اسطنبول/ هشام شعباني/ الأناضول
قدم الكاتب السوري، "ياسين الحاج صالح"، ندوة بعنوان "مغيّبون: تجارب السوريين في التغييب السياسي خلال جيلين"، وذلك في مركز "غلطة سالت" الثقافي بمدينة إسطنبول التركية.
وتناول الحاج صالح في حديثه وقائع الخطف والتغييب القسري والاعتقال في سوريا، خلال فترة حكم حافظ الأسد وبشار الأسد، مقدمًا عرضًا "لطبائع الاعتقال وتغيراتها، ضمن سياقاتها التاريخية، خلال تلك الفترة الزمنية، والفوارق والتشابهات بين الاعتقال في الثمانينات والاعتقال بعد اندلاع الثورة السورية، لا سيما وأن جهات إسلامية مسلحة أخذت تتبنى التغييب والاعتقال كأسلوب لمسح المختلفين معها على نحو مشابه لنهج النظام السوري".
وقدم الحاج صالح شرحًا مفصلًا لأساليب الاعتقال والتغييب التي يمارسها النظام السوري ضد الناشطين السوريين والفلسطينيين، مقدّمًا قائمة لأسماء أولئك الناشطين، وتواريخ وكيفية اعتقالهم.
واعتبر الكاتب السوري أن التغيبب طويل الأمد دون معلومات عن المغيبين، "ليس مقصورًا على أسماء معروفة قليلة العدد، بل هو حال أغلب المعتقلين عند النظام في موجة الصراع الاجتماعي والسياسي السوري الحالية منذ ربيع 2011، عددهم غير معروف، لكن تتكلم بعض التقديرات على 200 ألف ".
وتطرق الحاج صالح إلى عمليات ابتزاز أسر المغيبين من قبل سماسرة المعلومات من ضباط مخابرات ومخبرين ومن تبعهم قائلًا: "المال ينهب من الأسر كثمن لمعلومات عن أبنائها أو لإيصاله إلى عضو الأسرة المغيب، أو لتحسين أوضاعه في المعتقل، أو لشراء معاملة خاصة، أو ربما ثمنًا للإفراج عنه، وفي غالبية الحالات دون جدوى". أضاف أنه "بفعل اتساع هذه القاعدة الاجتماعية للاعتقال السياسي، فإن شبكة واسعة تشتغل في نهب مقدرات أسر المعتقلين، يشغل قمتها نافذون في أجهزة قمع النظام، والمواقع الوسيطة فيها سماسرة متنوعون". وكشف عن "علاقة ثلاثية تشكل صلب الاقتصاد السياسي للاعتقال السياسي في سوريا، وهي تربط بين النظام أو أجهزته القمعية التي تعتقل وتعذب وتحبس، وتحجب المعلومات عن المعتقلين والمخطوفين، وبين الأسر التي تفقد أعضاء منها وتحجب عنها المعلومات عن مصيرهم، وبين شبكات تقايض المعلومات بالمال وتتولى نهب الأهالي، وترتبط مباشرة بأجهزة النظام".
وأكد الكاتب السوري أن هذا وجهًا أساسيًا لقضية الاعتقال السياسي في سوريا منذ موجته الكبرى الأولى في مطلع ثمانينات القرن العشرين، وهو وجه منظومي أو منهجي، وليس "فسادا" عارضًا، مرجحًا أن نسبة مهمة ممن تكون "تجاربهم الأمنية" قصيرة (أياما أو أسابيع)، هم من الأشخاص الذين تداركتهم أسرهم ودفعت مبالغ كبيرة لإنقاذهم، لافتًا إلى أن فرص إنقاذ موقوف حديثًا، بالتوسط عند ضابط التحقيق أو رئيس الفرع الأمني، أكبر بكثير من فرص إنقاذ معتقل منذ أسابيع أو شهور". أما "الوجه الاقتصادي للاعتقال السياسي لم يغب يومًا حتى بخصوص المعتقلين غير الإسلاميين، حيث لم يكن تأمين الزيارة أمرًا روتينيًا دومًا، ولا إدخال ما يحتاجه السجين من دواء وغذاء، أو من كتب، أو من زيارات خاصة أحيانًا، أو ببساطة مجرد اتقاء شر عناصر المخابرات، وهم يحومون حول أفراد الأسرة الآخرين". وأضاف أن "أوضاع الاعتقال لم تكون تسير وفق مسطرة قانونية معلومة، ولم يوجد قط إطار قانوني يمكن اللجوء إليه لمواجهة التجاوزات المحتملة على هذا المستوى، وهو ما يوفر هامش تلاعب واسع للمراكز الاعتقالية، من السجانين إلى الأجهزة الأمنية إلى النظام ككل، لابتزاز الأهالي مقابل الرضوخ وتجنب المتاعب، أو مقابل المال، ومن يفتقرون إلى الواسطة، وهم أكثرية السكان، يضطرون إلى دفع المال، فيجري إفقارهم على هذا النحو واغتناء المقربين من النظام، من لا يملكون الواسطة ولا المال، يسحقون بكل بساطة".
وشدد الحاج صالح على أن "مشروع الاعتقال السياسي المجزي ماديًا برع به الشبيحة منذ وقت مبكر نسبيًا من الثورة، فهم يوقفون على حاجزهم أشخاصًا، ولا يتركونهم قبل تجريدهم مما في جيوبهم، أو يرغمون على الاتصال بذويهم لجلب فديات لهم". وأكد على أن 11 ألف شخص قتلوا تحت التعذيب بين مطلع الثورة وآب 2013، بمعدل 12 يوميًا، قائلًا: "ما يعني أن القتل في المقرات يرتفع إلى مرتبة صناعة منظمة، ومعظم هؤلاء لا تسلم جثثهم لأهلهم ولا يعرف أين دفنوا، وفي أكثر الحالات التي سلمت الجثث فيها للأهالي، يفرض عليهم دفن الميت سرًا ودون جنازة، ومن الفروق المهمة أيضًا عدد ونسبة النساء العالية نسبيًا بين معتقلي الثورة، ومنهن من قتلن تحت التعذيب، ومن اغتصبن بشهادة منظمات حقوق الإنسان الدولية".
وتطرق الحاج صالح إلى ممارسات تنظيم داعش الإرهابي في مناطق الشمال والشمال الشرقي السوري واستهدافها لتشكيلات "الثورة المدنية والعسكرية"، قائلاً: "داعش تخطف ولا تعتقل، ولا تعرف معلومات عن مخطوفيها ولا تتوفر لهم زيارات، ويحتمل أن عددهم بالألوف من عموم السكان، ومثل النظام، داعش تسحق المجتمع، ولا تقف عند الناشطين المعارضين لها، ومنذ خريف 2013 كان لديها 7 سجون في الرقة، هي مؤسسات مدنية جرى تحويلها إلى مراكز اعتقال، هي بهذا تمثل استئنافًا لنهج النظام في معاملة الإسلاميين في الثمانينات والتسعينات، ولنهجه اليوم في التعامل مع أكثر سجناء الثورة، منذ ربيع 2013 لا يعرف شيء عن المحامي عبدالله الخليل، ومنذ صيف العام نفسه لا يعرف شيء عن فراس الحاج صالح، وإبراهيم الغازي، والأب باولو دوالوليو، ثم الدكتور اسماعيل الحامض الذي اختطف في مطلع تشرين الثاني 2013".
وأضاف: "يشارك جيش الإسلام الذي يتزعمه زهران علوش، وهو تشكيل سلفي عسكري عناصره سوريون، وأقل استقلالية من داعش، في أن لديه أكثر من مركز اعتقال في منطقة سيطرته الأساسية، دوما في الغوطة الشرقية، مركز الاعتقال الأساسي اسمه "سجن التوبة"، لكن من المرجح جدًا أن هناك مراكز اعتقال سرية موزعة في المنطقة، والأرجح أن سميرة الخليل، ورزان زيتونة، ووائل حمادة، ناظم حمادي في أحد هذه المقرات، منذ خطفهم قبل نحو عام من اليوم لا نعرف معلومات عنهم.
وختم الحاج صالح قائلًا: "أخيرًا، تظهر هذه المناقشة الأهمية السياسية الحيوية للقوانين والمؤسسات التي تحمي حياة الناس، وتحول دون الاعتقال التعسفي والإذلال والابتزاز، ما أطلق يد طغمة النظام الأسدية في حياة السوريين، وما شكل نموذجًا تبني على غراره الطغم السلفية الجديدة، هو افتقار السوريين للعدالة القانونية والاجتماعية، وللرقابة الاجتماعية على السلطة العمومية، الضمانات القانونية العامة لتسيير حياة الناس ومصالحهم ليست قضية قانونية أو حقوقية شكلية، إنها قضية سياسية اجتماعية، والبيئة الحية لحياة عامة تصون كرامة السكان وحيوية المجتمع، أعتقد في النهاية أن السوريين في قلب صراعنا الاجتماعي والسياسي الكبير، بحاجة إلى إرساء مبادئ قانونية أساسية تصون حياة الشخص البشري وحريته وكرامته وأمنه وعمله، شيء يعادل وثائق الحقوق التاريخية الكبرى التي عرفتها مجتمعات أخرى".
وبعد انتهاء مداخلة ياسين الحاج، فُتح المجال للنقاش مع الحضور من سوريين وعرب وأتراك، وطُرحت وجهات نظر عديدة في موضوع الندوة، كما امتد النقاش ليشمل الحال السوري الحالي، وتفاعلات الوضع السوري في السياسة والمجتمع التركي، وآفاق المستقبل في سوريا.
news_share_descriptionsubscription_contact
