محمد الخاتم
الخرطوم - الأناضول
رفع وزير المالية السوداني علي محمود مساء أمس الأربعاء، مشروع موازنة العام 2013 إلى البرلمان بعد يومين من موافقة مجلس الوزراء عليها، وهي الموازنة الثانية له منذ انفصال الجنوب عنه في يوليو 2011 وفقدان البلاد لأكثر من 50% من مواردها حيث تتركز 75% من حقول النفط بالجنوب.
وبحسب الموازنة الجديدة فإن العجز في الموازنة الكلية بالسودان يبلغ 10 مليارات جنيه سوداني ( 1.47 مليار دولار ) ،حيث تبلغ الايرادات 25 مليار جنيه بينما تبلغ المصروفات 35 مليار جنيه سوداني مع عجز في الميزان التجاري يبلغ 2.7 مليار دولار حيث تبلغ الصادرات 4.5 مليار دولار والواردات 7.2 مليار دولار.
ومن المنتظر أن يصادق البرلمان على الموازنة في التاسع عشر من ديسمبر الجاري.
وقال وزير المالية السوداني خلال مخاطبته نواب البرلمان مساء أمس الاربعاء إن الموازنة الجديدة لا تشمل عائدات تصدير نفط الجنوب عبر الشمال في خطوة اعتبرها خبراء تفاديا للانهيار الذي لازم موازنة العام 2012، حيث أوقف جنوب السودان في يناير الماضي إنتاج نفطه بسبب الخلاف مع جنوب السودان حول رسم تصدير النفط عبر الأراضي الشمالية الأمر الذي أفقد الموازنة أحد مواردها الأساسية.
وأضاف وزير المالية أن "الموازنة لا تشمل رفع الدعم عن الوقود والسلع الأساسية وتهدف إلى خفض التضخم إلى 20% بدون زيادة في الأجور والضرائب ، مؤكدا قدرة وزارته على السيطرة على الموازنة".
وتجاهد الخرطوم للسيطرة على ارتفاع الأسعار ومنع انهيار عملتها الوطنية منذ انفصال الجنوب صيف العام الماضي، وقد ارتفع معدل التضخم بشدة ليناهز في أكتوبر/تشرين الأول الماضي 45%.
وعدّل وزير المالية في يونيو الماضي موازنة العام 2012 للمرة الثانية لسد العجز وذلك برفع الدعم جزئيا عن الوقود الأمر الذي أدى إلى احتجاجات شعبية احتوتها الأجهزة الأمنية.
وشهد شهر ديسمبر الجاري انتقادات متبادلة بين وزارة المالية واتحاد نقابات العمال الذي يطالب بزيادة الحد الأدنى للأجور من 165 جنيها إلى 425 جنيه وهي خطوة يقول الوزير أنها تتطلب رفع الدعم عن الوقود والسلع الأساسية.
وتقدم اتحاد العمال بمذكرة لرئيس الجمهورية السودانى للتدخل ومعالجة الموازنة قبل إجازتها من البرلمان ، لكن نائب برلماني فضل عدم ذكر اسمه قال لمراسل وكالة الأناضول للانباء أن "البرلمان سيمرر الموازنة دون زيادة الأجور لأنه لا يوجد بديل غير رفع الدعم عن الوقود الأمر الذي يؤدي إلى تحرك شعبي قد يطيح بالنظام" على حد قوله.
وتعول الحكومة السودانية على تخفيف الضغط على الموازنة العامة بزيادة إنتاج الذهب بواقع 50 طن، إلا أن الخبير الاقتصادي د. محمد الجاك شكك في قدرة السودان على المنافسة العالمية في سوق الذهب باعتبار أن إنتاجه يتم عبر التعدين العشوائي.
وقال الجاك لمراسل وكالة الأناضول للأنباء أنه "كان على وزير المالية تحديد بنود صرف عائدات تصدير نفط الجنوب باعتبار أنه يوجد اتفاقا بين البلدين في انتظار التنفيذ، وأبدى تخوفه من صرف عائدات النفط خارج الموازنة".
وعن قدرة الاتفاق النفطي على تخفيف الضغط على الموازنة العامة السودانية رأى الجاك أن "الخطوة مرتبطة بالتزام جوبا بالدفع"، لكنه نبه إلى أنه لا يوجد رقما دقيقا لحجم الإنتاج المتوقع من النفط بعد توقفه لقرابة العام.
وقلل الجاك الذي يعمل أستاذا بكلية الاقتصاد جامعة الخرطوم من أثر العجز في الميزان التجاري ،وقال "إن المحك الأساسي هو العجز في الموازنة الكلية لأنه سيُفضي إلى زيادة أسعار الخدمات، وأقترح تخفيضه بتقليل الصرف الأمني والسيادي".
وأشار إلى أن "برتوكول التعاون الذي تم توقيعه مع العاصمة جوبا يمكن أن يشكل حلا ، لكن لا توجد مؤشرات جدية من الطرفين لتنفيذه".
بينما قال الخبير الاقتصادي د . خالد التجاني لمراسل وكالة الأناضول أن الموازنة ليست ارقام وإنما انعكاس لواقع سياسي أمني اقتصادي متكامل.
وأوضح أن وزارة المالية يمكن أن تسيطر على العجز من خلال الحصول على منح وقروض خارجية، شريطة بقاء الأوضاع كما هي عليه من حيث الوضع السياسي، وعدم اتساع رقعة الحرب وما يترتب عليها من صرف أمني.
وأشار إلى أن كل الموازنات السابقة كان بها عجز باستثناء موازنة العام 2008.
ووصف التجاني الذي يرأس تحرير صحيفة إيلاف الاقتصادية بالسودان الموازنة الحالية بأنها "موازنة أزمة أكثر من كونها موازنة لإدارة موارد متوفرة" .
وقال إنه لا يمكن لوم وزارة المالية على العجز في الموازنة بالنظر إلى عدم استقرار الأوضاع السياسية والأمنية وما يترتب عليها من بيئية طاردة للاستثمار.
ويحارب الجيش السوداني متمردين في ثلاث جبهات هي دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، بجانب التوترات مع جنوب السودان .
وانتقد التجاني اعتماد الموازنة الجديدة على مورد واحد هو الذهب الذي يساهم ب50% من قيمة الصادرات، ووصف الأمر بأنه مغامرة.
واستحسن التجاني الاهتمام بالقطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني لما تذخر به البلاد من مقومات وتوفير مبلغ 2 مليار دولار قال أنها تصرف على استيراد الغذاء، بينما يستورد السودان غذاءه بدلا من أن يكون مصدرا للغذاء وهو غني بموارده الزراعية والحيوانية.
وعن خفض معدل التضخم إلى 20% في الموازنة الجديدة حسب حديث وزير المالية قال التجاني أن ذلك لا يعدو أن يكون حديثا سياسيا لتطمين الناس لأن الحكومة ليس بمقدورها خفض التضخم طالما أنها دون موارد.
وأشار إلى أن الحكومة دخلت كمشتري للذهب من المواطنين الذين يعملون في التعدين الأهلي لتوفير النقد الأجنبي لكنها اضطرت لطباعة النقود دون غطاء لشراء الذهب الأمر الذي فاقم التضخم وخفض قيمة الجنيه.
وبالمقابل يرى التجاني إن دخول برتوكول التعاون الموقع مع جنوب السودان حيز التنفيذ من شأنه أن يغير المشهد كليا باعتبار أن ذلك يترتب عليه خفض الإنفاق العسكري واستئناف التجارة الحدودية التي قال إن عائداتها تفوق عائدات النفط.
وتقول تقارير غير رسمية أن جنوب السودان يستورد 128 سلعة تمثل غالبية احتياجاته من الشمال ،ويرى خبراء أنه في حال استئناف التجارة بين الدولتين فإنها ستمثل موردا مهما للعملة الصعبة بما يرفع من قيمة الجنيه السوداني التي تدنت إلى مستويات غير مسبوقة .
ويبلغ الجنيه حاليا في السوق السوداء 6.5 مقابل الدولار في السوق السوداء، مقارنة ب 2.7 جنيها في الأعوام التي سبقت انفصال الجنوب، وهذا السعر منخفض كثيرا عن السعر الرسمي الذي يدور في 4.4 جنيه لكل دولار.
عا - مصع
news_share_descriptionsubscription_contact
