القاهرة/ ربيع السكري/ الأناضول
تحل اليوم الأربعاء، ذكرى مرور 1000 يوم على فض اعتصامي "رابعة العدوية"، و"نهضة مصر"، بالقوة على يد قوات الأمن المصرية، فيما يزال أهالي اختفى أبناءهم يبحثون عن المجهول، ويأملون في معرفة مصير ذويهم هل ما زالوا على قيد الحياة أم فارقوها.
وفي 14 أغسطس/ آب 2013، فضت قوات من الجيش والشرطة المصرية اعتصامين لأنصار محمد مرسي، (أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيًا)، في الميدانين المذكورين، بالعاصمة القاهرة؛ ما أسفر عن سقوط 632 قتيلًا منهم 8 شرطيين، حسب "المجلس القومي لحقوق الإنسان" (حكومي)، في الوقت الذي قالت منظمات حقوقية محلية ودولية (غير رسمية) إن أعداد القتلى تجاوزت الألف.
وبعد أيام من الفض، تباينت أعداد الضحايا والمصابين والمختفين، وآنذاك وثقت منظمة هيومن رايتس مونيتور، (غير حكومية مقرها لندن)، أكثر من ٤٠٠ حالة اختفاء قسري لأشخاص كانوا في الميدانين اللذين شهدها عملية الفض،ومحيطهما، بجانب ٩ سيدات مجهولات المصير.
سلمى أشرف، مسؤولة الملف المصري في "هيومن رايتس مونيتور"، تقول إن "الحالات الموثقة من قبل المنظمة لم يُعلم شيء عن مصيرها، وإذا كانوا قد قتلوا أم اعتقلوا أم حرقوا وجرفوا في معسكرات الأمن المركزي (قوات مكافحة الشغب) أم لا؟".
وتشير في تصريحات عبر الهاتف لـ"الأناضول"، أنه "منذ عملية الفض أصبح الاختفاء القسري نهجًا للسلطات المصرية، وحل محل الاعتقال"، وهى اتهامات عادة ما تنفيها السلطات المصرية، وتقول إن سجونها خالية من المختفين قسريًا، وبأنها تتعامل مع الجميع وفق ما ينص عليه القانون والدستور.
وبحسب الناشطة الحقوقية، فإن "مئات من حالات الاختفاء القسري تم إعلام المجلس القومي لحقوق الإنسان، وأصدر بدوره تقريرًا بحالتهم، وسأل الحكومة عنهم، إلا أنه لا أحد من المختفين قسريًا ظهر حتى الآن"، موضحة: "المنظمات وأهالي الضحايا هم من تواصلوا مع المجلس القومي وليس العكس".
حاولت "الأناضول"، على مدار أيام، التواصل مع أهالي مختفين منذ فض رابعة، غير أن الكثيرين منهم فضَّلوا عدم الحديث، خشية الملاحقات الأمنية، أو قلقًا من وقوع مكروه عليهم أو على ذويهم المختفين، فيما تحدثت مجموعة من أسر هؤلاء المختفين (فضلوا التسجيل الصوتي) عن معاناتهم في رحلة البحث عن المفقودين.
معاناة أسرة عمر حماد:
لم يكن الطالب بجامعة الأزهر، عمر محمد حماد (22 عامًا)، من ضمن المعتصمين في رابعة، غير أن أسرته ذاقت مرارة اختفائه القسري، منذ يوم الفض.
وعمر حماد، حارس مرمى ناشئ بنادي الزمالك (من أكبر الأندية المصرية)، ومن هواة أداء أغاني الراب، تقول والدته بدرية محمد السيد، لـ"الأناضول"، إنه اختفى يوم فض رابعة ومنذ ذلك الحين لم نعثر عليه، ولا نعلم هل ما زال حيًا على قيد الحياة أم لا ؟.
وبحسب الأم، كان عمر في طريقه إلى كليته، هندسة الأزهر بمدينة نصر (منطقة بها ميدان رابعة) وصادف تواجده فض الاعتصام، غير أن أصدقاء له رأوه مصابًا في كتفه بطلق ناري بعد عصر ذات اليوم، وليلًا لمحه أحد أصدقائه داخل مدرعة (آلية) عسكرية.
وتابعت االوالدة "لم أره منذ ذلك اليوم (فض رابعة)، أريد فقط أن أعرف مصيره"، كلمات موجزة، لخصت معاناة عشرات الأسر من الباحثين عن ذويهم المفقودين.
بدأت أسرة عمر كغيرها، بتحرير محاضر في مراكز الشرطة حول غيابه، بجانب البحث عنه في جميع المستشفيات والأقسام والمعتقلات، كما أجرت بجانب ذلك تحليل Dna، لجثث في ثلاجات الموتى، وبعد متابعة ٩ أشهر ظهرت النتيجة سلبية.
امتد بحث أسرة عمر عنه، ليشمل مكتب النائب العام، ووزارتي الداخلية والدفاع، وتوثيق حالته في جميع منظمات حقوق الإنسان في مصر، فيما لا يزال الأمل قائمًا في قلوبهم للعثور عليه.
تشير والدة عمر إلى أن "الأسرة" علمت عن طريق بعض المحامين والضباط والوسطاء أنه كان في سجن العازولي (سجن عسكري/ شمال شرقي القاهرة)، وحاولت التأكد من ذلك غير أنها لم تستطع الحصول على معلومات أكيدة.
والدة عمر لم تفقد الأمل بعد، وما يزال في القلب وفي الروح عزيمة للعثور عليه، فبنبرة الواثق تقول: "لدي إحساس قوي بوجوده على قيد الحياة، أتمنى اللحظة التي أتوصل فيها له واجده فأحتضنه لأني أشتاق إليه بشدة".
تنشئة جيل يعادي الدولة
لم تختلف رواية رضوى، زوجة المختفي منذ فض رابعة، محمود إبراهيم (30 عامًا)، وهو عامل حر من مدينة طنطا (دلتا مصر/ شمال)، وهو أيضا طالب بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، مع الرواية السابقة كثيرًا.
تقول رضوى، لـ"الأناضول"، عن آخر اتصال هاتفي مع زوجها يوم الفض، إنه كان في الساعة الخامسة مساء (15 ت.غ.)، ومن حينها لم تتواصل معه ولم تعرف أين هو.
قبل عامين بحثت رضوى مع أسرة زوجها، في كافة السجون والمعتقلات والمستشفيات، ودشنت هي وآخرين رابطة "المختفون قسريًا"، غير أنها شرعت مع بداية العام الجاري في سَلكِ المسارات الحكومية، بطرق أبواب النائب العام والقضاء، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، للتعرف على مصير زوجها المفقود.
من سجون طرة، جنوبي القاهرة، لشمال غربي القاهرة حيث سجن أبو زعبل، وصولًا لسجن برج العرب في الإسكندرية (أقصى الشمال)، رحلة من العذاب خاضتها أسرة "محمود إبراهيم"، وعشرات الأسر في البحث عن ذويهم، تقول رضوى: "كان الواحد منا يحمل بين يديه ما يصل إلى 20 صورة من المختفين قسريًا أثناء البحث في السجون، كنا نوزع أنفسنا بالتناوب".
تضيف رضوى: "كمواطنين لم نكن ندرك معنى كلمة اختفاء قسري حتى نهاية عام 2014، ورغم كون والد زوجي ضابطًا سابقًا بالجيش، وكنا نعتبره واسطة (كلمة مصرية دارجة تعني وسيلة للتوسط للجهات الحكومية) ستمكننا بسرعة الكشف عن مكانه، إلا أن ذلك لم يمكننا من العثور عليه".
"لم نكن الوحيدين الذين يبحثون عن مختفين قسريًا، كان هناك العشرات، لا يعلمون مصيرهم أحياء أم أموات، أين جثثهم أين هم"، هكذا تصف رضوى حجم المعاناة، قبل أن تمضى قائلة: "لدينا طفلان، يعرفان كل صغيرة وكبيرة عن اختفاء والدهما، نحن في أزمة جيل، مشكلة وطن، لن أضحك عليهما وأقول لهما بابا مسافر، بل أؤكد لهما أن والدهما مختطف من رابعة".
وتحمّل رضوى، الدولة، مسؤولية تنشئة جيل يعاديها، موضحةً: "الأطفال باتوا يعلمون جيدًا بالظلم الذي وقع على أهلهم، طفلانا الآن يريدان والدهما ومغادرة مصر".news_share_descriptionsubscription_contact
