دولي, عدوان إسرائيلي أمريكي ضد إيران

سياسي أوروبي: حرب إيران ستكلف الجميع والمنطقة لا تُحكم بالحراب (مقابلة)

** مدير "مؤسسة كلية دفاع الناتو" أليساندرو بوليتي بمقابلة مع الأناضول: - الصواريخ لا يمكنها تغيير الوضع على الأرض وهذا أحد الدروس المرة المستفادة من حرب روسيا على أوكرانيا

Laith Al-jnaidi  | 19.03.2026 - محدث : 19.03.2026
سياسي أوروبي: حرب إيران ستكلف الجميع والمنطقة لا تُحكم بالحراب (مقابلة)

Roma

ليث الجنيدي / الأناضول

** مدير "مؤسسة كلية دفاع الناتو" أليساندرو بوليتي بمقابلة مع الأناضول:
- الصواريخ لا يمكنها تغيير الوضع على الأرض وهذا أحد الدروس المرة المستفادة من حرب روسيا على أوكرانيا
- روسيا وأوكرانيا تدركان ضرورة إنهاء الحرب، والشرق الأوسط سيدرك أن ثمن الحرب مرتفع والمكاسب ضئيلة
- استمرار حرب إيران سيقود العالم إلى ركود اقتصادي حاد، وهو الخطر الأكثر تحملاً مقارنة بسيناريوهات أخرى
- الوصول لصيغة مع طهران أفضل من الاتفاق النووي لعام 2015 أمر متاح، انطلاقاً من العرض الإيراني الأخير
- من الضرورة فتح قنوات للنقاش مع القوى الكبرى لإيجاد صيغة "تعايش سلمي" في منطقة الشرق الأوسط
- الاعتقاد بأن الشرق الأوسط منطقة قابلة "لإعادة الهيكلة" يمكن فهمه تحليليا، لكنه غير مستدام سياسيا واستراتيجيا

يرى مدير "مؤسسة كلية دفاع الناتو" أليساندرو بوليتي، أن العالم لا يواجه أزمة عابرة فحسب، بل نهاية حقبة من التوازنات القديمة، موضحا أن استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لأسبوعين إضافيين "خيار غير مفيد سيدفع الجميع ثمنه باهظا".

ومنذ 28 فبراير/ شباط تشن إسرائيل والولايات المتحدة عدوانا على إيران، أودى بحياة مئات الأشخاص، أبرزهم المرشد علي خامنئي ومسؤولون أمنيون، فيما ترد طهران بإطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه إسرائيل.

كما تشن طهران هجمات على ما تقول إنها قواعد ومصالح أمريكية بدول عربية، لكن بعضها أسقط قتلى وجرحى وأضر بأعيان مدنية، وهو ما أدانته الدول المستهدفة، مطالبة بوقف الاعتداءات.

وتحدث بوليتي، في مقابلة مع الأناضول، عن محدودية تأثير القوة لفرض وقائع جديدة، قائلا إنه رغم المظهر الخارجي لفاعلية الصواريخ، إلا أنها "لا يمكن أن تغير الوضع على الأرض"، موضحا أن ذلك هو أحد "الدروس المرة" من حرب روسيا على أوكرانيا.

وأوضح أن "القيمة الاستراتيجية للصواريخ والمسيرات، تماما كالقصف الجوي، تتوقف عند حد معين؛ فحتى مع امتلاك التفوق الجوي، لا يمكن حسم الصراعات نهائيا".

وقال إن "الحروب تأتي بثمن اقتصادي باهظ جدا، خاصة للدول المثقلة بالديون أو التي تعاني اقتصاداتها من صعوبات" ، واصفا الاستمرار في خيار الحرب في ظل هذه الظروف بأنه أمر "غير مفيد تماماً".​​​​​​​

وحول دور الأساطيل الكبرى في الحروب، أوضح بوليتي أن "الأساطيل الضخمة تظل دائما عرضة للخطر في المياه الضيقة".

واستحضر بوليتي شواهد تاريخية على ذلك مثل هزيمة "الأرمادا" الإسبانية أمام الأسطول الإنجليزي في بحر الشمال خلال الحرب بين المملكتين عام 1588.

** موقف حلف الناتو

وحول دور حلف شمال الأطلسي "الناتو"، أوضح بوليتي أن مجلس الحلف وسفراءه "لم يصدروا أي تقييمات علنية، لكنهم يراقبون الحرب عن كثب لكونها تشمل حليفا رئيسيا وهو الولايات المتحدة".

وكشف أنه "لا يوجد حاليا أي نقاش بين الأعضاء حول الإجراءات الواجب اتخاذها، أو حتى حول كيفية توصيف هذه الحرب".

وأردف: "الناتو ليس مجرد ائتلاف؛ بل هو حلف كامل الأركان يتطلب الإجماع كإجراء قياسي ومعتاد".

وأشار إلى أن الإجراء المعتاد في حالات التهديد هو لجوء الدولة المتضررة للمجلس لطلب اجتماع بموجب "المادة الرابعة" لمناقشة طبيعة التهديد دون اتخاذ قرار مُلزم.

كما لفت إلى "المادة الخامسة" التي تُفعل في حال تعرض حليف لهجوم خارجي، مؤكدا أن تفعيلها يتطلب "إجماع مسبق" دون اعتراض أي عضو.

وشدد على مميزات الحلف قائلا: "مجلس شمال الأطلسي (تأسس عام 1949) ليس حلف وارسو (1955-1991)، حيث كان الاتحاد السوفيتي يُملي الأوامر والجميع يتبعونه؛ لم يكن المجلس كذلك أبدا، ولا أعتقد أنه كذلك الآن".

ومؤخرا، اشتكى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من عدم تقديم دول الحلف الدعم لبلاده في الحرب على إيران، قائلا: "أعتقد أن الناتو يرتكب خطأ غبيا للغاية".

وأشار ترامب إلى أن أوروبا بأكملها أيدت الهجمات على إيران، لكن حين وصل الأمر إلى الدعم العسكري لم يدعم أحد، مؤكدا مرارا شعوره بـ"الخيبة".

** نهاية حقبة قديمة

وقال بوليتي: "نعيش في عصر مختلف، ولكن ليس لأن إدارة الأزمات انتهت، بل لأن التوازنات التي بدأت عام 1944 (مع قرب انتهاء الحرب العالمية الثانية) وصلت إلى نهايتها الطبيعية، إنها نهاية حقبة كاملة".

وأشار أن نهاية تلك الحقبة "لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية"، مبينا أنه "دائما ما تكون نهاية أي حقبة فوضوية ومربكة وعنيفة أحيانا".

وفي تحليله للفوارق الجيوسياسية بين الماضي والحاضر، أوضح أن "الاختلاف الجوهري اليوم يكمن في امتلاكنا أساسا قانونيا وأخلاقيا وسياسيا ومؤسساتيا أقوى بكثير مما كان عليه الحال في الماضي"، مستدركا أن هذا الأساس "ليس محصنا ضد الانهيار".

وأشار بوليتي إلى أن عددا من الدول باتت تدرك أن التصعيد في الشرق الأوسط "ليس في مصلحة أحد"، وخصوصا مع "التبعات الاقتصادية القاسية التي فرضتها الحرب".

** إرث الاستعمار

وفي قراءة تاريخية للجغرافيا السياسية للمنطقة، صرح بوليتي بأن "عصر سايكس بيكو (اتفاقية عام 1916 بين فرنسا وبريطانيا لتقسيم الدول العربية) قد انتهى".

وحذر من أن الاعتقاد بأن الشرق الأوسط هو منطقة قابلة "لإعادة الهيكلة" هو مفهوم يمكن فهمه من الناحية التحليلية، لكنه يواجه مخاطر عدم الاستدامة سياسيا واستراتيجيا.

وأوضح أنه "خلال العقدين الماضيين، أظهرت القوى المتوسطة والفاعلون من غير الدول، قدرات استثنائية على الصمود والتحمل بوسائل أقل بكثير مما هو متاح اليوم".

واستحضر السياسي الأوروبي مقولة تاليران، وزير خارجية نابليون، التي يراها اليوم أصدق من أي وقت مضى، وهي: "يمكنك فعل الكثير باستخدام الحِراب، لكنك لا تستطيع الجلوس عليها. لا يمكنك الجلوس على عرش من الحراب".

وأكد أن الاستقرار يتطلب في النهاية إجماعا واتفاقات ومعاهدات وسلام، وبدون ذلك، سيظل البحث عن الاستقرار مجرد "مطاردة للمستحيل".

وشدد بوليتي على ضرورة فتح قنوات للنقاش مع القوى الكبرى لإيجاد صيغة "تعايش سلمي" في المنطقة.

** سياق الصراع

وفي قراءة تحليلية لمسار الصراعات الإقليمية، دعا بوليتي إلى وضع الأمور في سياقها التاريخي، قائلا: "ضعوا في اعتباركم أننا نعيش اليوم في حرب الخليج الخامسة منذ عام 1979".

وأشار إلى أنه لا يرى نتائج تذكر لتلك الحروب المتتالية سوى تدمير الدول وإضعافها.

ونبه إلى خطورة الحروب الدائرة حاليا بالقرب من أوروبا، سواء في أوكرانيا أو الشرق الأوسط، واصفا إياها بأنها "تهديدات جسيمة للسلام والأمن والاقتصاد العالمي ويجب إيقافها".

كما أكد بوليتي على ضرورة الواقعية السياسية في التعامل مع هذه الصراعات، معتبرا أن "الاستمرار في النهج الحالي غير ممكن، حتى وإن كانت الحلول المؤقتة غير متوازنة أو عادلة تماما".

وأضاف: "روسيا تعرف جيدا أن الوقت قد حان لإنهاء الأمر بعد دفع ثمن باهظ، وأوكرانيا كذلك دفعت ثمنا مروعا".

وتوقع أن يدرك الشرق الأوسط سريعا أن "ثمن الحرب مرتفع والمكاسب ضئيلة للغاية".

** سيناريوهات كارثية

وفيما يخص مآلات الصراع الراهن، أعرب بوليتي عن اعتقاده بأن "أطراف الحرب لا تزال تملك الفرصة للتوقف اليوم دون دفع أثمان باهظة".

وحذر من أن استمرار المواجهة سيقود العالم أولا إلى "ركود اقتصادي حاد" وهو الخطر الذي وصفه بـ "الأكثر تحملا" مقارنة بسيناريوهات أخرى أكثر إثارة للقلق.

ولفت في هذا الصدد إلى التعقيدات الأمنية والنووية في المنطقة، لا سيما مع وجود دول نووية مثل باكستان وإسرائيل، واتفاقيات أمنية تشمل السعودية وإيران "قد يخلق سيناريوهات كارثية".

وشدد بوليتي على أن "التفاوض ممكن دائما، وأن العودة إلى صيغة اتفاق أفضل من الاتفاق النووي الذي فاوض عليه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عام 2015، هو أمر متاح و"كان يسعى إليه ترامب ولا يزال".

** حسابات ترامب

وحول كيفية خروج الرئيس الأمريكي من هذه الحرب، اعتبر بوليتي أن "ترامب غير راغب في الاستمرار، وهو ما عكسته إشارات عديدة أرسلها مؤخرا".

وأوضح بوليتي أن هذا الموقف "لا ينبع من ضعف في الحزم، بل من حقيقة أنه رجل أعمال يجري حسابات التكلفة والمنفعة، وليس لديه أحلام جيوسياسية معقدة".

وأضاف: "مهمة ترامب تكمن في إيجاد صيغة تفاهم مع إيران، وتوافق مع إسرائيل بصفتها الحليف الأصغر في هذه المواجهة".

واعتبر أن "هذا المسار ممكن لسبب جوهري، وهو أن كلفة الحرب على المواطنين الأمريكيين وعلى الدول الأخرى باتت غير محتملة".

وتوقع أن ترامب "قد ينجح في نهاية المطاف في إيجاد مخرج ينهي محاولات تغيير التوازن السياسي عبر القوة العسكرية".

** توقيت النهاية

وفيما يتعلق بمسألة توقيت وقف الحرب على إيران، وصف بوليتي الأمر بأنه "غير مؤكد"، مشيرا إلى أنه "لو كانت الأطراف الدولية تتحرك بدوافع عقلانية، فمن المفترض أن تنتهي الحرب خلال الأسبوع المقبل".

واستدرك قائلا: "فقد تعلمت من التجربة أن العقلانية هي بمثابة عنصر نادر في السياسة".

ويرى أن "استمرار المواجهة لأسبوعين إضافيين سيكون فكرة سيئة للغاية، حيث سيدفع الجميع ثمنًا باهظا".

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.