لبنان بقلب الحراك الدبلوماسي.. تسويات محتملة أم تصعيد إقليمي؟ (تقرير)
-شهد لبنان في الآونة الأخيرة، حراكا دبلوماسيا عكسه توافد مسؤولين وموفدين عرب ودوليين، في وقت تتزايد التحولات الإقليمية والمخاوف من اتساع رقعة المواجهات بالمنطقة
Lebanon
بيروت/وسيم سيف الدين/الأناضول
-شهد لبنان في الآونة الأخيرة، حراكا دبلوماسيا عكسه توافد مسؤولين وموفدين عرب ودوليين، في وقت تتزايد التحولات الإقليمية والمخاوف من اتساع رقعة المواجهات بالمنطقة
-محللان سياسيان اعتبرا ها الحراك يعكس اهتمامًا دوليًا متجددًا بالساحة اللبنانية وسط مساعٍ لدفع البلاد نحو تسوية سياسية شاملة، أو تحييدها عن صراعات إقليمية محتملة
-المحلل السياسي منير الربيع: الحراك قد يشهد احتمالات الإعلان أو التحضير لتشكيل قوة أوروبية تتولى مهام الوجود في الجنوب اللبناني، في ظل التوتر القائم على الحدود مع إسرائيل
-المحلل السياسي آلان سركيس: الحراك القائم قد يكون مقدمة إما لتسوية سياسية كبرى في لبنان والمنطقة، أو في إطار محاولة تجنب تصعيد إقليمي يشمل احتمال اندلاع مواجهة بإيران أو تصعيد إسرائيلي ضد حزب الله
شهد لبنان في الآونة الأخيرة حراكًا دبلوماسيًا ملحوظًا، تجلّى في توافد مسؤولين وموفدين عرب ودوليين، وذلك في ظل تصاعد التحولات الإقليمية المتسارعة والمخاوف المتزايدة من اتساع رقعة المواجهات في المنطقة.
هذا الزخم الدبلوماسي يعكس، وفقًا لمراقبين، اهتمامًا دوليًا متجدّدًا بالساحة اللبنانية، مع مساعٍ حثيثة لدفع البلاد نحو تسوية سياسية شاملة أو تحييدها عن الصراعات الإقليمية المحتملة، خاصة في ظل التوقعات القوية باندلاع مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
في سياق ذلك، زار رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان العاصمة بيروت يوم الخميس الماضي، معلنًا دعم بلاده الكامل لأمن لبنان واستقراره وسيادته، وكذلك جهوده في بناء مؤسسات الدولة اللبنانية. كما وقع خلال زيارته 21 اتفاقية تعاون في مجالات متعددة مع الجانب اللبناني.
وفي اليوم ذاته، اجتمع رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون مع ممثلي اللجنة الخماسية التي تضم السعودية وفرنسا وقطر ومصر والولايات المتحدة، حيث ناقشوا خلال الاجتماع عقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن، من المقرر انعقاده في العاصمة الفرنسية باريس في مارس/آذار المقبل.
تُعتبر اللجنة الخماسية تكتلاً دبلوماسيًا يضم ممثلين عن الدول الخمس المذكورة، وتتمثل مهمتها في مساعدة لبنان على الخروج من أزماته السياسية والاقتصادية المتراكمة.
وعلى صعيد متصل، التقى قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل، في بيروت، بمستشار وزير الخارجية السعودي يزيد بن فرحان والموفد الفرنسي جان إيف لودريان، حيث تم بحث آخر تطورات الأوضاع اللبنانية والتحضيرات لمؤتمر باريس.
في التاسع من يناير/كانون الثاني الجاري، زار لبنان رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، عقب عودتهما من سوريا، وأكدا ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وكذلك تقديم الدعم لبيروت في هذه المرحلة الحرجة.
وفي هذا السياق، وبعد ضغوط أمريكية وإسرائيلية، أقرّت الحكومة اللبنانية في الخامس من أغسطس الماضي قانونًا يقضي بحصر السلاح بيد الدولة، ويشمل ذلك سلاح "حزب الله". وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، رحّبت الحكومة بالخطة التي وضعها الجيش لتنفيذ هذا القرار، والتي تتألف من خمس مراحل.
لكن في المقابل، رفض الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، هذا القرار في أكثر من مناسبة، مطالبًا بانسحاب الجيش الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية.
وتتناول وسائل الإعلام العبرية بين الحين والآخر الحديث عن إعداد الجيش الإسرائيلي لخطة "هجوم واسع" ضد مواقع حزب الله، في حال فشلت الحكومة والجيش اللبنانيان في تنفيذ تعهداتهما بتفكيك سلاح الحزب.
شمل الحراك الدبلوماسي في بيروت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في الثامن من يناير، حيث أكد في تصريحات صحفية أن إسرائيل تواصل خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، مشيرًا إلى استعداد طهران للحرب والتفاوض على حد سواء.
يأتي هذا الحراك في وقت تستمر فيه إسرائيل في خروقات شبه يومية لاتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ تطبيقه في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، إلى جانب استمرار تل أبيب في احتلال خمسة تلال لبنانية استولت عليها خلال الحرب الأخيرة، بالإضافة إلى مناطق أخرى تحتلها منذ عقود.
كما تتزامن هذه التحركات مع تصاعد المخاوف من قيام إسرائيل بتوسيع عمليات قصفها في جنوب لبنان بحجج استهداف حزب الله، ما قد يؤدي إلى حرب واسعة تشمل إيران الحليف الرئيسي للحزب، مما يعيد لبنان إلى مركز الحسابات الإقليمية والدولية بين محاولة دفع البلاد نحو تسوية سياسية شاملة أو تحييدها عن أي مواجهة عسكرية محتملة.
**حراك دولي وضغوط للتكيف مع المتغيرات
في هذا السياق، أوضح المحلل السياسي والكاتب الصحفي منير الربيع أن التحركات الدبلوماسية تجاه لبنان تنطلق من إدراك دولي وإقليمي بأن المشهد الإقليمي يشهد تحولات جوهرية، وأن على لبنان التكيف معها.
وقال الربيع في حديثه مع الأناضول، إن الزيارات الأوروبية، بما في ذلك زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية، تأتي في إطار محاولات تثبيت الاستقرار في لبنان، وسط اهتمام أوروبي متزايد بملفي لبنان وسوريا، إضافة إلى بحث مرحلة ما بعد انتهاء ولاية قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) بنهاية العام الحالي.
وأشار إلى أن النقاشات تشمل احتمالات تشكيل قوة أوروبية تتولى مهام الوجود في الجنوب اللبناني، في ظل التوتر المستمر على الحدود مع إسرائيل.
**الخماسية والتسوية السياسية
وأضاف الربيع أن تحرك اللجنة الخماسية يتزامن مع التطورات الإقليمية المتسارعة، ويهدف إلى دفع لبنان نحو تسوية سياسية تعزز دور الدولة، وتقنع حزب الله بالمشاركة فيها، بما في ذلك الموافقة على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة.
وأكد أن لبنان بات محط اهتمام دول عدة تسعى لتثبيت نفوذها على الساحة اللبنانية، مشيرًا إلى أن المسار الدولي تجاه بيروت يشهد تقدمًا ملحوظًا، ويتماهى مع مواقف رسمية لبنانية تتقارب مع التوجهات الدولية.
لكنه شدد على أن هذه المواقف يجب أن تتحول إلى خطوات عملية، والتي ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية:
حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
إقرار قانون معالجة الفجوة المالية واستكمال الإصلاحات المطلوبة لإعادة ربط لبنان بالمؤسسات الدولية.
إجراء الانتخابات النيابية في موعدها المقرر مايو/أيار 2026.
ووافق البرلمان اللبناني على مشروع قانون "معالجة الفجوة المالية"، الذي يهدف إلى إعادة هيكلة عبء ديون لبنان، ويحدد آلية لتقاسم الخسائر بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية والمودعين، بعد الانهيار المالي الكبير الذي أصاب البلاد منذ 2019.
ويتوافق المشروع مع شروط صندوق النقد الدولي، لكن إقراره يتوقف على توافق داخل مجلس النواب الذي يشهد انقسامات حادة.
وأوضح الربيع أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تسوية سياسية شاملة، ترتبط بتطبيق كامل لاتفاق الطائف، وبرعاية دولية وإقليمية.
يُذكر أن اتفاق الطائف الذي وقعته القوى اللبنانية في عام 1989، كان لإنهاء الحرب الأهلية التي دامت 15 عامًا، ونص على إعادة توزيع السلطات بين الطوائف، وتعزيز مشاركة الجميع، إضافة إلى نزع سلاح الميليشيات وبسط سلطة الدولة على كامل أراضي لبنان.
**زيارة إيرانية ورسائل متعددة
فيما يخص زيارة وزير الخارجية الإيراني، قال الربيع إن طهران أرادت التأكيد من خلالها على استمرار حضورها واهتمامها بلبنان، مع تبني خطاب مختلف عما كان سابقًا.
وأشار إلى أن عراقجي، الذي يشارك في المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة، يسعى إلى التوصل لاتفاق أمريكي-إيراني يجنّب المنطقة ضربة عسكرية محتملة، حاملاً رسائل واضحة للغرب تفيد بأن إيران مستعدة للتفاوض حول جميع الملفات، بما في ذلك البرنامج النووي والصواريخ الباليستية.
**اهتمام عربي ودولي مستمر
من جهته، أكد المحلل السياسي آلان سركيس أن لبنان لا يزال يحظى باهتمام عربي ودولي كبير، كما تجلى في الزيارات الدبلوماسية الأخيرة، خصوصًا اجتماع سفراء اللجنة الخماسية، والموفدين الفرنسي والسعودي.
وأشار إلى أن هذا الاهتمام ينبع من الموقع الاستراتيجي للبنان، إضافة إلى تداعيات المواجهة المستمرة مع إسرائيل، معتبراً أن البلاد دخلت مرحلة حراك دبلوماسي مكثف يسبق احتمال اندلاع حرب، في ظل جهود دولية لتجنب صراع عسكري واسع في المنطقة.
ولفت سركيس إلى الدعم المتزايد للجيش اللبناني، والتحضير لمؤتمر باريس، مع تأكيد أن نجاح هذا المسعى مرتبط بخطوات عملية من لبنان، وعلى رأسها ملف حصر السلاح بيد الدولة.
**انعكاسات إقليمية وسيناريوهات مفتوحة
وأضاف أن التطورات القادمة في الأسابيع المقبلة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتحولات في المنطقة والعالم، مع تأثير مباشر لما يحدث في دول مثل إيران على الوضع اللبناني.
وأوضح أن بيروت، بدعم من دول صديقة بينها فرنسا والولايات المتحدة والسعودية وتركيا، تحاول تهيئة نفسها لتكون بعيدة عن الصراعات الإقليمية المحتملة، مضيفًا أن لبنان غالبًا ما يشكل مؤشرًا لما قد يشهده الشرق الأوسط من تحولات.
وختم سركيس بالتأكيد على أن الحراك الدبلوماسي الحالي قد يكون مقدمة لتسوية سياسية كبرى في لبنان والمنطقة، أو محاولة لتجنب تصعيد إقليمي واسع يشمل احتمال اندلاع مواجهة في إيران أو تصعيد إسرائيلي ضد حزب الله.
الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
