17 أغسطس 2016•تحديث: 17 أغسطس 2016
باريس/ الأناضول
بعد الحجاب والنقاب، طفت قضية لباس السباحة للمحجبات، أو ما يعرف بـ "البوركيني"، إلى واجهة الجدل في فرنسا، وذلك عقب إصدار رئيس بلدية "سيسكو" بجزيرة كورسيكا جنوب شرقي البلاد، أمس الأول الإثنين، أمراً بحظر هذا النوع من الملابس على شواطئ بلدته.
وبحسب قناة "فرانس 3" كورسيكا، فإن رئيس البلدية "آنج بيير فيفوني" تقدّم بمقترح للحظر، فكان أن حصل على تأييد 10 أعضاء من المجلس البلدي لـ"سيسكو"، من أصل 14، في حين غاب عن جلسة التصويت 4 أعضاء آخرين.
ويأتي قرار الحظر على خلفية مشادّة كلامية نشبت، السبت الماضي، بين عائلات من أصول مغاربية وشباب من البلدة، سرعان ما تطوّرت، بحسب شهود عيان، إلى شجار.
ووفق شهود العيان اندلع الشجار عقب قيام عدد من الشباب بتصوير نساء كنّ يسبحن مرتديات "البوركيني" الذي يغطي كامل أجسادهن، ما أسفر عن إصابة 5 أشخاص بجروح علاوة على أضرار مادية لم تحدّد قيمتها بدقّة، في رواية نفاها "فيفوني" في تصريحات إعلامية له.
رئيس البلدية أوضح أن المشاجرة لم تندلع بسبب "البوركيني" وإنما "نشبت جراء دفاع شبان الجزيرة عن سوّاح كانوا يلتقطون صوراً بسلمية لمناظر طبيعية"، على حدّ قوله.
من جانبها، ذكرت وزارة الداخلية الفرنسية أن المواجهات استدعت تدخّل نحو 100 من عناصر قوات الأمن الفرنسية، لإعادة الهدوء إلى البلدة.
ومع صدور القرار، تصبح "سيسكو" ثالث مكان يُحظر فيه ارتداء "البوركيني" بعد مدينتي "كان" و"فيلنوف لوبيه" (جنوب). ففي الأولى، اتخذت السلطات، نهاية يوليو/ تموز الماضي، إجراءً مشابهاً يقضي بمنع لباس السباحة للمحجبات على شواطئها، مبرّرة القرار بأنه يهدف إلى تجنب "الإخلال بالأمن العام"، ما أثار حفيظة منظّمات مناهضة لمشاعر العداء للإسلام.
القرار في مدينة "كان" جاء على شاكلة مرسوم أصدره رئيس بلديتها "ديفيد ليسنار"، ويقضي بمنع ارتداء لباس البحر الذي يغطي كامل الجسم في شواطئ المنتجعات، وذلك على خلفية الهجوم الذي استهدف، في يوليو/ تموز الماضي، مدينة "نيس" جنوبي البلاد، وأودى بحياة 85 شخصاً، بحسب الحصيلة الرسمية.
وينصّ المرسوم على أن النساء المسلمات اللواتي يرتدين "البوركيني"، يمكن أن يشكّلن خطراً على النظام العام، كما سيقع تغريمهن بـ 38 يورو (ما يعادل نحو 42 دولار) في حال المخالفة، معتبراً أنّ من شأن ملابس السباحة التي تعكس الانتماء الديني، الإخلال بالنظام العام في ظل تعرض فرنسا لهجمات إرهابية.
قرارات متتالية يشرّعها، بحسب مراقبين، تواتر الهجمات الإرهابية على فرنسا، منذ مطلع 2015، ويرون فيها حماية لمبادئ الجمهورية القائمة على العلمانية، غير أن البعض الآخر يرى فيها تضييقاً على الجاليات المسلمة والمهاجرة، ودفعاً نحو إعادة طرح مسألة الهوية الفرنسية، والخصوصية العلمانية.
جدل قديم جديد، غير أنه يبدو أكثر حدّة في ظل الوضع الأمني الحالي في البلاد، وفي وقت برزت فيه مساعي بعض السياسيين من اليمين المتطرّف وحتى من اليمين التقليدي، لتوظيف مثل هذه الأحداث سياسياً، والضغط بهدف إضعاف موقف الحكومة الإشتراكية من خلال محاولة تفجير فصل آخر من فصول ثورة الضواحي، تماما مثلما حدث في 2005، حين كادت ما عرف حينها بـ "أحداث الضواحي الفرنسية"، أن يزعزع الدولة ومؤسساتها، عقب اندلاع مواجهات بين رجال الأمن وشبان الضواحي الغاضبين لسوء أوضاعهم.
مواقف مختلفة نابعة من تنوّع مشارب الأطياف السياسية في فرنسا، آخرها مقترح رئيس الوزراء مانويل فالس بحظر ارتداء الحجاب في الجامعات، غير أنه قوبل برفض من قبل الرئيس فرانسوا أولاند، في وقت يحذّر فيه عدد من السياسيين الفرنسيين من أن سلسلة الحظر التي تمس الجاليات المسلمة من شأنها أن تثير التوتّر بين الحكومة الاشتراكية التي تدافع عن مبدأ علمانية فرنسا وبين تلك الجاليات التي تشعر بأن مثل هذه القوانين ترمي إلى عزلها.
مدّ وجزر رفعا منسوب التوتّر إلى أقصاه، خصوصاً جنوبي فرنسا، حيث تشهد جزيرة كورسيكا الفرنسية تنامي للأعمال المعادية للإسلام، وذلك إثر الهجوم الذي استهدف، أواخر يوليو/ تموز الماضي، كنيسة شمال غربي البلاد، وأسفر عن مقتل كاهنها ذبحا على أيدي عنصرين من "داعش".
وبحسب وسائل إعلام محلية، فقد وجدت العشرات من الكتابات والشعارات المسيئة للإسلام على جدران قاعة للصلاة ببلدية "جيزنوكسيا" التابعة للجزيرة، كما وقع نهب قاعة أخرى للصلاة بمسجد بلدة "أجاكسيو" (تابعة لكورسيكا أيضا)، إثر إندلاع حريق فيه في أبريل/ نيسان الماضي.