الدول العربية, أخبار تحليلية, التقارير

تقاسم مداخيل النفط.. ورقة حفتر لحرمان الحكومة من "السلطة المالية" (إضاءة)

بينما يسيطر حفتر على نحو 90 بالمئة من حقول النفط، تتولى الحكومة الليبية إدارة مداخيل المحروقات وصرفها مرتبات الموظفين حتى في مناطق خارج سيطرتها

16.07.2020
تقاسم مداخيل النفط.. ورقة حفتر لحرمان الحكومة من "السلطة المالية" (إضاءة)

Libyan

16 Jul 2020 Thu 7:38إسطنبول/ مصطفى دالع/ الأناضول

إصرار الجنرال الانقلابي خليفة حفتر على تقاسم مداخيل النفط، ووضعها في حساب بنكي بدولة أجنبية، يقابله رفض الحكومة الليبية لهذا الطلب لمساسه بسيادة البلاد، مما يدعو للتساؤل حول كيف تصرف أموال النفط في إحدى أغنى الدول الإفريقية دون أن ينعكس ذلك على الواقع الفعلي للمواطن وللبلاد إجمالا.

فخلال الأيام الأخيرة تسارعت الأحداث بشأن فتح وغلق النفط تحت ضغط عدة دول لكن في اتجاهات متضادة، انتهت باشتراط أحمد المسماري، المتحدث باسم مليشيات حفتر، "فتح حساب خاص في إحدى الدول، تودع فيه عوائد النفط".

ورد عليه مندوب ليبيا بالأمم المتحدة طاهر سني، بأن ذلك "انتهاك للسيادة، ودليل الوصاية، ومحاولة تكرار مسلسل النفط مقابل الغذاء"، في إشارة لبرنامج أممي سمح للعراق في 1995 من بيع جزء من نفطه لشراء الغذاء لشعبه.

فحفتر الذي يسيطر على نحو 90 بالمئة من حقول النفط والغاز في البلاد، وعلى أغلب المنشآت وموانئ تصدير المحروقات، لا يحصل سوى على جزء محدود من مداخيل هذه الثروة الهائلة بالعملة الصعبة، بينما يسعى للاستحواذ على حصة الأسد.

** من يتحكم في صرف مداخيل النفط؟

الحكومة الليبية وحدها من يمتلك شرعية تصدير المحروقات عبر المؤسسة الوطنية للنفط في العاصمة طرابلس، ومداخيل هذه الصادرات تصب في حساب للبنك المركزي في طرابلس أيضا، وتقوم الحكومة بصرف هذه الأموال على أقاليم البلاد الثلاثة (طرابلس، برقة، فزان) حتى تلك التي لا تخضع لسيطرتها الفعلية.

وحاول حفتر الاستلاء على مداخيل النفط من خلال خلق مؤسسة نفط وبنك مركزي موزايين، لكنه فشل لأنه لا يملك الشرعية الدولية، والمجتمع الدولي لا يعترف سوى بالمؤسسات الرسمية في طرابلس.

فلجأ حفتر وبدعم من مصر والإمارات إلى تهريب النفط وبيعه بأسعار مخفضة في السوق السوداء، لتمويل حربه على الحكومة الشرعية.

كما حرض القبائل الموالية له لغلق الحقول والموانئ النفطية في 17 يناير/كانون الثاني 2020، حتى لا تقع على مليشياته المسؤولية الجنائية والقانونية، وأيضا حتى لا تطالبه شركات النفط العالمية المستثمرة في ليبيا وشركات التأمين بدفع تعويضات عن خسائرها.

حيث تسبب غلق مليشيات حفتر النفط طيلة ستة أشهر في خسائر فاقت 6.5 ملايير دولار.

** كيف تصرف مداخيل النفط؟

تتولى الحكومة الشرعية في طرابلس دفع أجور الموظفين في كامل البلاد، بما فيها المناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة مليشيات حفتر وإدارة الحكومة الموازية غير المعترف بها دوليا.

وتشمل أجور الموظفين التي تدفعها الحكومة الليبية في طرابلس، حتى العسكريين وأفراد الشرطة التابعين لحفتر، لكن جزء منهم وليس كلهم، مما يضع على الجنرال الانقلابي أعباء مالية إضافية يسعى لتغطيتها عبر تهريب الخردة ونهب بعض البنوك والاستدانة من أخرى وطبع النقود في روسيا بالإضافة إلى دعم الإمارات المالي، ومصادرة أملاك خصومه وبيعها..

ويوضح وزير الداخلية في حكومة الإنقاذ السابقة محمد البرغثي، في تصريح صحفي في 2015، هذه المفارقة، في أن السجلات الإدارية لأفراد الشرطة في المنطقة الشرقية (مثلا) كلها متواجدة في طرابلس.

فالنظام الإداري الموروث عن نظام معمر القذافي (1969-2011) مركزي، وليس فيدرالي، وهو متركز في طرابلس، لذلك تُدفع مرتبات الموظفين في المنطقة الشرقية كما كامل البلاد، من الحكومة المسيطرة على العاصمة، وهذا أحد الأسباب التي دفعت حفتر للاستعجال في الهجوم عليها.

لكن لا توجد هناك محاصصة في توزيع مداخيل، أي ليس لكل إقليم نسبة معينة من مداخيل النفط، كما يشترط حفتر، وبعض فيدراليي برقة، الذين يعتبرون أنهم لا يستفيدون بشكل كاف من مداخيل النفط رغم أن أغلبها يقع في الشرق.

** إحباط عمليات تهريب النفط دوليا

ظن حفتر أن بإمكانه تركيع الحكومة الليبية من خلال غلق النفط، بالتزامن مع تهريبه إلى الإمارات ومصر، وبذلك يكون ضرب عصفورين بحجر واحد.

"لكن رب ضارة نافعة"، فعملية إيريني البحرية التي أطلقتها دول الاتحاد الأوروبي لفرض حظر بحري على السلاح إلى ليبيا، واعتبرتها الحكومة الشرعية أنها تستهدفها أكثر من مليشيات حفتر، الذي يهرب إليه السلاح برا وجوا، تبين أنها لها جانب إيجابي.

ففي 22 مايو/أيار الماضي، اعترضت سفينة حربية فرنسية (جان بارت)، ناقلة نفط تسمى "جال لاكسمي"، تحمل علم الغابون، كانت متوجهة إلى ميناء الحريقة النفطي بمدينة طبرق، أقصى شرقي ليبيا، لتحميل منتجات بترولية مكررة لحساب شركة مسجلة في الإمارات، بحسب إعلام غربي.

وبقيت ناقلة النفط تحوم في عرض البحر لقرابة أسبوع دون أن تتمكن من الوصول إلى هدفها، خاصة بعدما تم الاتصال بمالك ناقلة النفط والشركة المؤمنة عليها، و"كان التهديد بالعقوبات مجديا في منع السفينة من الرسو في طبرق".

وضيع حفتر في هذه الصفقة ملايين الدولارات، لكن أهم من ذلك أن عمليات تهريب النفط من ليبيا، أصبحت محفوفة بالمخاطر، في ظل وجود سفن عملية "إيريني"، وربما السفن الحربية التركية أيضا.

ما يجعل ناقلات النفط وشركات التأمين العالمية مترددة في تهريب المنتجات النفطية الليبية لحساب الإمارات أو أي دولة أخرى.

وهذا الواقع الجديد أفقد حفتر موردا ماليا هاما لتمويل الحرب وخنق الحكومة الشرعية، ضف إلى ذلك مصادرة مالطا كميات هامة من الأوراق النقدية المطبوعة في روسيا، والتي كانت متوجهة لمليشيات الشرق، مما ضاعف من عجزها في الدفع لمرتزقة شركة فاغنر والمرتزقة الأفارقة، ناهيك عن عائلات القتلى وعلاج المصابين الذين بلغوا آلافا.

فتراجع أسعار النفط، وارتفاع تكاليف الحرب في اليمن، أثر بالتأكيد على سخاء الدول الخليجية في تمويل مليشيات حفتر ومرتزقته، وقد يكون أحد الأسباب التي دفعت مرتزقة سودانيين للانسحاب من ليبيا واتهام حفتر بعدم دفع مستحقاتهم.

فالحديث عن تقاسم مداخيل النفط يهدف بالأساس إلى حرمان الحكومة الشرعية من "السلطة المالية"، وهي ورقة قوية خاصة بعد تلاشي حلم حفتر في دخول طرابلس، وانهيار مليشياته في المنطقة الغربية.

وإذا تم وضع أموال النفط في حساب بنكي بدولة أجنبية ويتم توزيعه تحت إشراف أممي أو دولي، فيعني هذا أن الشعب الليبي سيصبح تحت وصاية دولية، وهذا يفقد البلاد جزءا من سيادتها، وإن كان سيعزز شفافية توزيع الأموال، إلا أنه في الوقت نفسه سيشجع مليشيات حفتر على دخول مزيد من المغامرات العسكرية.

وهذا ما يفسر تأكيد المتحدث باسم الجيش الليبي محمد قنونو، على ضرورة إنهاء هذا العبث، قائلا إن "الوقت حان لتدفق النفط مجددا والضرب على الأيدي التي توقفه".

ما يعني أن الحكومة الشرعية مُصرة على استعادة سيطرتها على الحقول والموانئ النفطية، بعدما فشلت لحد الآن الخيارات التفاوضية.

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
المواضيع ذات الصلة
Bu haberi paylaşın