باتغي-باكوم باباندجي-الأناضول
من داخل الكابينة الهاتفية الصغيرة التي تديرها غير بعيد عن ساحة الجمهورية في قلب العاصمة بانغي، تراقب إيفات في نظرة احتراز دورية لقوات "مينوسكا" الأممية بإفريقيا الوسطى مرت من المكان، معلقة بالقول: "لن أذهب إلى حد القول بأني فقدت ثقتي في المينوسكا، فمن ارتكبوا هذه الهفوات ليسوا سوى أقلية صغيرة"، في تلميح إلى قضية قيام جندي أممي باغتصاب طفلة في إفريقيا الوسطى، وما خلفه ذلك من ردود أفعال.
ثم تستدرك إيفات معلقة على إقالة رئيس البعثة الأممية ببلادها باباكار غاي قائلة : "اليوم أشعر بالارتياح وأتمنى أن يتميز القائد المقبل للمينوسكا بالصرامة وألا يتسامح مع هذه الممارسات".
شعور الارتياح الذي عبرت عنه إيفات يتقاسمه معها الكثيرون في إفريقيا الوسطى. فالأمر يتعلق برؤية قائد جديد يفرض سلطته على الجنود ويمنع "الطالحين" منهم، من استغلال السكان- الذين يحمونهم -لأغراض دنيئة.
وكانت منظمة العفو الدولية قد كشفت الثلاثاء الماضي عن حالة اغتصاب قام بها جندي أممي على طفلة في الـ 12 من عمرها في إفريقيا الوسطى. اتهامات أثار موجة من الاستنكار العميق لدى سكان البلاد.
ولم ينتظر قائد القوات الأممية في إفريقيا الوسطى باباكار غاي كثيرا ليرد الفعل، وتم الإعلان عن خبر استقالته في اليوم الموالي.
يعلق أحد الموظفين، يشتغل بهيئة دولية في بانغي بالقول إن الأمر يتعلق بـ "استقالة قسرية" دفع إليها غاي دفعا.
ثم تابع الموظف محللا الفكرة ذاتها بالقول :"على مستوى الشكل، هي استقالة، ولكن، إن نحن اعتبرنا أنها جاءت بطلب من بان كي مون، فإنه تصبح إقالة".
وشدد المصدر ذاته على "رمزية هذا التغيير" باعتبار أن غاي ليس مسؤولا بشكل مباشر عما حدث، فبان كي مون نفسه أثنى على عمله خلال الخطاب المعلن عن مغادرته. ولكن كان من الضروري القيام برد فعل ما، حتى وإن كان غاي قد فتح تحقيقا بشأن هذه القضية فور علمه بالأمر، لقد كان هؤلاء الجنود تحت مسؤوليته".
جون سارج، أحد سكان بانغي يعتبر من جانبه في تصريح للأناضول أن "استقالة غاي تمثل رسالة قوية من الأمين العام للأمم المتحدة الذي يتابع الوضع هنا".
في مدينة بامباري وسط البلاد، حيث يتواجد الجنود الأمميون، أشاد السكان بالقرار القادم من مقر الأمم المتحدة: "حين كنت أتابع الخبر على الإذاعة، كدت أن أصرخ من الفرحة. أتمنى أن يحمل التعيين الجديد تغييرا ما وأن يكون القائد الجديد أكثر صرامة و أكثر قدرة على الفعل""، يقول عيسى تيجاني أحد مسلمي البلدة للأناضول.
من جانبه، اعتبر إيدي سيمفوريان كباريكوتي، من حزب الوحدة و البناء في إفريقيا الوسطى في تصريح للأناضول إن :"بابامار غاي، وعلى الرغم من الحماس الذي أبداه، فإنه تعرض لصعوبات في إدارة الأزمة بالبلاد، ولا أدل على ذلك تأخر مينوسكا في إيقاف أندجيلو، قائد الأنتي بالاكا (ميليشيا مسيحية) بتهمة ارتكاب جرائم حرب في حق الأقلية المسلمة.
وتابع السياسي بالقول: "لقد تأخر غاي كثيرا أيضا في نقل معاناة شعب إفريقيا الوسطى إلى مجلس أمن الأمم المتحدة. ينبغي أيضا الحديث عن القضية الأولى التي كان جنود من المينوسكا ضالعين فيها، هي مازالت جارية إلى حد الآن، 4 أشهر بعد الكشف عنها، فيما لم يتعرض الجنود الضالعون في القضية إلى أية عقوبات".
وأضاف كباريكوتي إن "الجنود الأمميين الذين تم الكشف عن قيامهم بانتهاكات جنسية في أبريل/نيسان الماضي، "مازالوا يتنقلون بكل حرية ويواصلون عملهم صلب المينوسكا".
باسكال بيدا كوياغبيلي، رئيس جمعية مزارعي إفريقيا الوسطى أصدر من جهته بيانا يوم أمس الخميس أشاد من خلاله بقرار الأمين العام للأمم المتحدة وتعهد فيه بملاحقة باباكار غاي قضائيا بسبب ما وصفه بالـ "الموقف المتراخي" الذي أبداه الأخير أمام جميع هذه الأحداث.
وورد في بيان جمعية مزارعي إفريقيا الوسطى ما يلي: "نعبر عن ابتهاجنا بمغادرة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في إفريقيا الوسطى، وكنا طالبنا بذلك في رسالة موجهة إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة بتاريخ 21 يونيو/حزيران 2015 (...) بإسم جمعية المزارعين، سنقوم بملاحقة السيد باباكار غاي أمام محكمة الجنايات الدولية من أجل التواطئ في جرائم حرب".
وعُين باباكار غاي على رأس بعثة الأمم المتحدة المدمجة و متعددة الأبعاد (مينوسكا) في يوليو/تموز 2014، بعد أن تم تكليفه في يونيو/ حزيران 2013 بإدارة مكتب الأمم المتحدة المدمج من أجل دعم السلام في إفريقيا الوسطى (بينوكا).
ومنذ تنصيبه على رأس المينوسكا التي تعد قوة قوامها 12 ألف رجل، تناقصت الصراعات الطائفية بالبلاد إلى حد الانتفاء تماما، وحلت محلها مرحلة انتقالية ينتظر أن تصل بالبلاد إلى شاطئ الأمان بحسب الملاحظين.
وقام الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مساء أمس الخميس بتعيين الغابوني "بارفي أونانغا يانغا" على رأس المينوسكا خلف لغاي. ولم يصدر بعد أي إعلان رسمي من المنظمة الأممية بخصوص هذا التعيين، بحسب مصدر دبلوماسي في بانغي للأناضول.