سارة آيت خرصة
الرباط - الأناضول
بين المغرب وإسبانيا تاريخ طويل من العلاقات السياسية والاقتصادية، حافظ خلالها البلدان على الحد الأدنى من روابط حسن الجوار، على الرغم من الأزمات السياسية العابرة وأخرى طويلة الأمد التي ألقت بظلالها على العلاقات البينية بينهما.
ومع وصول الحزب الشعبي اليميني المحافظ إلى رئاسة الحكومة في إسبانيا نهاية عام 2011، ساد توجس في الأوساط المغربية حول المسار الذي ستتخذه العلاقات الثنائية بين البلدين، مع تزايد التخوف حينها من مواقف هذا الحزب تجاه بعض القضايا الحساسة في المغرب في مقدمتها "قضية النزاع الإقليمي في الصحراء".
وزاد الصورة ضبابية وتعقيدا، فوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي بالانتخابات التشريعية المبكرة التي أجريت في المغرب في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 وتسلمه رئاسة الحكومة المغربية.
غير أن العلاقات بين المغرب وإسبانيا لا تخضع حسب محللين، لمنطق تبدل الحكومات وسياساتها، بل تحكمها المبادئ العامة للسياسة الخارجية المغربية، التي تنحو للحفاظ على علاقات ديبلوماسية وسياسية وتعزيز التعاون الاقتصادي معها، بغض النظر عن حجم الملفات الخلافية المطروحة على طاولة النقاش لعل أهمها مطالبة المغرب لإسبانيا بإنهاء "احتلالها" لمدينتي سبتة ومليلية على التراب المغربي والخاضعين للسيطرة الإسبانية.
عبد العالي باروكي أستاذ العلاقات الإسبانية- المغربية بمعهد الدراسات الإسبانية والبرتغالية بالرباط يرى في حديث لمراسلة الأناضول أن "العلاقة بين المغرب وإسبانيا تتسم بالتعقيد على الرغم من عمقها التاريخي، حيث يلحق بها الباحثون عدة تسميات كعلاقات (ضد كل منطق) أو (الجاران المتباعدان)".
ويضيف الأستاذ المتخصص في العلاقات الإسبانية المغربية أن "هذه العلاقات وصلت حسب تعبير الإسبان أنفسهم إلى مستوى عالي من التفاهم والتنسيق نظرا للمعطيات السياسية الحالية، خصوصا أن المغرب يشكل بالنسبة لإسبانيا حاليا منفذا للاستثمار، وسوقا مهمة تستغلها إسبانيا في محاولة التخفيف من حد الأزمة الاقتصادية التي تعرفها" .
ويعد المغرب خلال عام 2012 -حسب باروكي - السوق التجارية الأولى خارج الاتحاد الأوروبي بالنسبة لإسبانيا، فيما أصبحت الأخيرة المستثمر الأول الآن في المغرب وسط تنافس محموم مع فرنسا التي ترتبط بعلاقات اقتصادية متقدمة مع الرباط، ما يؤكد أن البلدين قطعا أشواط مهمة في تعزيز الشراكة الاقتصادية بينهما.
وتتواجد وفقا للإحصاءات الرسمية على التراب المغربي، حوالي مليون مقاولة إسبانية (مصطلح اقتصادي يشمل الشركات متوسطة وصغيرة) تستثمر في مشاريع تنموية واقتصادية، كما أن المراقبين يسجلون بداية هجرة معاكسة لليد العاملة من إسبانيا في اتجاه المغرب بحثا عن فرض شغل توفرها السوق المغربية مع ارتفاع معدلات البطالة في إسبانيا غداة الأزمة الاقتصادية التي تعصف بها.
ويرى الباحث المغربي أن العلاقات السياسية المغربية - الإسبانية في الآونة الأخيرة هي "علاقات هادئة" دون أن تتميز باستقرار واضح، حيث تبقى رهينة بالمواقف الإسبانية من بعض القضايا السياسية ذات الأهمية في المغرب، لكنها تعرف تنسيقا متقدما خاصة عندما يتعلق الأمر، بموضوع مكافحة الهجرة السرية ومحاربة الإرهاب.
وكانت إسبانيا مؤخرا ومع تزايد الجدل حول قرار أمريكي تم سحبه من مجلس الأمن الدولي شهر أبريل / نيسان الماضي والقاضي بتوسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، قد أبدت موقفا سياسيا "غير معارض" (حسب الخبير) للمغرب بخصوص التطورات الأخيرة في قضية الصحراء، وربطت حل الصراع بالأمم المتحدة والتوافق بين أطراف النزاع لإيجاد حل سياسي.
وبموجب معاهدة الحماية سنة 1912، كانت إسبانيا تسيطر على المنطقة الشمالية في المغرب بالإضافة إلى منطقة الصحراء التي لم تغادرها القوات الإسبانية إلا سنة 1975 ، فيما كانت فرنسا تبسط سيطرتها على المناطق الوسطى للبلاد، واندلع النزاع الإقليمي في الصحراء بين المغرب وجبهة البوليساريو (المطالبة بانفصال الصحراء) بعد إنهاء إسبانيا لاحتلالها للأراضي الصحراوية .
وخضع المغرب للاحتلال الفرنسي سنة 1912، غداة توقيعه "معاهدة الحماية"، ليستمر التواجد الفرنسي في المغرب إلى حدود سنة 1956 حيث أعلن المغرب عن استقلاله في عهد الملك المغربي محمد الخامس، لكن العلاقات بين المغرب وفرنسا بعد الاستقلال وإلى الآن ظلت جيدة ومستقرة.
وتعد فرنسا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، الذي يعد أهم حليف استراتيجي لفرنسا في الشمال الإفريقي بحسب تقارير إعلامية متداولة في البلدين، في المقابل كانت العلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا تشهد حركة مد وجزر دون أن تعرف استقرارا، حيث ارتبطت بالموقف من قضية الصحراء، إلى جانب اتفاقيات الاقتصادية مرتبطة بالصيد البحري.
وتطالب جمعيات حقوقية مغربية السلطات الإسبانية بالاعتراف بالانتهاكات التي تقول إنها ارتكبتها خلال فترة احتلالها لشمال المغرب في الفترة من (1912- 1956)، حيث تتهمها باستخدام أسلحة محرمة لقمع المظاهرات المطالبة بالاستقلال، مؤكدة على ضرورة تعويض سكان هذه المناطق على الأضرار التي لحقت بهم.