علا عطا الله
صور وفيديو (بلال خالد)
غزة - الأناضول
صباحٌ تركي دافئ، وفنجان شاي لا يشبه مذاقه الفريد أية فناجين أخرى، ونسائم تحرك ذراتها طبيعة خلابة ساحرة وتفاصيل ورديّة أخرى يحلم الجميع بأن يكون بطلها، غير أن التركي "محمد كايا" المولود في أرض الجمال أدار عينيه لذاك المشهد بأكمله وقرر الاستقرار في أكبر سجن مفتوح في العالم.
"كايا" رئيس مكتب هيئة الإغاثة التركية (IHH)، الذي وصل إلى مدينة غزة في الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني 2009، حاملاً في يده ضمادات لجرح فجرته الحرب الإسرائيلية آنذاك، لم يلتفت للموت الذي قد يحوّل اسمه إلى رقم في قائمة الفقد الطويلة.
وسارع الوافد الجديد إلى الميدان لإنقاذ حياة الصغار والتخفيف من آلام الموجوعين، وبعد أن مسح كايا دموعًا سالت بحرارة ارتفع صوته بثقة: "لن أغادر غزة".
وأغلق كايا "53 عامًا" حقائب السفر وكل أبواب العودة لتصبح "مدينة الحصار" وطنه الأبدي.
واليوم وبعد حوالي خمسة أعوام من المكوث في غزة يضيء وجه كايا بابتسامة ناصعة البياض تماماً كلون لحيته وما تبقى في رأسه من شعر، وبعربية بدأت تعرف طريقها إلى لسانه التركي اعترف في حديثه لمراسلة وكالة "الأناضول" أن حب هذه المدينة "يكبر في قلبه أكثر فأكثر".
كيف لأحد أن يترك دولة تصنف كواحدة من أجمل دول العالم ويقرر البقاء ومن غير رجعة في مدينة بات أصحابها يتأففون من حصارٍ تضيق حلقاته يومًا بعد يوم، هذا الاستفهام يختصر كايا إجابته بمفردة "الإيمان".
هذا الإيمان الذي دفعه للتشاور مع أسرته في مثل هذا القرار المصيري، ليأتي الجميع بكامل قناعة ورضا.
ومضى كايا يقول: "عائلتي مؤمنة بأن الموت يدرك من حانت آجالهم - ولو كانوا في بروج مشيدة - نحن مطمئنون لقدر الله، ونحن هنا على أرض الرباط".
الزوجة، والأبناء الخمسة لم يجدوا أية صعوبات في التأقلم مع المجتمع الجديد، فبعيدًا عن ثقافة فلسطينية لم تختلف عن الهوية التركية، بتأكيد كايا، فإن غزة الجريحة فتحت أبواب الود والترحاب الكبير بالوافدين: "جعلت إقامتنا سهلة، مريحة وجميلة، وزادت من قناعتنا في البقاء".
كايا الذي تطوع في مجال الخدمات الإغاثية وطاف أكثر من 55 دولة عربية وأجنبية، يشعر الآن بسحر خاص وهو يرأس مؤسسة قررت أن تنقش الفرح على شفاه المحرومين.
ويعترف كايا بأنّ كل شيء في غزة يبدو كتجربة أولى قائلاً: " كافة تنقلاتي وأسفاري في البلدان الأخرى، والعمل الخيري والإغاثي هناك كان نقطة في بحر ما تحتاجه هذه المدينة، شعرت هنا أننا أمام كارثة تفوق الوصف والكلمات، وهذا ما دفعني للتمسك بالبقاء".
وحـول مؤسسة الـ IHH (مؤسسة تقدم الخدمات الخيرية للعديد من دول العالم تم إنشاؤها في تركيا عام 1992 أثناء حرب البوسنة) وفتح مكتب تمثيلي دائم لها بغـزة قال كايا إن "المؤسسة كانت تمد يد العون للشعب الفلسطيني منذ أكثر من خمس سنوات، وكان لها بصمات في العديد من المشاريع الخيرية".
ولكن بعد الحرب الإسرائيلية على غزة في ديسمبر/ كانون الأول 2008، باتت غـزة في حاجة أكثر للمساعدات الإنسانية، وبحسب كايا فإن "احتياج المنظمات الإغاثية للتعرف على جرح القطاع عن قرب ازداد وبات أكثر إلحاحًا".
وهكذا كان قرار فتح مكتب دائم للمنظمة في غزة تعمل من خلاله على إسكات صوت الألم الذي ولّده الحصار الخانق والمتواصل منذ حوالي سبعة أعوام.
وتعمل العديد من المؤسسات الشعبية والحكومية التركية في قطاع غزة على تقديم المساعدات للفلسطينيين وإقامة المشاريع التنموية وأبرزها "IHH" و"ياردم إلي" و"تيكا" والهلال الأحمر التركي.
وتسعى الـ "IHH"كما أوضح كايا لدخول كل بيت فلسطيني لمعرفة احتياجاته بعيداً عن لونه وانتمائه.
وعن سر نجاح مؤسسته وتضميدها المنظم لجرح غزة فإن كايا رأى المفتاح في "النفس" بفتح النون والفاء، هذه الكلمة التي يتغنى بها أمهر الطهاة حين يتباهون بأصناف ما أعدوا من طعام فاخر.
وبابتسامة يفسر هذا التشبيه: "عندما يسألون صانع الطعام الشهي عن ذاك الشيء الذي جعل المذاق طيبًا وفريدًا يجيبهم بثقة (النفس) وكذلك في العمل الإغاثي لا بد من (نفس)، ونفسنا هو الحب والإخلاص وتقديم المساعدة للمحتاجين كأننا نقدمها لأنفسنا".
ولأنه عمل لا يسعى للربح ولا لتحقيق أهداف شخصية فإنّ كايا يراهن على المزيد من نجاحات المؤسسة الإغاثية التركية واستمرارها في تضميد جراح الغزيين على مختلف ألوانهم وتوجهاتهم.
ويريد كايا من مؤسسته أن تطرق أبواب المشاريع التنموية إلى جانب الإغاثية قائلاً إن "التنمية المستدامة هي التحدي هنا، فإن لم نسد رمق الجوعى والفقراء فكأننا لم نفعل لهم أي شيء".
وأكدّ كايا على أن تمويل المؤسسة التركية "تمويل شعبي بدرجة مائة في المائة، ولا تتبع أي حزب أو توجه سياسي"، موضحًا أن ما يتم جمعه من أموال "يأتي من طريق المساعدات الشعبية من تركيا وخارجها".
وتمنى كايا أن يستيقظ ذات صباح ليحتسي فنجان الشاي على شاطئ بحر غزة وقد ودعت المدينة إلى الأبد حصارها الخانق، وكل أرقام الفقر والجوع.
وفرضت إسرائيل حصارًا على قطاع غزة عقب أسر حركة حماس للجندي الإسرائيلي، جلعاد شاليط، بالقرب من حدود القطاع في يونيو/ حزيران 2006، وعززت هذا الحصار في يونيو/ حزيران 2007 عقب سيطرة حركة حماس على القطاع.
وشنت إسرائيل على قطاع غزة عملية عسكرية في ديسمبر/ كانون أول 2008 - يناير/ كانون ثاني 2009، أسفرت عن مقتل نحو 1500 وإصابة قرابة 5000 من أبناء القطاع، على مدار 22 يوما متواصلة.
كما شنت عملية عسكرية أخرى على القطاع في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، استمرت ثمانية أيام قُتل خلالها نحو 190 فلسطينياً، إضافة إلى إصابة أكثر من 1500 معظمهم من الأطفال والنساء، بحسب إحصائيات لوزارة الصحة بحكومة غزة.