حسام صادق/ الأناضول
أرهبت السيارات المفخخة العالم لسنوات، وكانت اليد الطولي للجماعات الإرهابية، لكن استخدامها تراجع، مؤخرا، بشكل كبير؛ بفضل تطور أساليب الكشف عن المواد المتفجرة، فضلا عن الرقابة الشديدة علي الحدود، ما دفع تلك الجماعات إلى البحث عن وسائل أخرى صعبة الرصد وسهلة التنفيذ وبلا تكلفة مالية، فكانت هجمات الدهس بالشاحنات أو السيارات رباعية الدفع.
منذ أكتوبر/ تشرين أول 2014، برزت الشاحنات كوسيلة رئيسية لتنفيذ هجمات إرهابية في دول غربية، وحصدت، خلال أقل من عام، عشرات الأرواح في مدن نيس الفرنسية، والعاصمة الألمانية برلين، وأخيرا، نظيرتها البريطانية لندن، أول أمس الأربعاء.
إلا أن جذور "الهجوم بالشاحنات" تعود إلي "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، فرع القاعدة في اليمن، الذي شجع أتباعه عام 2010 على استخدام الشاحنات كسلاح.
ففي مقال بعنوان "آلة القص"، في مجلة "انسباير"، التي يصدرها تنظيم القاعدة، دعا فرع اليمن إلي استخدام الشاحنات مثل "آلات قص، لا لحصد العشب، ولكن لحصد أرواح أعداء الله".
** 3 هجمات
بعدها بأربع سنوات، سار تنظيم "داعش" على الطريق نفسه، فقال متحدث باسمه في تسجيل صوتي، موجها حديثه إلى أتباع التظيم في أوروبا: "ادهسوهم بسياراتكم".
وكانت أول تلبية لتلك الدعوة، في أكتوبر/ تشرين أول 2014، حين دهس كندي، يدعى مارتن كورتور، فشل في الانضمام إإلى "داعش" في سوريا، رجلي شرطة في إقليم الكيبك، فقتل أحدهما وأصاب الآخر.
وفي يوليو/ تموز 2016، دهس شخص يقود شاحنة ضخمة، حشدا في مدينة نيس جنوبي فرنسا؛ ما أسقط 84 قتيلا وعشرات الجرحى، وتبنى "داعش" الهجوم.
وامتدت هجمات الدهس بالشاحنات إلى العاصمة الألمانية، ففي 19 ديسمبر/ كانون أول الماضي، اقتحم تونسي، يسمى أنيس العامري، سوقا لأعياد الميلاد يعج بالرواد في برلين؛ ما أدى إلي مقتل 12 شخصا وإصابة 48 آخرين، قبل أن يتبني "داعش" هذا الاعتداء أيضا.
وفي أحدث محطة لهذه الهجمات، دهست سيارة رباعية الدفع، أول أمس الأربعاء، عددا من المارة على جسر "وستمنستر" في لندن، قبل أن تصل إلى مبنى البرلمان، ويترجل منها شخص طعن ضابط شرطة استوقفه؛ ما أسفر إجمالا عن سقوط 5 قتلى، هم من يعتقد أنه المهاجم، وضابط الشرطة وثلاثة من المارة، إضافة إلى 40 جريحا.
** الذئاب المنفردة
هذا النوع من الهجمات يتم تنفيذه باستخدام شاحنات ضخمة أو سيارات رباعية الدفع عادة ما تكون مسروقة، ويقودها شخص يتصرف بصفة منفردة، وليس وفق مخطط ضخم، فيما يُعرف بـ"الذئاب المنفردة"، ويستهدف أماكن مزدحمة بالمشاة، بهدف إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، حسب مراقبين.
ووفق بيتر بيرجن، المحلل الأمني في شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية، في مقال علي موقع الشبكة، يناير/ كانون ثان الماضي، فإن "هجمات الدهس تظهر أن الإرهابين الذين يتحركون بشكل منفرد، وليس ضمن مخططات كبيرة، ينفذون هجمات أكثر فتكا".
وذهب يواكيم كراوسه، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كييل بألمانيا، في حديث مع الأناضول، إلى أن "استخدام الجماعات الإرهابية لسلاح الشاحنات الضخمة دون الوسائل المميتة الأخرى، كالسيارات المفخخة، يعتمد بالأساس علي الأفراد المتوفرين لتنفيذ العمليات، ومدى إمكانية توفير السلاح أو المتفجرات من عدمه".
ويعني كراوسه أن عدم توافر أفراد مدربين علي أراضي الدولة المستهدفة، ويمكنهم شن هجمات معقدة باستخدام أسلحة أو متفجرات، يدفع باتجاه استخدام وسيلة بسيطة لا تحتاج سوى إلى إجادة القيادة، مثل الشاحنات الضخمة.
** أمن الحدود
ومنذ هجمات باريس، نوفمبر/ تشرين 2015، التي تبناها "داعش"، شهدت عمليات تأمين الحدود، وأنشطة جمع المعلومات الاستخباراتية في الدول الغربية، تكثيفا كبيرا إلي حد باتت معه من الصعب إدخال مواد متفجرة أو أسلحة؛ لذلك أصبحت الهجمات تعتمد بشكل أساسي علي الدهس بالشاحنات أو السلاح الأبيض، وفق مراقبين.
ووفق كراوسه فإنه "إذا تمكنت الجماعات الإرهابية من توفير أسلحة ومواد متفجرة ودعم لوجستي للمنفذين، فستختار بالطبع شن هجمات مسلحة ضخمة (كما حدث في باريس) بدلا من هجمات الدهس"، لكن ذلك صعب حاليا.
وحسب تقرير لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي "أف بي آي"، فإن الشاحنات باتت تستخدم بشكل مطرد كسلاح؛ لأنها "تمنح إرهابيين يواجهون صعوبات في توفير الأسلحة والمتفجرات، فرصة لتنفيذ هجمات بدون حاجة إلي تدريب أو خبرة، أو إمكانيات كبيرة".
كما أن الشاحنات أو السيارات رباعية الدفع ليست محل شك على الطرق، ولا ينظر إليها بشكل أساسي كسلاح؛ ما يسهل مهمة المهاجمين، ولا يمنح الأجهزة الأمنية فرصة للحيلولة دون وقوع مثل هذا النوع من الهجمات، أو إيقافه في بدايته، وفق التقرير الأمريكي، الذي صدر عام 2010، ثم أعيد نشره عقب هجوم نيس.
وأثناء هجوم نيس، أظهرت لقطات فيديو أن بعض الناس يتصرفون بطريقة طبيعية، بينما يهرول آخرون أمام الشاحنة خوفا من الدهس، ما يعني أن الانطباع العام لا يعتبر الشاحنات سلاحا أو وسيلة لتنفيذ هجمات إرهابية، بحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، يوليو/ تموز الماضي.
** شاحانات ذاتية القيادة
وفي محاولة للتغلب علي الخطر الذي باتت تمثله الشاحنات الكبيرة، تعمل الشركات الكبرى في عالم السيارات، على تطوير شاحنات ذاتية القيادة، وفق موقع "انفيرس" الإخباري الأمريكي، الذي أضاف، مطلع الشهر الجاري، أن التقديرات تفيد بإحلال شاحنات ذاتية القيادة محل 1.7 مليون شاحنة عادية في العالم خلال السنوات العشر المقبلة.
وتملك الشاحنات ذاتية القيادة القدرة علي اتخاذ قرارات معقدة بشأن أفضل السبل لحماية المشاة؛ ما سيصعب استخدام الشاحنات كسلاح.
وحاليا، تستخدم بعض الشاحنات نظاما إلكترونيا مساعدا للقيادة، هو نظام المكابح الإلكترونية، الذي ساهم في تقليص حجم الخسائر البشرية لهجوم برلين، حيث أوقف هذا النظام الشاحنة المستخدمة في الهجوم آليا لدى اصطدامها بأي جسم، ومنع بالتالي قائدها الانتحاري من الدخول لمسافة كبيرة داخل سوق عيد الميلاد.
news_share_descriptionsubscription_contact
