الجزائر / حسان جبريل / الأناضول
لجأت الجزائر إلى إقرار تعديلات جذرية على القانون المنظم لحركة المرور بالبلاد، يشمل تشديد العقوبات على المخالفين، ومضاعفة الغرامات المالية على السائقين والمارة، في خطوة تسعى السلطات من خلالها لكبح تنامي حوادث المرور التي صارت تخلف أكثر من 4 آلاف قتيل سنويا.
وأعاد حادثا مرور وقعا، السبت الماضي، بمحافظتي المسيلة (190 جنوب العاصمة) وغرداية (480 كلم جنوب العاصمة)، وخلفا 17 قتيلا، بينهم رضيع و7 أفراد من عائلة واحدة، الحديث بقوة حول ضرورة تشديد العقوبات لمواجهة ما يسمى محليا "إرهاب الطرقات".
وصادق مجلس النواب الجزائري (الغرفة الأولى للبرلمان) في 4 يناير/كانون الثاني الجاري، على القانون الجديد الذي ينظم حركة المرور في البلاد، وسيحال في غضون أيام على مجلس الأمة (الغرفة الثانية للبرلمان) للمناقشة والمصادقة، قبل أن ينشر في الجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ.
ومن أهم الإجراءات التي سيعتمدها القانون الجديد نظام النقاط، والذي يتمثل في بطاقة يتم تسليمها لسائقي المركبات بها رصيد 24 نقطة، وتُخصم منها النقاط كلما ارتكب السائق مخالفة سير، ويكون الخصم من نقطة إلى 6 نقاط حسب درجة خطورة المخالفة، وفي حال خصم كل النقاط من رصيد صاحب البطاقة تُسحب منه رخصة القيادة نهائيا، ليعيد امتحان الحصول عليها من جديد.
وأحصت الجزائر أكثر من 4 آلاف و600 قتيل، وأكثر من 55 ألف جريح، في أكثر من 35 ألف حادث مرور في 2015، حسب الأرقام الرسمية التي قدمتها السلطات.
وصرح وزير الداخلية الجزائري نورالدين بدوي، في 8 مايو/أيار 2015، بأن حوادث المرور كلفت خزينة الدولة في 2014 ما قيمته 108 مليار دينار (نحو مليار دولار) ممثلة في تكاليف العلاج والمتابعة والتأهيل وإعادة التأهيل الطبي.
ووفق ذات الوزير فإن هذه القيمة (مليار دولار) تضاف إليها تكاليف مالية للتعويضات عن حوادث المرور التي تدفعها شركات التأمين، موضحا أن هذه الكلفة بلغت في 2014، أكثر من 45 مليار دينار (قرابة نصف مليار دولار).
وخلال عرض المشروع للمناقشة أمام مجلس النواب نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2016، قال وزير النقل والأشغال العمومية الجزائري، بوجمعة طلعي، إن "النص الجديد تضمن نظاما لرخصة السياقة بالتنقيط (بالنقاط) مع تشديد العقوبات على المخالفين".
وأكد ذات المسؤول على أن "التطبيق الصارم لمشروع القانون الجديد يهدف للحد من تفاقم ظاهرة إرهاب الطرقات في البلاد"، داعيا "السلطات والمجتمع المدني للعمل على تطبيق أحكام القانون على أرض الواقع".
كما يتضمن مشروع القانون الجديد دروسا ودورات تكوينية (تدريبية) لسائقي الشاحنات وحافلات المواصلات العامة للمسافرين، خصوصا أن هذا النوع من المركبات متهم بكونه يتسبب في أغلب الحوادث المميتة في الجزائر.
وأقر النص الجديد غرامات مالية على السائقين الموصوفين بـ"المتهورين" تتراوح من 10 آلاف إلى 50 ألف دينار جزائري (ما بين 100 إلى 500 دولار) وعقوبة السجن النافذ من 6 أشهر إلى عامين.
وألزم النص الشريعي المصادق عليه بمجلس النواب السائقين باحترام شديد وصارم للحمولة بالنسبة للشاحنات، وساعات الراحة ونظام المناوبة لحافلات المواصلات العامة فيما يخص نقل المسافرين على المسافات الطويلة.
وعلى مدار أكثر من 10 سنوات لم تفلح السلطات الجزائرية في كبح تنامي حوادث المرور؛ حيث بقيت حصيلة الوفيات في حدود 4 آلاف قتيل حسب أرقام الجمعية الجزائرية للسلامة المرورية (مستقلة).
وينص القانون المنظم لحركة المرور سابقا، على مخالفات مالية في حدود 4 آلاف دينار كحد أقصى (قرابة 40 دولار) وسحب فوري لرخصة السياقة للمخالفين تصل أحيانا إلى 6 أشهر.
وفي السياق، قال رئيس الفدرالية الجزائرية لمدارس تعليم السياقة (مستقلة) زين الدين عودية، للأناضول، إن "الجزائر منذ سنوات لم تقدم على سن قانون جيد مثل قانون المرور الجديد (مشروع القانون)".
وتوقع عودية أن "تتراجع حوادث المرور في الجزائر بنسبة 70% على الأقل جراء تطبيق هذا القانون والتدابير التي جاء بها".
وأوضح أن "المخالفين سيفكرون مرات عديدة قبل الإقدام على مخالفة القانون نظرا للمخالفات المالية المرتفعة، ويضاف إليها سحب 6 نقاط لعدم احترام إشارة التوقف الإجباري (قف)".
ولفت إلى أن "التدابير الجديدة في هذا القانون ستخفض بنسبة 70% العمل بالمحسوبية في استرجاع رخص السياقة أو ما تعلق بامتحانات الحصول على رخص السياقة من المدارس".
وأشار المتحدث بهذا الخصوص إلى أن "تحرير المخالفة وخصم النقاط من صاحب الرخصة سيتم آنيا وفي نفس اللحظة، ولن يكون هناك مجال للوساطات والمعارف الشخصية لتجنب ذلك".
ولفت إلى أن "خزينة الدولة ستتدعم أيضا بمداخيل مالية جراء القيمة المالية للمخالفات التي تم مضاعفتها".
ووفق رئيس فدرالية مدارس تعليم السياقة الجزائرية، فإن النص الجديد أقر ولأول مرة غرامات على الراجلين (المارة) عندما لا يحترمون قانون المرور وخصوصا الإشارات، وتتراوح ما بين ألفين إلى 5 آلاف دينار (20-50 دولار تقريبا).
وحسب المتحدث فإن "الغرامات تتعلق أساسا بمخالفات عدم المشي على الرصيف المخصص للمارة، وكذلك قطع الطريق من غير الممر المخصص لهم".
وستمس الغرامات أيضا حسب عودية: "المارة الذين لا يحترمون الإشارة الضوئية في التقاطعات، وأيضا الذين لا يقطعون الطريق عبر الممرات العلوية (الجسور) المخصصة لهم".
بدوره صرح رئيس الجمعية الجزائرية للسلامة المرورية ( مستقلة) علي شقيان، للأناضول، أن "هذا القانون سيساهم بقوة في التقليل من حوادث المرور بالجزائر، بالنظر إلى أن كل الإجراءات التي اتخذت سابقا فشلت في تخفيض عدد الحوادث والضحايا والمصابين".
وبحسب شقيان، فإن "حصيلة الحوادث للأشهر الـ11 الأولى من 2016، فاقت 3 آلاف و900 قتيل، مقابل 4 آلاف و610 خلال 2015، ومن المرجح حسبه أن تتخطى حاجز 4 آلاف عند الانتهاء من إعداد الحصيلة السنوية".
وقال إن "4 آلاف قتيل سنويا رقم كبير ويجب وضع حد لهذا".
وأضاف أن "الجزائر تسجل معدل قتلى بـ10 وفيات يوميا جراء إرهاب الطرقات".
وتابع: "هناك عزم من الدولة على مكافحة هذه الظاهرة من خلال إنشاء مجلس وطني للسلامة المرورية ينسق بين القطاعات وفق إستراتيجية وطنية واضحة لمكافحة حوادث المرور".
وبرأي شقيان، فإن "القانون الجديد تضمن جانبين؛ الأول ردعي ضد المخالفين، والثاني تربوي يتعلق بإعادة النظر في منظومة التكوين (التدريب) للحصول على رخصة السياقة ويستثمر في العامل البشري".
ووفق المتحدث فإن "هذا القانون يمنح مصداقية كبيرة لرخص السياقة المسلمة للمواطنين؛ حيث يقلل بنسبة كبيرة جدا من المحسوبية والوساطات لأن جزء من الاختبارات يتم بواسطة الحاسوب".
وأوضح رئيس الجمعية الجزائرية للسلامة المرورية أن "القانون يتضمن نظام التنقيط بالنسبة لرخص السياقة، والنقاط التي تخصم من رصيد أي شخص لن تعود له إلا بعد إثبات حسن السلوك والقيادة خلال عامين".
واعتبر شقيان أن "العمل بالنقاط المخصومة سيحسن كثيرا سلوكات السائقين، الذين سيكون حرصهم كبيرا على تطبيق القانون مخافة فقدان نقاط من رصيدهم".
وكشف المركز الجزائري للأمن والوقاية عبر الطرق (هيئة حكومية) مطلع ديسمبر/ كانون الثاني 2016، أن 33%، من حوادث المرور المسجلة خلال 10 أشهر من السنة كانت بفعل النوم أثناء السياقة.
ولفت ذات المركز، خلال مؤتمر خصص لأمراض النوم في الجزائر، أن "نحو ألفين و500 حادث سير كان سببه النوم أثناء سياقة المركبات"، داعيا إلى "جعل تأثير أمراض النوم خلال السياقة في نفس الخانة مع المخدرات والكحول".
ومتفقاً مع سابقيه، قال محمد مساوجة، رئيس لجنة النقل في المجلس الشعبي الوطني، للأناضول، أن "التدابير المتخذة في هذا القانون، ستؤدي لا محالة إلى تخفيض حوادث المرور، أو توقيفها، والإجراءات مهمة خاصة ما تعلق برخصة السياقة بالتنقيط".
تشديد العقوبات على مخالفات القيادة، تلقى قبولا في الشارع الجزائري أيضا.
وفي هذا الصدد، قال مواطن من العاصمة للأناضول: "أنا مع رفع الغرامات المالية، لو كان الأمر بيدي لرفعت الغرامات إلى 100 ألف دينار ( حوالي ألف دولار)؛ لأن ضرب جيب المواطن (أمواله) هو الحل".
وقال آخر "أنا مع تطبيق القانون على الجميع، وليس على الضعفاء فقط؛ فحتى لو كان مسؤولا فعليه أن يدفع الغرامة لو ارتكب خطأ، أما إذا طبق على المواطن الضعيف فقط فلن يتغير شيء".
news_share_descriptionsubscription_contact


