الدول العربية, التقارير, فلسطين

"الحرية".. مسرح في جنين عطلته إسرائيل فأحياه أطفال فلسطين (تقرير)

** مصطفى شتا، المدير العام لمسرح الحرية للأناضول: - إخراج المسرح من المخيم لم يكن مجرد "انتقال جغرافي، بل صدمة وجودية

Qais Omar Darwesh Omar  | 19.01.2026 - محدث : 19.01.2026
"الحرية".. مسرح في جنين عطلته إسرائيل فأحياه أطفال فلسطين (تقرير)

Ramallah

جنين/ قيس أبو سمرة/ الأناضول

** مصطفى شتا، المدير العام لمسرح الحرية للأناضول:
- إخراج المسرح من المخيم لم يكن مجرد "انتقال جغرافي، بل صدمة وجودية
- المكان تحول من فضاء أمل ومستقبل للأطفال إلى مكان موحش تسيطر عليه الآلة العسكرية
** مؤمن السعدي، مدرب وممثل في مسرح الحرية للأناضول:
- نحاول خلق مساحة آمنة للأطفال حتى يتمكنوا من التعبير عن المعاناة التي عاشوها خلال السنوات الماضية
- وظيفتنا كمسرح ثقافي أن نعزز عند أطفالنا الفكر المقاوم، لكن ليس بالمعنى العسكري، بل بمعنى أن يشعروا أن لهم صوت

لم تُخمد الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة لمخيم جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة، ولا إخلاء واحتلال مسرح "الحرية" العسكري، أصوات ضحكات الأطفال وعروضهم الفنية، ففي قاعة صغيرة ومتواضعة تعمل اليوم فرقة "مسرح الحرية" بطاقة أقل، لكنها تحمل إصرارًا أقوى.

يقوم مسرحيون فلسطينيون في جنين بإحياء دور "مسرح الحرية" الذي عطلته السلطات الإسرائيلية وحولت مبناه إلى ثكنة عسكرية منذ أكثر من عام، عبر تدريب الأطفال الفلسطينيين في المدينة على فنون الدبكة والسيرك والتعبير الفني، في محاولة لانتشالهم من حالة الخوف واليأس الناتجة عن نزوحهم مع عائلاتهم من المخيم.

فمنذ تأسيسه عام 2006، كان المسرح جزءًا حيويًا من نسيج المخيم، وفضاءً مفتوحًا للأطفال والشباب، إلا أنه مع استمرار العملية العسكرية الإسرائيلية التي أدت إلى نزوح آلاف العائلات، وجد المسرح نفسه منفيًا قسرًا إلى مدينة جنين، فقد فقد مكانه الجغرافي والمجتمعي.

في القاعة التي تحتضن التدريبات، يملؤها النشاط والتفاعل، تبدو علامات الفرح على وجوه الأطفال الذين غالبيتهم نزحوا قسرًا من المخيم إثر العملية العسكرية التي بدأت في 21 يناير/كانون الثاني 2025.

على مقربة من أطراف المخيم، يحاول "مسرح الحرية" إعادة بناء معنى الحياة وسط الخراب.

يقول مصطفى شتا، المدير العام للمسرح، للأناضول: "كان عام 2025 من أصعب الأعوام على الفعل المدني والثقافي في جنين، خصوصًا على لاجئي المخيم الذين صاروا يحملون هوية سياسية جديدة وهي نازحون".

ويضيف: "إخراج المسرح من المخيم لم يكن مجرد تغيير مكان، بل كان صدمة وجودية كبيرة".

ويشرح أن "المسرح تحول من مساحة أمل ومستقبل للأطفال إلى مكان موحش يسيطر عليه الجيش والآليات العسكرية، لكننا رغم ذلك اضطررنا لإيجاد مساحات إبداعية بديلة، بالإمكانيات المتاحة، للحفاظ على هويتنا الثقافية".

في هذه القاعة المتواضعة التي تفتقر إلى التجهيزات التقنية، يدرك العاملون أن ما تهدم ليس فقط المبنى، بل الإيقاع اليومي لحياة الأطفال وشعورهم بالأمان واستمرارية ذاكرتهم الجماعية.

ويعد "مسرح الحرية" نسخة جديدة من "مسرح الحجارة" الذي تأسس عام 1987 في بيت عائلة القيادي السابق في كتائب شهداء الأقصى زكريا الزبيدي بمخيم جنين، على يد الناشطة اليهودية آرنا مير، قبل أن تهدمه السلطات الإسرائيلية خلال عملية "السور الواقي" في انتفاضة الأقصى.

وفي عام 2006، أعيد تأسيس المسرح على يد زكريا الزبيدي وجوليانو خميس، والد جوليانو من الناصرة.

** فن يعيد الذاكرة

لمى عويص، طفلة تبلغ من العمر 12 عامًا من مخيم جنين، واحدة من عشرات الأطفال الذين وجدوا في المسرح متنفسًا جديدًا.

تقول لمى: "نحن نازحون، والنزوح أثر علينا كثيرًا. جئنا إلى المسرح لنتعلم أشياء جديدة، وتعلمنا الدبكة والتدريب على التيشو. كنت حزينة على المخيم، لكن عندما جئت هنا شعرت بالسعادة".

بالنسبة لهذه الطفلة التي فقدت منزلها وانقطعت عن مدرستها وأصدقائها، لا يُعد المسرح مجرد نشاط ترفيهي، بل محاولة لاستعادة جزء من الحياة الطبيعية. كما تصفه لمى، فإن المسرح "أعاد الذكريات"، وخلق شعورًا بأن المخيم، رغم غيابه الجسدي، لا يزال حاضرًا في الوجدان.

أما محمد أبو الهيجا، 13 عامًا، طالب في الصف السابع، فيحمل في صوته مزيجًا من الحنين والصدمة.

يقول محمد: "عندما أجبرتنا إسرائيل على النزوح من المخيم، لم نتوقع أن يستمر النزوح عامًا كاملاً. كنا نظن أنه سيستمر يومين أو أسبوعًا، والآن بعد مرور عام ما زلت مصدومًا".

يستعيد تفاصيل حياته السابقة: "كنا نتجمع في أحياء المخيم، ونذهب إلى المدرسة معًا، لكن الآن أصدقائي مشتتون، وعندما علمت أن المسرح عاد هنا، جئت فورًا لأنه يذكرني بأيام المخيم".

ويضيف: "المسرح بالنسبة لي ليس مكانًا لتعلم الدبكة فقط، بل مساحة لتفريغ الطاقة المكبوتة، واستعادة الذكريات، والالتقاء بأصدقاء فرقهم النزوح الجغرافي".

** مساحة آمنة

مؤمن السعدي، مدرب وممثل في المسرح، ابن المخيم ذاته، بدأ مشاركته في برامج المسرح كطالب قبل أن يصبح مدربًا ومنسقًا للمخيم الشتوي لعام 2026.

يقول السعدي: "نحاول خلق مساحة آمنة للأطفال للتعبير عن المعاناة التي مروا بها خلال السنوات الماضية".

ويشرح: "تعرض الأطفال لضغوط نفسية كبيرة بسبب الحرب والاقتحامات والنزوح، لذا يتجاوز دور المسرح التدريب الفني فقط".

ويضيف: "وظيفتنا كمسرح ثقافي هي تعزيز الفكر المقاوم لدى الأطفال، ليس بالمفهوم العسكري، بل بأن يشعروا بأن لهم صوتًا قادرًا على التعبير عن أفكارهم من خلال الفن، كالغناء والرقص والتمثيل".

ورغم انخفاض أعداد الأطفال المشاركين من 100-150 سابقًا إلى نحو 53-54 حاليًا، بسبب حساسية الموقع وخوف الأهالي، يؤكد السعدي استمرار العمل وتوسعه عبر برامج متنقلة ومخيمات شتوية في أماكن تجمع النازحين.

** بداية من تحت الصفر

يتحدث شتا عن انطلاق المسرح بعد النزوح قائلاً: "بدأنا من الصفر، المكان غير مجهز، والطاقم متفرق، وبعض العاملين تعرضوا للاعتقال".

ويضيف: "نعيد البناء وكأننا نبدأ من جديد، لكن مستندين إلى تاريخ وإرث المسرح منذ تأسيسه".

رغم الصعوبات، أنتج المسرح خلال عام 2025 عددًا من الأعمال، وتعاون مع مؤسسات ثقافية في رام الله والبيرة، وشارك بعروض خارجية منها مسرحية "مروحة فلسطين" في مهرجان "شباك" بلندن، واختتم العام بمسرحية "الجوهرة الثمينة" بدعم التعاون الإيطالي.

لكن الأهم، بحسب شتا، هو إعادة بناء الثقة مع المجتمع المحلي: "ركزنا على تعزيز العلاقة مع أهل جنين والمخيم ليظلوا حاضنة وداعمة، وهذا شجع الأهالي على إرسال أبنائهم لبرامج الفنون".

** المسرح يأتي إليك

وفق فلسفة أن الثقافة يجب أن تصل إلى الناس حيثما كانوا، يقدم المسرح اليوم برامج متنقلة في مناطق تجمع النازحين مثل برقين وكفر دان ويعبد وعرابة وفقوعة، تشمل تدريبات مسرحية وأنشطة تفاعلية وفرصًا لتفريغ نفسي للأطفال.

يؤكد شتا أن العمل لا يستهدف "فئة نازحة" فقط كحالة طارئة، بل يوجه لأبناء المخيم أينما كانوا إلى حين عودتهم.

ويقول: "المخيم يفتقد المسرح، والمسرح يفتقد الأطفال، ونحن نحاول سد هذا الفراغ ولو بشكل مؤقت".

** مواجهة العدم

في مدينة تعيش على وقع الاقتحامات والغياب، يبدو مسرح الحرية محاولة عنيدة لإعلان "نحن هنا"، ليس فقط كمؤسسة ثقافية، بل كذاكرة جماعية ومساحة مقاومة ناعمة تحمي الأطفال من الانزلاق إلى العدم.

في القاعة الصغيرة، تعلو ضحكات الأطفال لتؤكد أن المسرح وإن فقد جدرانه في المخيم، لم يفقد روحه، فطالما هناك طفل يرقص دبكة أو يمثل أو يضحك بعد عام من النزوح، يبقى الأمل قائمًا، ولو على أطراف المخيم.

وفي الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل في دفع قوات ومعدات لتعبيد شوارع على أنقاض آلاف المنازل التي دمرتها في المخيم، يستمر الفلسطينيون في مقاومة محاولات الاحتلال لطمس حياتهم وهويتهم.

منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023 والتي استمرت عامين، كثفت إسرائيل اعتداءاتها في الضفة الغربية، بما في ذلك القتل والاعتقال والتهجير والتوسع الاستيطاني، في مسار يحذر فلسطينيون من أنه يمهد لضم الضفة إلى إسرائيل.

أسفرت هذه الاعتداءات عن مقتل أكثر من 1107 فلسطينيين، وإصابة نحو 11 ألفًا، إضافة إلى اعتقال أكثر من 21 ألفًا، وفق بيانات رسمية فلسطينية.

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.