02 أبريل 2017•تحديث: 02 أبريل 2017
منة حسام/ الأناضول
"إن لم تستفد كولومبيا من اتفاق السلام بين الحكومة و"حركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية" (فارك)، في اقتلاع جذور نبات الكوكا، مصدر مخدر الكوكايين، فسينتقل الصراع إلى العصابات الإجرامية العابرة للحدود، وبالأخص البرازيلية والمكسيكية".
التحذير السابق أطلقه مفوض منظمة الأمم المتحدة في كولومبيا، تود هاولاند، منتصف الشهر الجاري، للتأكيد على ضرورة استفادة الحكومة الكولومبية من موافقة الآلاف من مزارعي نبات "الكوكا" على التحول إلى زراعة محاصيل مشروعة، كجزء من مشاركتهم في تنفيذ بنود اتفاق السلام الشامل مع "فارك"، التي تأسست نهاية أربعينيات القرن الماضي، لكنها لم تظهر رسميا إلا عام 1964.
وبموجب هذا الاتفاق، الذي أنهى صراعا دام 52 عاما وتسبب في مقتل أكثر من 260 ألف شخص واختفاء 45 ألفًا ونزوح نحو 7 ملايين، اتفقت الحكومة وأكبر حركة متمردة في كولومبيا على إنهاء الزراعة غير المشروعة في مناطق نفوذ "فارك" (التي تعد جناحا عسكريا للحزب الشيوعي الكولومبي)، ونزع سلاحها وتحولها إلى حركة سياسية.
ووفق الاتفاق، الموقع في سبتمبر الماضي، من المقرر أن تواصل السلطات الكولومبية مكافحة تهريب المخدرات في مناطق سيطرة "فارك"، على أن تقدم للمزارعين مصادر بديلة للدخل وبرنامجا للصحة العامة.
وتنتشر الحركة على أكثر من 35% من أراضي كولومبيا، لاسيما في الغابات الكثيفة جنوب شرقي البلاد، وفي السهول الواقعة على سفح سلسلة جبال الأند.
** كوكايين أكثر
لكن حتى اللحظة يبدو أن الكوكايين يشكل عقبة أمام تنفيذ الاتفاق، خاصًة وأن تقريرا حديثا صادر عن الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات التابعة للأمم المتحدة ، كشف عن زيادة هائلة في معدلات إنتاج الكوكايين خلال السنوات الأربع الأخيرة؛ وهي مدة المفاوضات التي قادت إلى اتفاق السلام.
وكولومبيا هي المنتج الأول للكوكايين في العالم، بقرابة 700 طن سنويا، يتم تهريب معظمها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، المستهلك الأول عالميا لتلك البودرة البيضاء، وفق موقع "كولومبيا ريبورت" الإلكتروني، العام الماضي.
وفي الرابع من مارس/ آذار الجاري، عزت وزراة الخارجية الأمريكية زيادة إنتاج الكوكايين في كولومبيا إلى تشجيع قوات "فارك" المواطنين في مناطق سيطرتها، استعدادا لقرب انتهاء الصراع وسيطرة الحكومة على الأراضي، التي تشهد زراعة أكبر كميات من محصول "الكوكا".
فيما أرجع آدم إيزاكسون، أحد كبار مسؤولي الرقابة الدفاعية في مكتب واشنطن بأمريكا اللاتينية، ارتفاع وتيرة إنتاج الكوكايين، خلال السنوات الأخيرة، إلى تحول عدد كبير من المواطنين إلى مزارعي كوكاكين، على أمل الاستفادة من المميزات الممنوحة لهؤلاء المزارعين ضمن اتفاق السلام.
وينص الاتفاق على توزيع أراض على المتمردين، ومنحهم قروضا، فضلا عن توفير خدمات أساسية في مناطق النزاع.
ووفق إيزاكسون، على حسابه الشخصي بموقع التدوينات القصيرة "تويتر" الشهر الجاري، فإن إيقاف الولايات المتحدة الامريكية آليات التدمير الجوي لمحصول "الكوكا"، بعد استمرارها 16 عاما، بسبب المخاوف الصحية واستياء المجتمعات الفقيرة في كولومبيا، يمثل أحد أسباب زيادة مساحات الأراضي المزروعة بـ"الكوكا".
وبحسب إحصاء للهيئة الدولية لمراقبة المخدرات التابعة للأمم المتحدة، الشهر الماضي، زادت مساحات زراعة الكوكايين في كولومبيا بنسبة 13% خلال 2016، و42% في 2015، وبنسبة 39% خلال 2014.
تلك الزيادة جاءت، وفق الهيئة الدولية، بالتزامن مع المفاوضات النهائية لاتفاق السلام بين الحكومة وقوات "فارك"، والذي تم الوصول إلى صيغته النهائية في نوفمبر 2016.
وعلى مدار 16 عاما، عملت الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتعاون مع كولومبيا، على مكافحة محصول "الكوكا"، برش مبيدات من الطائرات، وهي آلية أوقفتها واشنطن على مراحل حتى ألغتها تماما، العام الماضي، لتخفيف حدة النزاع في مناطق الصراع، تمهيدا لتنفيذ اتفاق السلام.
** الكوكاكيين أداة تمرد
يتبنى مسلحو "فارك" التوجه اليساري الماركسي اللينيني، ويعتبرون أنفسهم ممثلين لفقراء الريف الكولومبي ومدافعين عنهم من هيمنة الطبقات الغنية، ويعلنون رفضهم لخصخصة الاقتصاد، وتأثير الولايات المتحدة الأمريكية على كولومبيا، مستلهمين مباديء الثورة الكوبية عام 1959.
ومنذ بدايتها كحركة تدافع عن الفقراء والفلاحين، استغلت قوات "فارك" عمليات زراعة وتهريب الكوكايين في تأجيج صراعها مع الحكومة الكولومبية.
ويعد تهريب الكوكايين إحدى صور التمرد والصراع مع الحكومة، التي يعتمد عليها حتى الآن "جيش التحرير الوطني"، الذي يضم نحو 1500 مسلح، والمنشق عن "فارك"، المؤلفة من قرابة 6 آلاف مسلح.
ووفق مفوض الأمم المتحدة في كولومبيا، في حديث مع قناة "تي في 5" الفرنسية، 18 مارس الماضي، فإن أكبر تهديد قد يعرقل تنفيذ اتفاق السلام في كولومبيا هو الجماعات المسلحة، مثل" جيش التحرير الوطني" ومزارعي الكوكايين، الذين، من وجهة نظره، يعتبرون أيضا ضحايا للصراعات بين الحكومة والمتمردين طول السنوات الماضية.
وتوجد احتمالية كبيرة، بحسب هاولاند، لـ"تحويل مسار الاقتصاد الكولومبي عند الالتزام ببنود اتفاق السلام، ولكن قد تشهد البلاد مزيد من النزاعات في حال عدم توفير العناية المطلوبة لمزارعي الكوكايين، الذين أعلنوا نيتهم الاتجاه إلى زراعة محاصيل مشروعة".
وأوضح أن العناية المطلوبة لهؤلاء المزارعين تشمل الاستثمار في المناطق المعزولة، التي تضررت جراء الصراع بين الحكومة وقوات "فارك"، عبر الاهتمام بالتعليم والصحة وتطوير سبل المعيشة، في البلد الواقع شمال غربي أمريكا الجنوبية، ويبلغ عدد سكانه أكثر من 47 مليون نسمة.
وحذر المفوض الأممي من أن أي تأخير ملحوظ في إرساء بنود اتفاق السلام، قد يدفع بعض مسلحي "فارك" إلى الخروج عن الاتفاق بسبب الفقر وسبل المعيشة المتدنية، وبالتالي تجدد النزاع، لاسيما في ظل نشاط عصابات تهريب الكوكايين، والجماعات المتمردة الأخرى، مثل "جيش التحرير الوطني".