دولي, الدول العربية, التقارير, فلسطين, قطاع غزة

بين الرماد والورق.. مبادرة لإنقاذ مكتبة الجامع العمري بغزة (تقرير)

في أروقة المسجد المدمر تتناثر الكتب بين حجارة البناء وشظايا القذائف بعدما تحولت أجزاء واسعة من مكتبته إلى ركام بفعل القصف والحريق.

Hosni Nedim  | 12.03.2026 - محدث : 12.03.2026
بين الرماد والورق.. مبادرة لإنقاذ مكتبة الجامع العمري بغزة (تقرير)

Gazze

غزة/ حسني نديم / الأناضول

** حنين العمصي، مديرة فريق مؤسسة "عيون على التراث":
- القصف الإسرائيلي دمر أجزاء واسعة من قاعات الجامع، وحجم الدمار كبير ومؤلم
- الفريق وجد المخطوطات والكتب ملقاة على الأرض دون أي نظام للحفظ أو الفهرسة
- المقتنيات باتت معرضة للرطوبة وحتى للحيوانات التي لجأت إلى القاعات المهجورة
- المكتبة تضم مخطوطات من الحقبة العثمانية بمجالات الفقه واللغة والطب وكتب دينية وتراثية

بين ركام الجامع العمري الكبير بمدينة غزة يتنقل متطوعون بحثا عن كتب ومخطوطات نجت من القصف الذي استهدف المسجد ومكتبته خلال حرب الإبادة التي بدأتها إسرائيل بدعم أمريكي في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 واستمرت عامين.

في أروقة المسجد المدمر تتناثر الكتب بين حجارة البناء وشظايا القذائف بعدما تحولت أجزاء واسعة من مكتبته إلى ركام بفعل القصف والحريق.

المتطوعون يحاولون إنقاذ ما تبقى من مخطوطات وكتب تمثل إرثا معرفيا وجزءا من الذاكرة الثقافية لغزة.

غير أن حجم الدمار داخل المكتبة يكشف صعوبة المهمة؛ إذ تحول قسم كبير منها إلى كومة حجارة متناثرة وأخشاب محترقة.

كما غطت طبقات كثيفة من الغبار والبارود صفحات الكتب وعناوينها، وذلك إثر قصف مباشر للمكان، بحسب القائمين على المسجد.

وخلفت الإبادة الجماعية في غزة أكثر من 72 ألف قتيل ونحو 172 ألف جريح فلسطينيين، ودمارا هائلا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.

** معلم تاريخي عريق

ويعد الجامع العمري الكبير من أبرز المعالم التاريخية في قطاع غزة، إذ يُصنف ثالث أكبر مسجد في فلسطين بعد المسجد الأقصى في القدس ومسجد أحمد باشا الجزار بمدينة عكا، ويوازيه في المساحة جامع المحمودية في مدينة يافا.

ويقع المسجد في حي الدرج وسط البلدة القديمة في غزة، ويعود تأسيسه إلى أكثر من 1400 عام، وقد مر بناؤه بست مراحل تاريخية شهدت خلالها تحولات عمرانية متعددة.

ولم تقتصر الأضرار على المبنى التاريخي فحسب، بل طالت أيضا مكتبة المسجد التي تضم مجموعات نادرة من الكتب والمخطوطات.

وتحتوي المكتبة على مخطوطات تتنوع بين المصنفات الكبيرة والرسائل الصغيرة، ويعود أقدمها إلى سنة 920 هجرية.

ومن أبرز المخطوطات الموجودة فيها مخطوطة "شرح الغوامض في علم الفرائض" لبدر الدين المرديني، التي يبلغ عمرها نحو 500 عام، بحسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية (غير حكومية).

** مخطوطات مهددة

وفي هذا السياق، تقول حنين العمصي، مديرة فريق مؤسسة "عيون على التراث"، إن اللحظات الأولى لدخول فريقها إلى المكان كانت "صادمة ومؤلمة".

وتوضح في حديثها للأناضول أن الفريق وجد المخطوطات والكتب ملقاة على الأرض دون أي نظام للحفظ أو الفهرسة، بعدما دمر القصف أجزاء واسعة من القاعات.

وتضيف أن هذه المقتنيات أصبحت معرضة للرطوبة والهواء وحتى للحيوانات التي لجأت إلى القاعات المهجورة، ما فاقم حجم الأضرار.

وتشير العمصي إلى أن المكتبة تضم مخطوطات تعود إلى الحقبة العثمانية في مجالات الفقه واللغة والطب، إضافة إلى كتب دينية وتراثية تمثل جزءا من الهوية الثقافية لمدينة غزة.

وتلفت إلى أن بعض هذه المخطوطات نسخ قديمة يصعب تعويضها، ما يجعل فقدانها خسارة معرفية كبيرة.

** إنقاذ تحت الركام

وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يباشر المتطوعون عملية تنظيف دقيقة للكتب.

وفي إحدى زوايا المكان تمسك متطوعة ترتدي قفازات بيضاء وكمامة طبية بفرشاة صغيرة، وتزيل بعناية طبقة البارود المتراكمة على صفحات كتاب قديم.

الفريق يصف هذه الخطوة بأنها "إسعاف أولي" للكتب، فالغبار الأسود الناتج عن الحريق لا يمثل مجرد أثر للقصف بل مادة قد تتسبب في تآكل ألياف الورق وإتلاف الحبر بمرور الوقت.

ولهذا يتحرك المتطوعون ببطء بين الأكوام، يقلبون الصفحات بحذر ويعزلون الكتب المصابة بالعفن عن غيرها للحد من انتشار الفطريات.

غير أن المهمة لا تخلو من تحديات كبيرة؛ فالرطوبة الناتجة عن تدمير جدران المبنى وفتح المكتبة على العوامل الجوية خلقت بيئة ملائمة لنمو العفن.

ومع غياب معدات الترميم المتخصصة، يعتمد المتطوعون على وسائل بسيطة لتجفيف بعض الكتب والحفاظ عليها مؤقتا.

** ذاكرة غزة الثقافية

ورغم قسوة المشهد، ترى العمصي أن كل صفحة تُنظف من الغبار تمثل "استعادة لجزء من ذاكرة غزة".

وتؤكد أن المبادرة لا تهدف فقط إلى إنقاذ الورق، بل إلى الحفاظ على إرث علمي يمكن أن يشكل جسرا معرفيا يربط الأجيال القادمة بجذورها الثقافية.

وتشدد على أن هذه الجهود تبقى محدودة دون تدخل علمي أوسع، داعية المؤسسات المحلية والدولية المعنية بالثقافة والتراث إلى تقديم دعم عاجل لترميم المخطوطات وفق معايير الحفظ المتخصصة، قبل أن يؤدي استمرار الرطوبة والإهمال إلى فقدان ما تبقى منها.

وحسب وزير السياحة والآثار الفلسطيني هاني الحايك، فإن إسرائيل دمرت خلال حرب الإبادة أكثر من 316 موقعا أثريا كليا أو جزئيا في قطاع غزة والضفة الغربية، ضمن "استهداف ممنهج" للمواقع التاريخية الفلسطينية، وفق مقابلة أجرتها الأناضول معه في ديسمبر/ كانون الأول 2025.

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
المواضيع ذات الصلة
Bu haberi paylaşın