إسطنبول (تركيا)/ محمد شيخ يوسف/ الأناضول
قال الكاتب العراقي، نظير الكندوري، إن أنقرة تُقدم على "خطوات شجاعة" تفاجئ المراقبين، وتضع الأمن القومي التركي في أولوياتها، مستدلا بزيارة رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، للعراق قبل أيام، لكنه لم يبد أملا كبيرا في حل الملفات العالقة بين البلدين، مرجعا ذلك إلى أن "العراق بات منطقة نفوذ إيرانية"، و"لا يتمتع بإرادة سياسية مستقلة".
الكندوري، وهو صاحب مؤلفات تتعلق بمجال حقوق الإنسان في العراق، أضاف في مقابلة مع الأناضول بمدينة إسطنبول، أن "زيارة يلدريم لبغداد تندرج ضمن التحول المفاجئ للسياسة الخارجية التركية عبر الانفتاح الحاصل مع الجانب العراقي، بدءا بمكالمة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان الأخيرة، مع رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، وانتهاء بزيارة يلدريم".
بن علي يلدريم زار الجارة العراق، يومي السبت والأحد الماضيين، والتقى مسؤولين في العاصمة بغداد، وفي الإقليم الكردي الشمالي.
وعقب عودته من العراق، قال يلدريم إن أمن تركيا لا ينفصل عن أمن العراق، وإن البلدين اتفقا "من حيث المبدأ على نهج مشترك لمحاربة المنظمات الإرهابية، على رأسها بي كا كا، إلى جانب كل من داعش و(فتح الله) غولن".
أولوية الأمن القومي
"الزيارة المفاجئة" أرجعها الكاتب العراقي إلى "شجاعة قادة تركيا، إضافة إلى التجرد عندهم، فكثير من القادة يصرون على أخطائهم على حساب الشعب، بينما الرئيس أردوغان، وقيادات حزب العدالة والتنمية (التركي الحاكم)، عندهم نكران ذات، ويبحثون عما يهم مصلحة شعبهم، ولديهم موضوع الأمن القومي أولوية عالية جدا".
الكندوري، الحاصل على إجازة جامعية من قسم الفيزياء في جامعة المستنصرية ببغداد، ذهب إلى أن مسألة الأمن القومي "تؤثر على أهم منجزات الحزب، وهو الانتعاش الاقتصادي الذي أثر على كل القطاعات، ورفع رصيده، فالإخلال بالأمن مؤثر جدا على الاقتصاد التركي، وأي خطوة تساهم في تحسين الحالة الأمنية في تركيا، لا يتردد القادة الأتراك باتخاذها، وواحدة منها تحسين العلاقة مع الجانب العراقي".
وحسب تقديره، فإنه "حتى قبل فترة بسيطة كان الحدث (الزيارة) غير متوقعا، ولكن جاءت الزيارة لحل الملفات العالقة بين البلدين، وستكشف الأيام المقبلة عن مدى قدرة هذه الزيارة على إحداث تغيير حقيقي بينهما".
منطقة نفوذ إيرانية
وردا على سؤال عن المأمول من هذه الزيارة وتأثيرها، لم يبد الكاتب العراقي أملا كبيرا في حل الملفات العالقة؛ مرجعا الأمر إلى أن "العراق لا يمتلك الإرادة السياسية المستقلة، فهو بات منطقة نفوذ إيرانية، وكثير من سياسات العراق يجب أن تتوافق مع السياسة الخارجية الإيرانية، وأن يتم الموافقة عليها من قبل الساسة الإيرانيين".
الكندوري شدد على أن "موضوع تواجد منظمة (بي كا كا الانفصالية الإرهابية) في سنجار (شمال العراق)، إلى جانب الموضوع الاقتصادي (التعاون) وإعادته إلى سابق عهده، من أولويات الجانب التركي، بينما أولوليات الجانب العراقي الإيراني، هو موضوع تواجد القوات التركية في بعشيقة (شمالي العراق)".
وبشأن تلك الحساسية بشأن وجود قوات تركية في بعشيقة ضمن الحرب على تنظيم داعش، قال إن "الجانب العراقي ومن ورائه الإيراني يتعامل معه بحساسية مفرطة".
وكان وزير الدفاع التركي، فكري إشيق، أعلن، الأربعاء، أن الجانبين التركي والعراقي سيبحثان مجددا مسألة معسكر بعشيقة، وسيحلان الأمر بشكل ودي، عقب انتهاء العملية العسكرية ضد داعش في مدينة الموصل (شمال)، وتطهير المنطقة من كافة المنظمات الإرهابية.
الرسالة التركية
وبشأن العلاقات بين الجارتين، قال الكاتب العراقي إن "تركيا بحاجة إلى العراق، والعراق بحاجة إلى تركيا.. حجم التبادل التجاري وصل سابقا إلى 12 مليار دولار، لكن الآن أصبح بضعة مليارات فقط، وهو أمر لا ينسجم مع حجمي البلدين وقدراتهما".
وموضحا، تابع أن "العراق يعتبر سوقا كبيرا للمنتجات التركية، وتركيا مصدرا كبيرا للنفط الخام العراقي، فالبلدين بحاجة إلى بعضهما البعض، وأعتقد أنهما سيحققان نجاحات اقتصادية جيدة، ولكن سياسيا لن تتعدى الأمور التصريحات، وعلى الأرض لن يكون هنك شيء حقيقي".
وردا على سؤال حول لقاءات يلدريم في العراق، أجاب الكندوري بأن "السياسة التركية حيال العراق مختلفة عن السياسة الإيرانية، فأنقرة منفتحة على الشعب العراقي بمختلف مكوناته الطائفية والمذهبية.. منفتحة على العرب والأكراد والسنة والشيعة والمسيحيين والإيزيديين، لذا تعمّد (يلدريم) الالتقاء بممثلي الطوائف".
الكندوري مضى قائلا إن هذه اللقاءات "تعطي رسالة بأن الأتراك ينظرون إلى الشعب العراقي بكافة أطيافه نظرة واحد، ويقفون على مسافة واحدة من الجميع، وهذا ما لا يرونه من الجانب الإيراني الذي ينظر إلى طائفة معينة (يقصد الشيعة)، ويمدها بكل أنواع المساعدة، ويساعد على اضطهاد القوميات والمذاهب الأخرى".
وحول استجابة العراقيين لهذه الرسالة التركية، قال الكاتب العراقي: "هي رسالة نحن نحتاجها كعراقيين، الشعب ملّ من الاحتقان الطائفي والقومي الذي حدث في البلد، وكان سببا أساسيا في تمزيقه، فعندما تأتي الرسالة من دولة جارة بالنظرة الواحدة لكافة الأطراف بشكل متساو، فمن المؤكد أن يتلقاها الشعب بشكل إيجابي، على عكس بقية الدول المحيطة بالعراق".
انتهاكات سابقة وراهنة
الكاتب العراقي، الذي ألف كتيبا بعنوان "ديالى تنزف دما" وثق فيه انتهاكات حقوق الإنسان في المحافظة الواقعة شمال شرق العاصمة بغداد، قال إن هذا الكتيب "كان باقتراح من الائتلاف الحقوقي الدولي لأجل العراق، وهو منظمة حقوقية مهمتها رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في العراق، ونشرها للرأي العام والمنظمات العالمية".
الكندوري أوضح: "طُلب مني كتابة ما تم انتهاكه في إحدى مناطق العراق الساخنة، وهي محافظة ديالى، فكتبت عن المحافظة وطبوغرافيتها، والقوى الفاعلة فيها، وعرجت على ما بعد 2003 (غزو العراق)، وكيف ساهمت القوى السياسية بعد الاحتلال (الأمريكي) بتأجيج الطائفية بين أبناء المحافظة، ودور الميليشيات في انتهاكات حقوق الإنسان، وبنفس الوقت الانتهاكات التي قام بها تنظيم القاعدة، وثم تنظيم داعش، وكان توثيق من خلال السرد التاريخي وتوثيق الصور".
وعن أهمية الكتيب في ظل اتهامات داخلية عراقية راهنة بارتكاب ميليشيا الحشد الشعبي (شيعية موالية للحكومة) انتهاكات وتغيير ديموغرافي في مناطق ذات أغلبية سنية، قال الكندوري إن "سايكولوجية الجماعات (سيكولوجية المجتمع) فيها صفة خطيرة، وهي ذاكرة الشعوب الضعيفة، ومثل هذا الكتيب يساعد على بيان حقائق ما حدث، وكيف حصل التغيير في هذه المناطق، لكي لا ينسى جيلنا ما حصل".
وبالنسبة له فإن "هذه المناطق لم تشهد تغييرا ديموغرافيا وحسب، بل تغيير العقائد بالقوة، وما يحدث في ديالى، هو أن الطائفة السنية مجبرة على ممارسة الشعائر الشيعية بالقوة، وإلا سيحاربون وتتم تصفيتهم ليكونوا عبرة، فيضطرون لممارستها، ومع مرور الوقت سيظهر الجيل المنتمي للعقيدة الأخرى، وهو ما حصل في إيران سابقا".
كما أنه، بحسب الكندوري، "مثل هذه الوثائق يتم حفظها للتاريخ، وتتضمن كثيرا من المعلومات.. هذا التوثيق يعتبر مرجعا لأي باحث أو كاتب ولأي منظمة حقوقية تحاول الدفاع عن حقوق الإنسان ومحاسبة الفاعلين"، مضيفا أن "الائتلاف الحقوقي الدولي يتعاون مع منظمة IHH التركية، وتتم ترجمة الكتيب إلى التركية والإنجليزية ونشره، على أمل أن يصل ما حدث إلى المنظمات العالمية".
news_share_descriptionsubscription_contact
