Leila Thabti
15 يناير 2016•تحديث: 16 يناير 2016
تونس/ سعيدة شرف الدين/ الأناضول
تدخل الثورة التونسية عامها الخامس، وقد خفت تألقها في شارع الحبيب بورقيبة،سط العاصمة، حيث كان يوم 14 يناير 2011، شاهدا على وحدة التونسيين وتكاتفهم من أجل إسقاط الـ "دكتاتور" زين بن العابدين بن علي، بصرخة واحدة وثائرة، رددتها الحناجر: "ارحل".
فالحواجز الحديدية الممتدة على طول الشارع، والشاهدة على التدابير الأمنية الصارمة، أفقدت الاحتفالات بريقها، لولا تلك الرايات المرفرفة، والمعلّقة بانسجام بين الأشجار، والفرق الموسيقية الشبابية التي عزفت ورقص أفرادها على أنغام موسيقى "الراب"، دون ذلك الحماس المعهود، أو تلك الأغاني المحتفية بالثورة وبمجد تونس.
وبدا أنّ قلوب التونسيين لا ترنو، هذا العام، للاحتفال بهذا اليوم من يناير/ كانون الثاني، والذي لا يعرف له شتاء ولا ينتمي لأي "ربيع" سواء كان "تونسيا" أو "عربيا"، كما أنّ مخاوفهم من عودة الدكتاتورية التي أسقطتها الثورة، عادت مرتدية أقنعة أكثر قبحا وبشاعة، فلقد أضحوا مروّعين من الإرهاب الذي أطلّ برأسه من جديد، منذ حوالي شهرين، وعلى بعد 200 متر فقط من شارع الحبيب بورقيبة، ومن المستقبل والفقر، والخوف من الآخر ومن العدوّ السياسي.
ورغم محاولات التونسيين، خلال السنوات الخمس الماضي، التأقلم مع فكرة المحن السياسية، إلاّ أنّ مجهوداتهم أحبطتها الخطوات المتعثّرة لأصحاب القرار، ضمن مقاربة عكسية احتلّ فيها العدو مكان الخصم السياسي.
وصفق التونسيون والعالم بأسره طويلا لنجاح المسار الديمقراطي في البلاد، والذي توج، مؤخرا، بجائزة نوبل للسلام. مسار لم يخل من سلسلة من المآزق والمحن التي كادت أن تعصف بهذه الديمقراطية الناشئة. نقاط مضيئة تتحدّى الضبابية التي تخيّم على المشهد جراء تتالي الأحداث المؤلمة، لم تفلح في خلق أرضية صلبة لإحداثيات لازالت تطفو فوق رمال متحركة، كان لا بد وأن تقود نحو اهتزاز مؤسسات أضحت غير قادرة على تقديم ضمانات من أجل إنهاء بلوغ أهداف العملية الديمقراطية وتحقيق ديمومتها.
فالانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أجريت في خريف 2014، حملت للتونسيين رسائل عديدة أبرزها قدرتهم على تحقيق التداول السلمي على السلطة دون اشتباكات أو سفك للدماء، كما حدث في دول أخرى، غير أنه سرعان ما اتضح أن ما حدث ليس سوى خدعة مضللة، تخفي خلفها ضبابا ورعدا.
فتونس التي توقّع لها مراقبون مسارا ديمقراطيا ناجحا، تشهد، مؤخرا، صراعا بين شقين داخل حزب "نداء تونس"، الفائز بالانتخابات البرلمانية والرئاسية في 2014، أحدهما يتزعمه حافظ قايد السبسي، نجل الرئيس الباجي قايد السبسي، انتهى بانقسام الحزب واستقالة ربع نوابه في البرلمان.
وعقد "نداء تونس"، الأحد الماضي، مؤتمره، وتسلم حافظ قايد السبسي زمام السلطة التنفيذية والتشريعية صلبه، بدعم من والده الرئيس، وبدعم من راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، صاحبة المركز الثاني في الانتخابات العامة الماضية.
هذا المؤتمر دق ناقوس النهاية بالنسبة لحزب "نداء تونس"، حتى أنه لم يعد بالإمكان إحصاء عدد نوّابه بالبرلمان، والذين إما قدّموا استقالاتهم أو علّقوا عضويتهم فيه، موجهين له اتهامات لاذعة بـ "الانحراف عن خطه السياسي" وبتحضير "انقلاب" لمصلحة نجل الرئيس. مدّ وجزر وتحولات قد تزلزل البرلمان، في صورة انتقال الأغلبية، حتى وإن كانت نسبية، من حزب نداء تونس إلى النهضة- رغم تاكيده ددعم نداء تونس شريكه في الحكم - أو لصالح تحالفات أخرى، ما يتناقض مع إرادة الناخبين، يضاف إلى كل ذلك حالة الارتباك التي يعيشها عشرات النواب ممّن تم انتخابهم على أساس قوائم حزبية معينة، ليجدوا أنفسهم مجبرين علىتبني لون سياسي جديد يمنحهم حقّ البقاء في البرلمان.
تغيّرات جذرية ومعادلة جديدة أصابت أنصار نداء تونس بذهول مردّه عجزهم عن إيجاد تفسير مقنع لما اعتبروه "تضليلا" أو "غشا"، في حين ينتظر بقية المهتمين بالشأن السياسي في البلاد، مسرورين أو محبطين، ما ستؤول إليه الأحداث في خضمّ السيناريوهات العديدة التي تطرح نفسها في السياق الحالي. فهل سيتمكن الرئيس الباجي قايد السبسي ومؤسس حزب نداء تونس من الصمود، بعد فقدان حزبه للأغلبية البرلمانية، إضافة إلى حاجز العمر؟ وهل سيتمسك الحزب بمقاليد الحكم مهما كلفه الأمر؟ وهل تمد حركة النهضة يد العون لحزب النداء، أم تتخلى عنه؟ وهل ستعود البلاد إلى عهد التوريث السياسي، والذي خيّل للتونسيين أنه ولّى ولن يعود؟.
غموض يلف المشهد السياسي، إضافة إلى وجود العديد من الثغرات القانونية، والكثير من التسويات السياسية، تحت مسمى "التوافق"، يجعل من العملية السياسة في تونس مبنية على التكهنات ورهينة الإشاعات، ما قد يضعف هذه الديمقراطية الناشئة ويعرقل عمل حكومة لم تفعل شيئا، خلال أكثر من عام على تشكيلها، سوى إدارة "الأزمات" ورأب الثغرات الجديدة.
وفي ما اعتبره كثيرون إقرارا ضمنيا منه بفشل الحكومة، أعلن رئيس الوزراء التونسي، الحبيب الصيد، في الـ 6 من يناير/كانون الثاني الحالي، تعديلا وزاريا واسعا، مدفوعة بالإرادة لحماية "المصلحة العامة وتعزيز العمل الحكومي"، على حد تعبيره، وليس بسبب الحسابات السياسية الضيقة. وشمل التحوير 32 حقيبة وزارية، بينها الداخلية والخارجية والعدل.
عواصف سياسية تتوالي لتزرع في قلوب التونسيين المزيد من مشاعر الخوف مع كلّ رجّة جديدة تكبح مساعيهم نحو بناء ديمقراطية دائمة، لكن الأسوأ بل الأكثر ألما من كل ذلك، هو ذلك "الحنين" إلى الدكتاتورية من جديد، والذي يدغدغ مشاعر البعض منهم كلما هبّت عاصفة على البلاد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
أعدته للنشرة العربية: إيمان الساحلي