15 مايو 2019•تحديث: 15 مايو 2019
بيروت / وسيم سيف الدين / الأناضول
بين الخامس عشر من مايو/ أيار 1948 أو يوم "النكبة" الفلسطينية، ومحنة اللجوء وحاضره في لبنان، تنساب حياة إردينج سليمان، حفيد الضابط التركي زكي سليمان، الذي جاء إلى فلسطين من إسطنبول في عهد الإمبراطورية العثمانية.
تواريخ تضبط توقيت عقل "إردينج" على إحداثيات فاصلة في حياته بشكل خاص والتاريخ الإنساني بشكل عام، فلقد كان من بين المهجّرين قسرا من مدينة عكا الفلسطينية إلى جنوب لبنان، عقب أحداث النكبة.
لم يكن الرجل المسن بحاجة للكثير من الكلام، فتجاعيد وجهه تروي تفاصيل 72 عاما من حياته، ونظراته وكل قسمات ملامحه كانت تتحدث أكثر مما يفعل لسانه.
ففي حديث مطوّل مع الأناضول، يسرد إردينج ذكريات حياته في فلسطين ونكبتها، وصولا إلى لجوئه إلى لبنان حيث يعيش حاليا في مدينة بعلبك (شرق) مع زوجته الفلسطينية وثلاثة أبناء.
عادت به الذاكرة إلى جده الذي كان يعمل طبيب عيون في عهد الإمبراطورية العثمانية، وضابطًا جرى إرساله من إسطنبول للدفاع عن القدس من هجمات العصابات الصهيونية آنذاك، حيث عاش الأخير في مدينة عكا.
وعقب إكماله الخدمة العسكرية، قرر جده البقاء في فلسطين، وافتتح عيادة داخل منزله الكبير، وهو القصر البلدي الحالي لمدينة عكا، والذي احتلته إسرائيل.
كان لجده سليمان ثلاثة أبناء، صبحي ومظفر وساكيد، بينهم والده الذي تزوّج ابنة عمه من إسطنبول، وكان والد إردينج مديرا لجمارك عكا، وروى له الأحداث الأليمة من تاريخ فلسطين في عهد الانتداب البريطاني قبل الاحتلال الإسرائيلي.
وبذات النبرة الرتيبة، يكمل إردينج: "أنشأ والدي نادي للكشافة في عكا، أطلق عليه اسم نادي عمر بن خطاب، ولذلك كانوا ينادوني باسم عمر لأنهم لم يتمكنوا من نطق اسمي الحقيقي".
ويشير أنه كان صغير السن في ذلك الوقت، غير أن حياته كانت "رائعة" وفق ما أخبره أهله لاحقًا، حيث كانوا يملكون منزلا كبيرا وحديقة ولديهم معلمة خاصة تعلم أمه اللغة العربية.
وبالنسبة له، فإن "الحياة في فلسطين كانت جميلة جدا حتى مجيء البريطانيين بالعصابات اليهودية والصهيونية وعصابات الهاغاناه، التي ارتكبت أبشع المذابح بحق الفلسطينيين لتهجيرهم من أرضهم".
و"الهاغاناه"؛ منظمة صهيونية تأسست بمدينة القدس عام 1921، وهي تكتّل عسكري تشكل خلال الانتداب البريطاني على فلسطين بالفترة السابقة لإعلان "دولة إسرائيل".
وعن تلك الفترة، يقول إردينج، إنه لم يكن لدى الفلسطينيين سلاح، فبدؤوا بجمع الذهب من النساء لشرائه من لبنان، في محاولة للدفاع عن أنفسهم وأسرهم من هجمات العصابات الصهيونية.
وبانتشار أخبار عن المجازر المرتكبة حينها من العصابات الصهيونية، في دير ياسين وكفر قاسم وغيرها من المناطق الفلسطينية، بدأ الناس بالفرار على متن شاحنات صغيرة إلى جنوب لبنان، وتمركزوا في مناطق بنت جبيل والنبطية، بحسب المتحدث.
ويتابع: "أنا وجدي وعمي وزوجته وأمي وأختاي ليلى وسيوين، كنا من بين المهجّرين على متن شاحنة إلى جنوب لبنان، وتحديدا إلى مدينة النبطية".
ويضيف: "قامت الأمم المتحدة عام 1948، بإنشاء خيام للمهجرين، لكننا توجهنا إلى العاصمة بيروت، وأقمنا بشقة في منطقة برج البراجنة (مخيم للاجئين الفلسطينيين حاليا)، بما أن عائلتي كانت ميسورة".
ومع بداية الهجرة، عمل والده ضابطا جمركيا على الحدود اللبنانية السورية، قبل أن ينضم في وقت لاحق للأمم المتحدة، والعمل في منظمتها لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".
واستمرت حياة اردينج مع عائلته في بيروت لحين بدء ما سمي حينها بحرب المخيمات عام 1985، وتواصل الأمر حتى 1988 حين توفي والده، وتزوجت أخواته البنات، ليتقلص عدد أفراد أسرته إلى والدته وشقيقه الأصغر الذي ولد في لبنان.
وبعد اشتداد المعارك في حرب المخيمات، انتقل اردينج ووالدته إلى منطقة "الحمراء" في بيروت، وعمل على آلة كاتبة في إحدى الصحف المحلية، إثر مقتل شقيقه الأصغر أردوغان في "برج البراجنة".
وعن تلك الفاجعة يقول: "قرأت في جريدة النهار، خبر مقتله على يد إحدى الميلشيات اللبنانية بعد خطفه من منزله، بالتزامن مع اشتداد المعارك في بيروت بين الميليشيات".
ومن بين الدموع، تعالت كلماته متقطعة، وهو يروي حادثة مقتل شقيقه مستحضرًا المشهد بجميع تفاصيله: "كان أخي يعد الإفطار مع أمي، فلقد كان شهر رمضان، حين جاءت عناصر ميليشيا لبنانية واستدعت شقيقي إلى مركزها لتعدمه هناك".
ويضيف: "لم يكتفوا بذلك، بل أحرقوا المنزل واحتلوه".
وبالنسبة له، فإن "الفلسطينيين الذين هربوا من المجازر الصهيونية في بلادهم، عادوا ليلقوا ذات المصير في مخيمات لبنان، ولكن على أيدي ميليشيات تساعدها إسرائيل، فكانت مجزرة صبرا وشاتيلا (مذبحة بالمخيمين الذين يحملان الأسماء نفسها)".
أما والدته التي كانت تعاني مرضا مزمنا حينها، فقد عانت كثيرا عقب مقتل نجلها الأصغر. وخوفا عليها، خصوصا أنها لم تكن تتحدث العربية بطلاقة، أرسلها إردينج لتقيم عند شقيقته في منطقة البقاع اللبناني (شرق) وبقيت هناك حتى وفاتها.
وفي تلك الفترة، كان التنقل بين المناطق اللبنانية صعبا جدا، وفق أردينج الذي عزا ذلك الأمر إلى انقسام البلاد.
ويشير أنه حين ذهب لرؤية والدته من بيروت إلى البقاع حيث يوجد الكثير من حواجز الميليشات الطائفية على الطرقات، لم يحمل أي أوراق ثبوتية، معتبرا أن الهوية الفلسطينية كانت بمثابة "جواز سفر إلى الموت".
وعن عمله في الصحافة، يقول إن ذلك فرضته ضرورة إعالته لأسرته، حيث كان الفلسطيني بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في 1990 ممنوعا من مزاولة الكثير من المهن وكان مجال عمله محدود جدا.
ولاحقا، عمل إردينج بقطاع التعليم، وتحديدا في مدرسة خاصة في منطقة البقاع، ولا يزال بعمله إلى يومنا هذا، حيث منع في السابق من العمل بالمدارس الحكومية باعتباره فلسطينيا.
ويطلق الفلسطينيون مصطلح "النكبة" على عملية تهجيرهم من أراضيهم على يد "عصابات صهيونية مسلحة"، عام 1948، ويحيونها في 15 مايو/ أيار من كل عام.