حازم بدر
القاهرة- الأناضول
كشف خبير هندسة الإنتاج المصري حامد الموصلي، أن إعادة تدوير بواقي أو مخلفات المنتجات الزراعية في مصر والبالغ حجمها 70 مليون طن سنويًا ستوفر على البلاد 4 مليارات جنيه (659 مليون دولار) كل عام، هي ثمن الأخشاب التي تستوردها البلاد ويمكن إنتاجها من تلك المخلفات.
وقال أستاذ هندسة الإنتاج بكلية الهندسة جامعة عين شمس، والمتخصص في تصنيع آلات إعادة تدوير المخلفات الزراعية، في حوار خاص مع مراسل وكالة "الأناضول" للأنباء، إنه يمكن إنتاج ألواح الكونتر والباركيه الخشبية وبديل لخشب الزان من بواقي جريد النخل، كما يمكن إنتاج خشب حبيبي من حطب القطن، ويمكن أيضا إنتاج أعلاف للماشية من قش الأرز.
وأضاف الموصلي، الذي يكرّث عمله البحثي والأهلي منذ سنوات في استغلال المخلفات الزراعية في إنتاج مواد مفيدة للإنسان، أن إعادة تدوير تلك المخلفات أيضا سيساهم في حل مشكلة البطالة التي تعاني منها مصر وخاصة في قرى الصعيد، جنوب البلاد، والتي تصل فيها البطالة إلى 50%.
ورفض أستاذ هندسة الإنتاج كلمة "المخلفات الزراعية"، مؤكدًا أن المسمى الأصح هو "البواقي الزراعية"، مشيرًا إلى أن استغلالها بالشكل الأمثل يجعل مصر نموذجًا تنمويًا يحتذى به في العالم العربي.
وفيما يلي نص الحوار:
*بداية نود التعرف على الفكرة الرئيسية لتجربتك في استغلال المخلفات الزراعية؟
**أتحفظ في البداية على كلمة "مخلفات"؛ لأنها كلمة تعني الشيء عديم القيمة، وهذا في حد ذاته يهزم الإنسان ولا يجعله حريصًا على استغلالها.. والكلمة الأصح هي "البواقي" لأنها أشياء تبقت بعد انتهاء الاستخدام الأصلي، وأنا في هذه الحالة أتحدث عن ثروة يمكن أن تكون مصدرًا للمنتجات والتنمية.
والمنطق الأساسي لفكرة استغلال هذه البواقي هو أن نحاول فهم الإمكانيات الموجودة بها والتوصل لبنيتها وتكوينها الكيميائي، من أجل إيجاد صلة بين الإنسان وهذه الموارد.
*لماذا اتجهت لهذا المجال بالذات؟
** لم يكن مقصودًا، فأنا مهتم بشكل عام بتنمية القرية، ومن خلال احتكاكي مع المزارعين بالقرى اكتشفت أن الناس لديها موارد لكنها لا تستغلها وتجد طريقها للحرق، فبدأنا نحاول اكتشاف هذه الموارد بالبحث عن مجالات لاستخدامها.
*وماذا أسفرت جهودكم في هذا المجال؟
** في منطقة شماس بمحافظة مطروح (شمال مصر) كان المزارعون يهملون استخدام الثمار الصغيرة من فاكهة التين البرشومي، ولكن بعد أن وجهناهم لأهميتها أنتجوا منها مربى صالحة للتصدير.. وفي قرية كفر العرب بمحافظة كفر الشيخ (شمال دلتا مصر) نجحنا في إنتاج أعلاف للماشية من بواقي قش الأرز بعد خلطه مع بواقي محصول البطاطا والبنجر.. وفي قرية القيات بالمنيا (صعيد مصر) صنعنا ألواح الخشب الكونتر والباركيه من جريد النخل.. وفي محافظة الفيوم (جنوب العاصمة القاهرة) أنتجنا مواد بديلة لخشب الزان من جريد النخيل.
*وهل تأكدتم من جودة هذه المنتجات؟
**بعد أن أنتجنا خشب الكونتر من جريد النخل أرسلنا المنتج إلى معهد ميونخ للأخشاب بألمانيا، وجاءت النتائج لتؤكد أن المنتج له نفس خواص الكونتر الأصلي، ويفوقه في بعض المزايا ومنها قابليته للواصق الصناعية، وحصلنا في مؤتمر بفنلندا حول الأخشاب على جائزة أفضل بحث ضمن 450 بحثًا مشاركًا، وذلك عن بحثنا حول إنتاج خشب من جريد النخل.
*وماذا عن تسويق هذه المنتجات تجاريًا؟
**تسويق هذه المنتجات يتم من خلال جمعية أهلية أتشرف برئاستها وتعمل على استغلال البواقي الزراعية، وفي قرية "القيات" بمحافظة المنيا، وهي القرية المتخصصة في الصناعات الخشبية، يقبل النجارون بشكل مكثف على منتجاتنا الخشبية المصنعة من جريد النخل، وتوجد غرف نوم كاملة تم تصنيعها من خشب جريد النخل، كما أن الكاتب الكبير فهمي هويدي قام بتجهيز وحدتين سكنيتين تابعتين له من أخشاب باركيه تم تصنيعها من جريد النخل، ووجه لنا خطاب شكر لجودة المنتج.
*وما الذي يعوق تعميم تجربتكم على مستوى الجمهورية، هل هي إمكانيات مادية أم تجهيزات هندسية؟
** لا هذا ولا ذاك، فالماكينات المستخدمة في استغلال المخلفات صناعة محلية، وتم إنتاجها من قبل طلاب كلية هندسة جامعة عين شمس، ولكن تحقيق الاستغلال الأوسع للمخلفات يحتاج لإرادة سياسية ورغبة في التنمية، حتى تكون مصر رائدة ليس فقط على المجال السياسي، ولكن تنمويًا أيضًا.
ويكفي أن تعرف أن حجم البواقي الزراعية في مصر 70 مليون طن، ولو تم استغلالها جيدًا سنوفّر على البلاد كمية أخشاب يتم استيرادها سنويًا وتقدر قيمتها بـ 4 مليارات جنيه (659 مليون دولار)، كما أن العالم العربي به مخلفات زراعية تقدر بـ 500 مليون طن سنويًا.
*وماذا عن فرص العمل التي يمكن أن تخلقها مشروعات استغلال البواقي؟
** مشكلة القرى الفقيرة أن شبابها فقد التواصل معها، وهاجر إلى مناطق أخرى بحثًا عن الرزق؛ لأن فرص العمل في القرية باتت معدومة، وتصل معدلات البطالة إلى نسب عالية خاصة في بعض قرى الصعيد المهتمة بالزراعة حيث تبلغ فيها نسبة البطالة 50 %، وهذه المشروعات يمكن أن تعيد الصلة بين الشباب والقرية عندما يشعر أنه يمكن أن يحصل على مورد رزق من العمل بها.