المصور معز الصالحي.. كاميرا الحرب تسقط أمام المرض ونقص العلاج بغزة (بروفايل)
ـ المصور الصحفي في غزة الذي أمضى سنوات يوثق الحرب والدمار بعدسته يواجه اليوم معركة قاسية مع مرض كرونز في ظل نقص العلاج واستمرار الحصار بعدما تحوّل من ناقلٍ لمعاناة الناس إلى واحد من ضحاياها
Hosni Nedim
07 مايو 2026•تحديث: 07 مايو 2026
Filistin, Gazze
غزة/ حسني نديم/ الأناضول معز الصالحي للأناضول: -أصبحت أنا القصة ومن يحتاج للعلاج -لا أطلب شيئا سوى فرصة للعلاج أريد العودة لحياتي الطبيعية كأب وزوج وصحفي
يرقد المصور الصحفي الفلسطيني معز الصالحي، على سرير المرض في مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، منهك الجسد، بالكاد يقوى على الحركة، بعدما تحوّل من موثق لمعاناة الآخرين إلى واحد من ضحايا الأزمة الصحية والإنسانية التي يعيشها القطاع المحاصر منذ سنوات.
والصالحي، مصور صحفي حر ويعمل متعاون مع وكالة الأناضول، أمضى السنوات الماضية متنقلا بكاميرته بين الركام والمستشفيات وخيام النازحين، لتوثيق الدمار والجوع والموت في غزة، بينما كان يخوض بصمت معركة أخرى مع مرض خطير ينهش جسده يومًا بعد يوم.
**مرض كرونز الخطير
وشخّص الأطباء إصابته عام 2022 بمرض "كرونز" الحاد، وهو مرض مزمن وخطير يحتاج إلى علاج بيولوجي متواصل غير متوفر داخل قطاع غزة.
وكرونز؛ مرض التهابي مزمن يصيب القناة الهضمية ويسبب تقرحات تبدأ من الفم وحتى فتحة الشرج، ولكن تعد نهاية الأمعاء الدقيقة وبداية القولون أكثر الأماكن عرضة للتقرحات، وفق موقع "الطبي".
وكان من المقرر أن يتلقى الصالحي، أول جرعة علاجية له داخل مستشفيات إسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إلا أن اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حال دون سفره، لتبدأ منذ ذلك الوقت رحلة طويلة من الألم والتدهور الصحي.
ورغم معاناته، واصل عمله الميداني طوال الحرب، متنقلاً بين مواقع القصف والمستشفيات ومراكز النزوح، حاملاً معدات التصوير وحقائب الأدوية في آنٍ واحد.
**أنا القصة
ويستذكر الصالحي، تلك الأيام قائلاً: "كنت أغطي الأحداث بينما الكنيولة (إبرة متصلة بأنبوب بلاستيكي لتوصيل السوائل والأدوية إلى مجرى الدم في الجسم)، موصلة في يدي لتلقي العلاج، كنت متعباً جداً لكنني كنت أريد إيصال رسالة الناس ومعاناتهم".
ويضيف في مقابلة مع الأناضول: "اليوم أصبحت أنا القصة، أنا من يحتاج للعلاج".
وتبدو آثار المرض واضحة على جسد الصالحي الهزيل، بعدما فقد كثيراً من وزنه وبات عاجزاً عن ممارسة حياته الطبيعية، في ظل غياب العلاج اللازم واستمرار إغلاق المعابر أمام آلاف المرضى.
ويؤكد أن حالته الصحية تتفاقم داخل المستشفى، حيث يمضي أيامه بين الألم والانتظار، دون توفر العلاج البيولوجي الذي يحتاجه بشكل عاجل.
والخميس، حذرت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، من تفاقم الأزمة الدوائية والمخبرية في المستشفيات، معلنة نفاد 47 بالمئة من الأدوية الأساسية و59 بالمئة من المستهلكات الطبية.
ويعاني القطاع الصحي بغزة من انهيار واسع جراء تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية، التي خلفت دمارا كبيرا في المستشفيات والبنية التحتية الصحية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية.
وخلال أكثر من عامين من التغطية المتواصلة، وثق الصالحي، صور الجرحى والمرضى والمجاعة، لكنه اليوم يجد نفسه في المكان ذاته الذي كان يصوره بعدسته.
**واقع صعب
ويعيش صحفيو غزة واقعاً وصفه المكتب الإعلامي الحكومي بأنه "كارثي وغير مسبوق"، في ظل استمرار الحرب، التي حوّلت العمل الصحفي إلى مهمة محفوفة بالموت والاستهداف المباشر.
وقال المكتب، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث من مايو/ أيار، إن إسرائيل قتلت منذ بدء الحرب نحو 262 صحفيا، وأصابت 420 آخرين، واعتقلت 50، فيما لا يزال 3 صحفيين في عداد المفقودين.
*الموت ببطء
ولا تقتصر معاناة الصالحي، على مرضه فقط، بل تمتد إلى خوفه على عائلته الصغيرة؛ فهو أب لطفلين، بينما تنتظر زوجته مولوداً جديداً، ويخشى أن يرحل قبل أن يتمكن من احتضانه.
ويقول: "أنا لا أطلب شيئاً سوى فرصة للعلاج، أريد أن أعود إلى حياتي الطبيعية، كأب وزوج وصحفي".
ويرى الصالحي، أن قصته ليست حالة فردية، بل صورة من واقع آلاف المرضى في غزة الذين ينتظرون فرصة للخروج للعلاج في الخارج، في ظل انهيار القطاع الصحي ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية.
ويختتم حديثه برسالة مؤثرة: "كنت أوصل صوت الناس إلى العالم، واليوم أوصل صوتي أنا.. أنقذوني، أريد العلاج في الخارج".
**آلاف المرضى ينتظرون الإجلاء الطبي
ولا يزال أكثر من 18 ألف مريض وجريح في قطاع غزة ينتظرون الإجلاء الطبي، بعدما تمكن نحو 700 مريض فقط من مغادرته لتلقي العلاج في الخارج، وفق تصريحات سابقة لمتحدث جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني رائد النمس.
وفي 2 فبراير/شباط 2026 أعادت إسرائيل فتح الجانب الفلسطيني من المعبر الذي تحتله منذ مايو/ أيار 2024، بشكل محدود جدا وبقيود مشددة للغاية.
وقبل حرب الإبادة، كان مئات الفلسطينيين يغادرون غزة يوميا عبر المعبر، ويعود مئات آخرون إلى القطاع في حركة طبيعية، وكانت آلية العمل في المعبر تخضع لوزارة الداخلية بغزة والجانب المصري، دون تدخل إسرائيلي.
وكان من المفترض أن تعيد إسرائيل فتح المعبر في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لكنها تنصلت من ذلك.
ويواصل الجيش الإسرائيلي خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر 2025، عبر القصف وإطلاق النار، ما أدى إلى مقتل 846 فلسطينيا وإصابة 2418 آخرين منذ ذلك التاريخ فقط، وفق أحدث إحصاء لوزارة الصحة الفلسطينية بغزة.
وتحاصر إسرائيل قطاع غزة منذ 2007، وبات نحو 1.5 مليون فلسطيني من أصل حوالي 2.4 مليون بالقطاع بلا مأوى في أوضاع كارثية بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم.
وجرى التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار عقب عامين من إبادة جماعية بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر 2023، بدعم أمريكي، وخلفت ما يزيد على 72 ألف قتيل وأكثر من 172 ألف جريح فلسطيني.
المصور معز الصالحي.. كاميرا الحرب تسقط أمام المرض ونقص العلاج بغزة