من الفئة العمرية بين 15 و19 عاما.
ويوضح عوض أن الكلية تطرح 16 تخصصا مهنيا موزعة على ثلاث مجموعات رئيسية وهي الكهرباء وتكنولوجيا المعلومات، والبناء والمعادن، وميكانيكا السيارات.
ويضيف أن ما يميز الكلية هو تقديمها برامج تدريبية مهنية مجانية بالكامل لأبناء اللاجئين، معتبرا أن ذلك “أكثر خدمة مستدامة تقدمها الأونروا لأنها تدرّب من أجل العمل".
ويشير عوض إلى أن الطالب "يلتحق بالكلية لمدة عام دراسي أو عامين، ثم ينتقل إلى تدريب ميداني في سوق العمل الفلسطيني لمدة ثلاثة أشهر"، مؤكدا أن الكلية "تحافظ على نسبة توظيف تتجاوز 80 في المئة من خريجيها".
ويردف: "نحن نمكّن أبناء اللاجئين من الحصول على مهنة شريفة وتحقيق العيش الكريم لهم ولعائلاتهم”، لافتا إلى أن الكلية "خرجت أكثر من 20 ألف خريج على مدار 73 عاما".
ويبيّن المدير أن "ما يميز كلية تدريب قلنديا ليس فقط التدريب المهني، بل كونها منظومة متكاملة تبدأ بتوجيه الطلبة منذ المرحلة المدرسية، من خلال كتيبات إرشادية للتدريب المهني، ثم ربطهم بسوق العمل بعد التخرج".
ويضيف: "الكلية توفر أيضا السكن الداخلي للطلبة، وخدمات مساندة، ووحدة توظيف مهني تتابع الخريجين، إضافة إلى علاقات مع شركاء تسهّل إدماجهم في سوق العمل.
** خطران كبيران: الطلبة ومستقبل اللاجئين
ويحذّر عوض من أن الكلية "مهددة اليوم بتوقف خدماتها بشكل كامل"، موضحا أن العمل "يجري حاليا باستخدام مولد كهربائي لساعات محدودة، ما يعيق التدريب بشكل كبير".
ويقول: "نواجه خطرين الأول يتمثل في حرمان 325 طالبا من حقهم في التعليم، في منتصف عام دراسي حيث لا يوجد بديل لهم سواء داخل الأونروا أو لدى مزودي خدمات التدريب المهني الحكوميين أو الخاصين".
ويتابع: "أما الخطر الأكبر فيكمن في الخسارة بعيدة المدى لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين، حيث سيُحرم أكثر من 920 ألف لاجئ في الضفة الغربية من فرصة تعليم أبنائهم تعليما مهنيا يؤمن لهم عملا ومهنة".
ويؤكد مدير الكلية أن "مصير الطلبة في حال إغلاق الكلية سيكون مجهولا"، مشددا على أن الأونروا قررت الاستمرار في تقديم الخدمات إلى آخر لحظة ممكنة".
ويردف: "لن نقوم بإخلاء الكلية، واجبنا تجاه أبنائنا أن نستمر، على الأقل لإنقاذ العام الدراسي الحاالي، وعدم تضييع الفرصة على 325 طالبا”.
ويختم عوض بالتأكيد على أن "استهداف الكلية لا ينفصل عن استهداف مساحتها الواسعة وموقعها الحيوي قرب مخيم قلنديا، معتبرا أن إغلاقها سيمثل “كارثة حقيقية” لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين".
وفي 1948 أُقيمت إسرائيل على أراضٍ احتلتها عصابات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وهجرت مئات آلاف الفلسطينيين، وفي عام 1967 احتلت تل أبيب قطاع غزة الذي كان تحت الإدارة المصرية والضفة الغربية بما فيها القدس التي كانت تحت الإدارة الأردنية، وترفض الانسحاب وقيام دولة فلسطينية.
وأُسست "الأونروا" عام 1949 بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفُوّضت بتقديم المساعدة والحماية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس: الأردن وسوريا ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة.
وتعتمد الوكالة في تمويلها على تبرعات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وتعد الجهة الرئيسية التي تقدم المساعدات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين، بما يشمل الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والمأوى.
