السياسة, دولي, الدول العربية, أخبار تحليلية

الولايات المتحدة والعراق.. علاقات متوترة ومستقبل غامض (مقال تحليلي)

بعد الانسحاب الأمريكي من العراق نهاية عام 2011، انتهجت الإدارات الامريكية سياسة جديدة بتدريب ودعم القوات الأمنية، وتقديم مساعدات في مجالات شتى تخدم قيام عراق ديمقراطي آمن ومستقر.

16.01.2020
الولايات المتحدة والعراق.. علاقات متوترة ومستقبل غامض (مقال تحليلي)

Istanbul

رائد الحامد / الأناضول

- بعد الانسحاب الأمريكي من العراق نهاية عام 2011، انتهجت الإدارات الامريكية سياسة جديدة بتدريب ودعم القوات الأمنية، وتقديم مساعدات في مجالات شتى تخدم قيام عراق ديمقراطي آمن ومستقر.
- شكّل التعاون الأمني والعسكري بين الولايات المتحدة والعراق أساس العلاقات الثنائية بين البلدين بعد أحداث الموصل 2014.
-يواجه مسؤولو البلدين ضغوطا من قوى سياسية مرتبطة بإيران لإعادة تقييم العلاقات بين البلدين بعد سلسلة من الأزمات جراء تصدع العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران منذ أيار/مايو 2019.
- غياب الدور الأمريكي من العراق سيسهل الاستحواذ الإيراني الكامل على مجمل القرار الأمني والسياسي والاقتصادي وتحويل الأراضي العراقية إلى منطلق لتمدد النفوذ الإيراني غربا إلى سوريا ولبنان وجنوبا إلى دول الخليج العربية
- بعد مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، نجحت إيران في تحويل العراق إلى ساحة مواجهة "سياسية" ضد الولايات المتحدة بلغت ذروتها في تمرير مجلس النواب العراقي قرارا يلزم حكومة عادل عبد المهدي بالطلب من جميع القوات الأجنبية مغادرة العراق. 
- سياسات الحكومة العراقية تجاه الولايات المتحدة ستؤدي إلى تحويل العلاقة معها من علاقة شراكة سيظل العراق بحاجة اليها، إلى علاقة عدائية في توقيت خاطئ يضع مصير العراق ومستقبله أمام تحديات كبرى.

عوامل عدة، داخلية وخارجية، ترسم بشكل ما ملامح وطبيعة العلاقات المستقبلية بين الولايات المتحدة والعراق بعد التطورات الأخيرة التي استجدت منذ بداية الحركة الاحتجاجية في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، واتخاذ الأراضي العراقية ساحة للصراع وتصفية الحسابات في سياق التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران والدول والقوات الحليفة لهما في المنطقة.

بعد الانسحاب الأمريكي من العراق نهاية عام 2011، انتهجت الإدارات الامريكية سياسة جديدة بتدريب ودعم القوات الأمنية، وتقديم مساعدات في مجالات شتى تخدم قيام عراق ديمقراطي آمن ومستقر.

وشكّل التعاون الأمني والعسكري بين الولايات المتحدة والعراق أساس العلاقات الثنائية بين البلدين بعد أحداث الموصل 2014.

وقدمت الولايات المتحدة منذ أحداث الموصل 2014 مساعدات أمنية وعسكرية لإعادة بناء القوات الأمنية، وفي مجال الإغاثة الإنسانية بنحو 2.7 مليار دولار.

لكن تلك المساعدات الأمريكية ظلت عاجزة عن بناء الثقة مع المسؤولين العراقيين خلافا لإيران التي تعد الفاعل الأكثر نفوذا في العراق عبر المجموعات الشيعية المسلحة والأجنحة السياسية، وكذلك الأحزاب السياسية المرتبطة بها أو الحليفة لها.

وتعتقد الولايات المتحدة أن مصالحها العليا في العراق والمنطقة تستدعي إحتواء النفوذ الإيراني وتحجيمه إلى حدوده الدنيا وكبح جماح تهديدات إيران والقوات الحليفة المرتبطة بها في المنطقة، وفي العراق الذي قد لا تزال حكومته عاجزة عن إدراك المخاطر الناجمة عن الدوران في فلك السياسات الإيرانية المناهضة للولايات المتحدة.

يواجه مسؤولو البلدين ضغوطا من قوى سياسية مرتبطة بإيران لإعادة تقييم العلاقات بين البلدين بعد سلسلة من الأزمات جراء تصدع العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران منذ أيار/مايو 2019 وانعكاساتها على العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق.

ووفقا لتقارير، وضعت وزارة الخارجية الأمريكية بعد التطورات الأخيرة خطة لتقليص عدد موظفيها العاملين في العراق، إلى نسبة تصل إلى 28 بالمائة منهم بحلول نهاية أيار/مايو المقبل.

ونتيجة لتهديدات المجموعات الشيعية المسلحة، وتكرار استهداف قواعد تواجد الجنود الأمريكيين وتهديدات لاحقة باستهداف جميع القوات الأجنبية التي لم تلتزم بقرار مجلس النواب، ولحماية أرواح الجنود، أوقفت الولايات المتحدة ودول التحالف الدولي الأخرى مهام تدريب القوات الأمنية العراقية على يد مستشارين من هذه الدول ونقل المئات منهم إلى دول مجاورة للعراق.

سيسهل غياب الدور الأمريكي من العراق الاستحواذ الإيراني الكامل على مجمل القرار الأمني والسياسي والاقتصادي وتحويل الأراضي العراقية إلى منطلق لتمدد النفوذ الإيراني غربا إلى سوريا ولبنان وجنوبا إلى دول الخليج العربية التي هي بأمس الحاجة إلى رؤية عراق آمن ومستقر يتمتع بسيادته الكاملة.

وقد تكون المرحلة الراهنة هي الأسوأ في مستوى العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق منذ عام 2003.
شكّلت حادثة اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس نقطة تحول كبرى في تراجع مستوى العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق وبلوغها مرحلة من التعقيد يصعب على المفاوضات الثنائية تجاوزها إذا فشلت الحركة الاحتجاجية في إنتاج نظام سياسي مستقل متحرر من التبعية للسياسات الإيرانية.

بعد مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، نجحت إيران في تحويل العراق إلى ساحة مواجهة "سياسية" ضد الولايات المتحدة بلغت ذروتها في تمرير مجلس النواب العراقي قرارا يلزم حكومة عادل عبد المهدي بالطلب من جميع القوات الأجنبية مغادرة العراق رغم أن الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال، ومقاطعة معظم الكتل السياسية السُنيّة والكردية لجلسة المجلس.

واحتجاجا على غارات أمريكية استهدفت كتائب حزب الله العراقي في 29 ديسمبر/كانون الأول، اعتمد مجلس النواب العراقي قرارا يوجه الحكومة المركزية بسحب طلب المساعدة من التحالف الدولي ضد تنظيم داعش وإخراج جميع القوات الأجنبية من العراق والتحقيق بالغارات الجوية على مواقع الحشد الشعبي غرب العراق.

لحسابات خاصة تتعلق بتخوف العرب السُنّة من الخلل في توازن القوى والنفوذ بين الولايات المتحدة وإيران لصالح الأخيرة، قاطع العرب السُنّة جلسة التصويت على إخراج القوات الأجنبية، أو الأمريكية في حقيقتها، وكذلك الكتل السياسية الكردية لذات الحسابات، وحسابات أخرى تفرضها طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة.

وأبلغ رئيس الوزراء "المستقيل" عادل عبد المهدي السفير الأمريكي ببغداد في 6 يناير/كانون الثاني بقرار البرلمان، طالبا منه بدء الولايات المتحدة العمل مع الحكومة العراقية لتنفيذ قرار المجلس استجابة لرغبة بغداد في تجنب الحرب وعدم الانجرار إلى الصراع بين الدول الأجنبية على أراضيها، مع الحفاظ على علاقات التعاون بين البلدين على أساس الاحترام المتبادل، وفق بيان لمكتب رئيس الوزراء.

وفي 9 يناير/كانون الثاني طلب عبد المهدي من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إرسال وفد أمريكي للاتفاق على آليات تنفيذ قرار مجلس النواب العراقي.

لكن وزارة الخارجية الأمريكية رفضت طلب بغداد في اليوم التالي متحدثة عن أن أي وفد يرسل إلى العراق سيكون لمناقشة إعادة التزام البلدين بالشراكة الاستراتيجية وليس لمناقشة انسحاب القوات.

يمكن أن يؤدي الرفض الأمريكي للانسحاب من العراق إلى تكثيف الهجمات التي تنفذها المجموعات الشيعية الحليفة لإيران مع احتمالات الدخول في مواجهات مفتوحة بعد ائتلاف عدد من تلك المجموعات في إطار "المقاومة الدولية" التي أعلن عنها رئيس التيار الصدري والتي تتحدث تقارير إعلامية عن بلورة الأفكار المتعلقة بها لتشمل قوى حليفة لإيران من غير القوى العراقية، مثل حزب الله اللبناني وجماعة الحوثي في اليمن وغيرهما.

ودعا رئيس التيار الصدري من مقر إقامته المؤقتة في مدينة قم الإيرانية، وقيادات سياسية أخرى مثل رئيس تحالف البناء هادي العامري إلى تظاهرات مليونية الجمعة، 17 يناير/كانون الثاني، للمطالبة بانسحاب القوات الأمريكية من العراق.

المؤكد أن العراق سيظل بحاجة إلى جهود الولايات المتحدة في مجال تدريب وإعادة تأهيل القوات الأمنية وتعزيز قدراتها لمواجهة التحديات التي يمثلها تنظيم داعش.

وتسعى الولايات المتحدة إلى الحد من نفوذ المجموعات الشيعية المسلحة الحليفة لإيران من خلال فرض العقوبات على بعض قياداتها واستهداف قيادات أخرى ومواقع تخزين أسلحتها بالضربات الجوية.

سيكون على العراق تحمل تبعات إرغام القوات الأجنبية على المغادرة بعقوبات اقتصادية هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرضها على ما سيعقد العلاقات التجارية والاقتصادية بين العراق ودول العالم، خاصة الأوروبية والإقليمية ودول جنوب شرق آسيا.

لا يزال أفق التغيير عبر الاحتجاجات غير واضح على مستوى توجهات وسياسات الحكومة الجديدة المفترض تسميتها من قبل المحتجين الذين يتلقون دعما سياسيا من الولايات المتحدة.

وستترتب على السياسات العراقية الجديدة مخاطر جمّة ناجمة عن القرارات غير المدروسة والبعيدة عن الرؤية الاستراتيجية في إدراك تبعات تردي العلاقات مع الولايات المتحدة، وتداعيات السماح بتحويل الأراضي العراقية إلى ساحة صراع مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران والقوات الحليفة لها، ومخاطر المطالبة بخروج القوات الأمريكية، سواء على الأمن والاستقرار الداخلي، أو ما يتعلق بحسابات ردود الأفعال الأمريكية "المعلنة" باحتمالات فرض عقوبات أمريكية.

كما ستؤدي سياسات الحكومة العراقية تجاه الولايات المتحدة إلى تحويل العلاقة معها من علاقة شراكة سيظل العراق بحاجة إليها، إلى علاقة عدائية في توقيت خاطئ يضع مصير العراق ومستقبله أمام تحديات كبرى.

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
المواضيع ذات الصلة
Bu haberi paylaşın