أحمد حسين
دبى - الأناضول
تواجه دول الخليج النفطية تحديات كبيرة في ظل تراجع أسعار النفط التي تشكل المورد الأعظم لعائداتها، وهو ما أدى إلى تصاعد المطالب بضرورة العمل على تنويع مصادر الدخل، وعدم الاقتصار على الإيرادات النفطية المعرضة للتناقص بشكل مطرد خلال السنوات المقبلة.
وشهدت أسعار العقود الآجلة للنفط مؤخراً انخفاضات كبيرة عقب سلسلة تراجعات تواصلت لمدة ست جلسات متتالية.
وسجل خام برنت خلال تعاملات اليوم الأثنين، أدنى مستوى منذ يوليو/ تموز 2012 عند 99.3 دولار للبرميل. وبدأت عقود الخام الأمريكي الخفيف تسليم مايو/ أيار، تداولات الأسبوع الجاري في بورصة "نايمكس" عند 88.01 دولار للبرميل.
وتفرض خطط زيادة الإنتاج التي يتم تنفيذها حاليا في العديد من دول منظمة "أوبك" وفي مقدمتها دول الخليج، احتمالات لخلق منافسة ساخنة بين منتجي النفط للحصول على منفذ لتصريف الإنتاج الإضافي، وهو ما ينذر باشتعال حرب أسعار بين المنتجين، سيكتوي الجميع بنارها في حال فشل "أوبك" في ضبط إيقاع المنافسة والمحافظة على استقرار أسواق النفط.
وأفاد العديد من الخبراء "للأناضول"، بضرورة توجيه الفوائض المالية الكبيرة المتوفرة حالياً لدى دول الخليج في تحقيق تنمية شاملة تعتمد على مجالات اقتصادية متنوعة، مع ضرورة ترشيد النفقات وعدم المبالغة في الإنفاق الحكومي، والعمل على ترشيد الاستهلاك المحلي المتزايد للموارد النفطية، والتوجه نحو مصادر بديلة للحفاظ على الثروة النفطية الناضبة لأطول فترة ممكنة.
وتنتج دول الخليج حالياً نحو 16.3 مليون برميل يومياً، تشكل نحو 18% من إجمالي الطلب العالمي، وتمتلك هذه الدول نحو 30% من الاحتياطيات المؤكدة للنفط على مستوى العالم.
وقال خبير النفط الكويتي كامل الحرمي، "زيادة الإنتاج المتوقع من عدة دول نفطية خلال الفترة المقبلة، سيؤدي حتماً إلى انخفاض أسعار النفط على المدى المتوسط والبعيد، خاصة في ظل ظهور منافس آخر قوي هو النفط الصخري، وتراجع اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط".
وأشار الحرمي في اتصال هاتفي مع مراسل "الأناضول"، إلى أن كل من العراق وإيران لديها خطط طموحة لزيادة الإنتاج بصورة كبيرة تصل إلى ضعف المعدل الحالي بالنسبة للعراق، وهو ما يهدد بظهور صراعات على الأسعار والحصص الإنتاجية داخل "أوبك"، مضيفاً "التنافس الكبير سيجعل الجميع يخسر".
وتنتج العراق حالياً نحو 3.15 مليون برميل يومياً، لتتجاوز إنتاج إيران، وتصبح ثاني أكبر منتج في "أوبك" بعد السعودية، وتخطط بغداد حالياً لزيادة إنتاجها إلى نحو 6 إلى7 ملايين برميل يومياً في عام 2017.
وأكد الحرمي، أن دول الخليج يجب أن تعمل على خفض الهدر في ميزانياتها، وعدم الاعتماد على سعر كبير للنفط عند وضع الموازنات العامة، حيث تم بناءها على سعر 90 دولار للبرميل، وهو ما يهدد بمشاكل كبيرة في حال انخفاض الأسعار عن هذا المستوى".
وطالب بضرورة بناء الموازنات العامة لجميع الدول الخليجية على أساس سعر 70 دولاراً فقط للبرميل.
وتحتل السعودية المركز الثاني عالمياً بعد فنزويلا من حيث الاحتياطيات النفطية المؤكدة والتي بلغت 267.91 مليار برميل، كما بلغ إجمالي إمداداتها النفطية 11.545 برميل يومياً، وفقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
وتمتلك السعودية حوالي خمس الاحتياطيات النفطية العالمية المؤكدة، كما أنها تعتبر أكبر مُصدر للنفط في العالم. وتمتلك أكبر قدرات إنتاجية في العالم.
وتمتلك الكويت ثاني أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في الخليج بعد السعودية، والسادسة على مستوى العالم بنحو 104 مليارات برميل، وهي من بين أكبر 10 دول مصدرة للمنتجات النفطية عالمياً.
ويعول الكثير من المراقبين على دور منظمة "أوبك" في ضبط إيقاع السوق، خاصة فيما يتعلق بالزيادات المرتقبة في إنتاج النفط من جانب أعضاءها، وما يمكن أن تسببه من اختلال في مستويات الأسعار.
وهو ما أكده خبير النفط الكويتي محمد الشطي، في مقابلة عبر الهاتف مع مراسل "الأناضول"، مشيراً إلى نجاح المنظمة وخاصة أعضاءها الخليجيين في الحفاظ على استقرار سوق النفط وفي مواجهة العديد من التجارب الكبيرة منذ عام 2008 وحتى الآن، ومنها انقطاع النفط الليبي الذي يبلغ نحو 1.6 مليون برميل يومياً عن الأسواق خلال أحداث الثورة ضد القذافي، وكذلك انحسار صادرات إيران من النفط في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها حالياً.
وتوفر دول منظمة أوبك الاثنا عشر نحو 40% من إمدادات النفط اليومية على مستوى العالم، وتمتلك أكثر من 80% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة، فيما تشكِّل الاحتياطيات النفطية في الشرق الأوسط 66% من احتياطيات منظمة (أوبك).
و"أوبك" التي تم إنشاءها في عام 1960 بمبادرة من ثلاث دول عربية بجانب إيران وفنزويلا، تتبع سياسة تقوم على تحديد سقف إنتاجي معين لا يجوز للدول الأعضاء تجاوزه، مع توزيع الحصص الإنتاجية وفقا لهذا السقف على الدول الأعضاء وحسب الطاقة الإنتاجية المتاحة لكل منها.
وقال الشطي إن زيادة الإنتاج من أي دولة نفطية لابد أن تراعي مستويات الطلب العالمي المتوقعة خلال السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن زيادة الطاقة الإنتاجية لا يعني بالضرورة زيادة الإنتاج الفعلي، حيث أثبتت التجارب جدوى وجود فوائض في الطاقة الإنتاجية لمواجهة أي طوارئ قد ترفع الأسعار لمستويات تخل بالسوق.
وأكد أن دول الخليج لديها وعي كامل بأنه ليس من مصلحتهم ولا من استراتيجياتهم، إغراق الأسواق بالمعروض النفطي لأنه سيؤدي إلى هبوط كبير للأسعار.
وأظهرت التصريحات المتعاقبة من جانب المنتجين والمستهلكين، وجود توافق شبه جماعي على نطاق سعري حول 100 دولار للبرميل.
وأكد الشطي على ضرورة وجود تعاون كامل داخل "أوبك" للحفاظ على هذا المستوى، وعدم الدخول في منافسة على الأسعار لأنها ستضر الجميع.
وطالب باستغلال الفوائض الكبيرة في إيرادات النفط الخليجية حالياً في مشاريع تنموية وإنتاجية تساهم في تنويع مصادر الدخل، مع ضرورة التركيز على التوعية العامة لشعوب المنطقة، وتنمية الشعور بالمسؤولية الوطنية للحفاظ على الموارد.
وتشهد أسواق النفط حالياً مستجدات أخرى تتعلق بزيادة إنتاج العراق، والولايات المتحدة الامريكية، وكذلك ضعف معدل النمو السنوي في الطلب العالمي، في ظل أزمات الاقتصاد الأوروبي والأمريكي، وضعف النمو في الصين، بالإضافة إلى النمو التقني الذي يقلل استهلاك الطاقة.
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور فهد بن جمعة وعضو مجلس الشورى السعودي، إن التحدي الأبرز الذي يواجه منتجي النفط في الخليج هو زيادة إنتاج الولايات المتحدة، وهو ما أدى إلى تكدس المخزونات النفطية المستخرجة بشكل تراكمي خلال حوالي عام نصف العام، في ظل التزايد المستمر للإنتاج الأمريكي من الزيت الصخري.
وتوقعت وكالة الطاقة الدولية أواخر العام الماضي، أن تتحول الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للنفط في العالم عام 2017، لتتجاوز السعودية وروسيا.
وأشارت دراسة حديثة لـمجموعة "سيتي جروب" المصرفية الامريكية إلى أن إنتاج الولايات المتحدة سيرتفع إلى 10.5 مليون برميل يومياً عام 2015 متضمناً 2.1 مليون برميل من النفط الصخري، وقد يصل إلى 14.1 مليون برميل عام 2020.
وأوضح فهد بن جمعة، وهو عضو في "جمعية اقتصاديات الطاقة الدولية"، في اتصال هاتفي مع مراسل "الأناضول"، أن الزيادة المتواصلة في إنتاج النفط الأمريكي ستؤدي إلى انخفاض الطلب على نفط الشرق الأوسط، وبالتالي سيسهم في خفض جديد للأسعار، متوقعاً أنه في حالة هبوط الأسعار إلى مستوى 80-85 دولار للبرميل، فإن هذه المستويات السعرية ستشجع أمريكا على تخفيض إنتاجها من الزيت الصخري مرتفع التكاليف.
وأشار إلى أنه ينبغي على كل دول لخليج أن تتعامل مع السيناريو الأسوأ وتبني ميزانياتها على سعر 70 دولار للبرميل، مع الأخذ في الحسبان أن تراجع أسعار النفط سيحفز الطلب، وبالتالي يعوض فارق السعر.
وطالب بن جمعة بضرورة ترشيد الدعم على المنتجات البترولية، مشيراً إلى أنه يتم إهدار الطاقة في السعودية نتيجة التكلفة المتدنية، والتي أسهمت في ارتفاع الاستهلاك المحلي إلى 4 ملايين برميل مكافئ يومياً.
وقال، إذا وفرنا 500 ألف برميل من الاستهلاك اليومي للنفط سنحصل على عائدات بنحو 66 مليار ريال سنوياً، يمكن الاستفادة منها في بناء المساكن وتحسين الخدمات وترحيل الأرباح لحساب الأجيال القادمة، لكن لن يتحقق ذلك إلا بتقليص استهلاك الطاقة ورفع كفاءتها وأسعارها الحالية.
عا- مصع
news_share_descriptionsubscription_contact
