رام الله / قيس أبو سمرة / الأناضول
* متحدث "فتح" بالضفة حسين حمايل:تتجه الأنظار، الخميس، إلى العاصمة الروسية موسكو، حيث تلتقي الفصائل الفلسطينية في مسعى جديد لإحداث اختراق في ملف المصالحة الفلسطينية المتعثرة منذ 17 عامًا.
يأتي اللقاء وسط تصريحات إيجابية أدلت بها قيادات من فصائل فلسطينية، بينها طرفا الانقسام الرئيسيان حركتا "حماس" و"فتح"، للأناضول. تصريحات تعد بمرونة في المواقف وتبدي رغبة في إنجاح اللقاء وإنهاء الانقسام، معتبرة ذلك خطوة حتمية في ظل الحرب الإسرائيلية الحالية على قطاع غزة، والتطورات الراهنة التي تُهدد بتصفية القضية الفلسطينية.
فيما أبدى محلل سياسي فلسطيني، في حديث مع الأناضول، تفاؤلا حذرا بشأن مخرجات اللقاء، متوقعا أن يسفر عن خطوات إيجابية من قبيل ترتيبات لحكومة تكنوقراط موحدة، وخطاب فلسطيني موحد بشأن الدولة، وحتى إعادة تفعيل الإطار القيادي الموحد لمنظمة التحرير الفلسطينية، لكنه استبعد أن ينتج عنه تغير جذري في العلاقة بين الفصائل.
وتعاني الساحة الفلسطينية من انقسام سياسي وجغرافي منذ عام 2007، حيث تسيطر "حماس" وحكومة شكلتها على قطاع غزة، في حين تدير الضفة الغربية حكومة شكلتها حركة "فتح" بزعامة الرئيس محمود عباس.
وعلى مدى سنوات طويلة، انعقد العديد من اللقاءات والاجتماعات بين الفصائل الفلسطينية من أجل إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، كان آخرها اجتماعات في الجزائر في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، ولقاء بمدينة العلمين المصرية في 30 يونيو/ تموز 2023، دون أن تُسفر عن خطوات عملية جادة لتحقيق ذلك.
وفي مسعى جديد، أعلنت روسيا في 16 فبراير/ شباط الجاري أنها دعت قادة الفصائل الفلسطينية -بما فيها "فتح" و"حماس"- إلى محادثات في موسكو يوم 29 من الشهر نفسه "ستمتد حتى الأول أو الثاني من مارس/آذار المقبل"، وفق ما صرح به ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي.
** فتح : جاهزون لأي اتفاق
من جانبه، أوضح الناطق باسم حركة فتح في الضفة الغربية حسين حمايل أن وفد الحركة إلى لقاء موسكو يضم عضوي اللجنة المركزية عزام الأحمد وسمير الرفاعي.
وفي تصريحات إيجابية قبيل اللقاء الوشيك، أكد حمايل، للأناضول، أن "فتح جاهزة لأي اتفاق وتبدي مرونة لتنفيذه على الأرض، ضمن شرطين أولهما استقلالية القرار الوطني، والتمسك بالثوابت الوطنية".
وأضاف: "الوضع اليوم بات أكثر صعوبة في ظل الحرب (الإسرائيلية) على شعبنا، وإنهاء الانقسام بات أمر حتمي يجب أن يكون في عقيدة كل فصيل فلسطيني".
وتابع مشددا: "يجب إنهاء الانقسام الذي أضر بالقضية الفلسطينية ويؤثر سلبا على تضحيات شعبنا".
ووجه حمايل رسالة من حركته إلى "حماس"، قال فيها: "من هنا باسم فتح ندعو حماس إلى الجدية في التعامل مع الأمر، بعيدا عن النمط القديم المتمثل بخلق مبررات على الأرض لاستدامة الانقسام (على حد وصفه)".
وأضاف: "القضية الفلسطينية في مرحلة خطيرة للغاية، ويجب أن نكون موحدين للحفاظ على مشروعنا الوطني".
ويأتي الاجتماع في ظل حرب إسرائيلية مدمرة على قطاع غزة دخلت شهرها الخامس على التوالي، وبعد أيام من تقديم رئيس الحكومة الفلسطينية محمد اشتية استقالة حكومته وقبول الرئيس عباس لها.
** حماس: نأمل في تشكيل قيادة موحدة
بدوره، أعرب النائب السابق بالمجلس التشريعي الفلسطيني (البرلمان) عن حركة حماس، أيمن دراغمة عن الأمل في نجاح اللقاء.
وقال دراغمة للأناضول: "نأمل أن ينجح اللقاء في تشكيل قيادة فلسطينية موحدة تقود المرحلة الراهنة من أجل وقف العدوان على غزة، وتقود القضية وقضايا الهم الفلسطيني".
وحول تصوره للحل، قال: "أرى أن الخطوة الأولى قبل تشكيل حكومة تكنوقراط هو تشكيل إطار قيادي وطني موحد يضم الكل الفلسطيني، ويصبح هذا الإطار القيادي بمثابة الغرفة المشتركة للقيادة الرسمية المرحلية للشعب حتى يتم إجراء انتخابات".
وأضاف: "المطلوب أن يذهب الجميع إلى موسكو دون شروط، وكل من لديه رؤية يطرحها، وأنا أجزم أن هناك شبه إجماع عند الجميع أننا بحاجة إلى تلك القيادة الموحدة".
وتابع: "يجب أن تنخرط القيادة الموحدة في تحمل مسؤولية ما يجري في غزة، ويجب يكون لها دور في التصدي للعدوان (الإسرائيلي)".
وتتمحور الخلافات السابقة بين "فتح" و"حماس"، التي عرقلت المصالحة لسنوات، في نقاط عدة. يبرز من بينها الانتخابات حيث تريد "حماس" انتخابات برلمانية يتبعها رئاسية ومجلس تشريعي (البرلمان) ومجلس وطني (برلمان منظمة التحرير)، وهو ما ترفضه "فتح" وتقول لا انتخابات دون القدس التي ترفض إسرائيل عقدها هناك.
فيما تطلب "فتح" من "حماس" الاعتراف بالاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير بما فيها أوسلو، وهو ما ترفضه الأخيرة. كذلك، تطالب "فتح" بأن تكون كافة الأجهزة الأمنية في غزة والضفة تحت مظلة وزارة الداخلية بحكومة الوحدة، وعدم وجود سلاح إلا سلاح الحكومة، وهو ما ترفضه "حماس". يضاف إلى ذلك خلافات بشأن موظفي الحكومة الذين عينوا خلال الانقسام من قبل "حماس".
** الجبهة الديمقراطية: قطع الطريق على واشنطن
أما ماجدة المصري، القيادية في "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" (إحدى فصائل منظمة التحرير)، فوصفت لقاء موسكو بأنه "هام للغاية"، لافتة إلى أنه الاجتماع الأول لجميع الفصائل الفلسطينية، بما فيها فصائل منظمة التحرير وحركتا "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي خلفت عشرات الآلاف من الضحايا معظمهم أطفال ونساء، وفق بيانات فلسطينية وأممية.
وقالت للأناضول: "اللقاء والدعوة الروسية تقطع الطريق على واشنطن وعلى تفردها في إدارة الملف الفلسطيني من خلال مخططاتها لليوم التالي للحرب على غزة".
وحول أجندة اللقاء، أضافت المصري إنه سيبحث "توحيد الموقف الفلسطيني في ظل حرب الإبادة والتجويع الإسرائيلية" على غزة.
ومضت: "من المهم الخروج من اللقاء بشراكة وطنية؛ أي توحيد الموقف السياسي الفلسطيني المتمثل بمنظمة التحرير، والميداني الذي يخوض المعارك".
وأوضحت أن "توحيد موقف الفصائل من شأنه قطع الطريق على كل السيناريوهات والاستفراد والتعاطي بازدواجية مع التمثيل الفلسطيني".
وتابعت: "كل ما هو مطروح من حلول لليوم التالي للحرب ذو طبيعة خطيرة، والأمر الرئيسي لنا هو توحيد الموقف والخطاب من الجميع، وأن تكون منظمة التحرير المرجعية على قاعدة الكل الوطني".
واستطردت: "ما يجري من حوار في عواصم مختلفة، بما فيها القاهرة والدوحة وباريس قطر، لبحث اليوم التالي للحرب، بما فيها صفقة تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، يجب أن يكون هناك موقف فلسطيني موحد إزائه يحافظ على الثوابت الفلسطينية واستقلالية الموقف".
واستطردت: "يجب أن نكون موحدين في موقفنا ورؤيتنا أمام جميع الأطراف الإقليمية والدولية وحتى أمام الاحتلال، موحدين في تشكيل حكومة كفاءات بتوافق وطني من كل الفصائل بمرجعية منظمة التحرير".
القيادية الفلسطينية أشارت إلى أن اللقاء مهم أيضا لقطع الطريق على تصفية القضية الفلسطينية، وتهجير الفلسطينيين.
وفي الآونة الأخيرة، تزايد الحديث عن خطط إسرائيلية وأخرى أمريكية لليوم التالي للحرب في غزة.
فقد تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن خطة تتضمن تجريد غزة من السلاح بشكل كامل، مع احتفاظ جيشه بحرية غير محددة زمنيا للعمل في جميع أنحاء القطاع "من أجل منع عودة النشاط المسلح"، مع "منطقة فاصلة في الجانب الفلسطيني من الحدود".
ولم تنصّ الخطة على إنشاء دولة فلسطينية، وهو الحلّ الذي دعت إليه واشنطن ولندن وباريس؛ التي تعتبر أن حلّ الدولتين هو الحل الوحيد للنزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل، لكنها تضع قيودا على تلك الدولة تحد من سيادتها.
** تفاؤل حذر
وحول ما يجب أن يكون عليه اللقاء، قال رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل بالضفة الغربية، بلال الشوبكي، إنه "من المفترض أن يكون هناك في اللقاء بحث يتجاوز مسألة إدارة الشأن الداخلي الفلسطيني، وما يتعلق بالقضايا اليومية وإدارة السلطة، إلى مستوى يعيد النظر في الاتفاق الذي أُعلن عنه في العام 2005 بإعادة تفعيل منظمة التحرير على أساس شمولها كافة الفصائل، باعتبار أن التحدي الراهن يتمثل في كيفية مواجهة الموقف الإسرائيلي الواضح جدا الرافض لقيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967".
وأضاف الشوبكي، للأناضول: "في ظل الموقف الإسرائيلي لا بد أن يكون هناك موقف فلسطيني واضح، ويتمتع بأرضية تشارك فيها كل الفصائل؛ باعتبار أن التحديات اليوم ليست مرتبطة بفصيل ما بل هي تمس الكل الفلسطيني".
وحذر من أن "رؤية إسرائيل تقوم على تقويض أي بنى سياسية فلسطينية، والمطلوب الآن هو تفعيل اندماج الكل الفلسطيني في منظمة التحرير، واجتراح مسار سياسي قادر مواجهة الرؤية الإسرائيلية".
الشوبكي أبدى تفاؤلا حذرا بشأن نتائج لقاء موسكو، وقال: "أتوقع يكون هناك ترتيبات لحكومة تكنوقراط، وخطاب فلسطيني موحد بشأن الدولة وربما التأكيد على إعادة تفعيل الإطار القيادي الموحد".
وأضاف مستدركا: "لكن لا يوجد مؤشرات على أن اللقاء سيقود إلى تغير جذري في العلاقة بين الفصائل".
** علاقة موسكو بالفلسطينيين
وعلى مدار سنوات طويلة، احتفظت السلطة الفلسطينية وحركتا "حماس" و"فتح" وفصائل فلسطينية أخرى بعلاقات جيدة مع روسيا، ولطالما طالب الرئيس عباس أن تكون روسيا ضمن دول وأطراف راعية لأي مفاوضات مع إسرائيل ورفضه الرعاية الأمريكية الحصرية والتي امتدت لسنوات.
وكانت موسكو استقبلت وفدا من "حماس" في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بعد أسابيع من اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة.
وعلى إثر ذلك، استدعت إسرائيل السفير الروسي لديها أناتولي فيكتوروف؛ احتجاجا على تلك الخطوة.
وفي 19 يناير/ كانون الثاني 2024، التقى وفد من حركة "حماس" برئاسة رئيس مكتب العلاقات الدولية في الحركة موسى أبو مرزوق، المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، في مقر وزارة الخارجية الروسية في موسكو.
وخلال اتفاق الهدنة التي استمرت لمدة أسبوع حتي مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2023، وشملت تبادلاً للأسرى بين "حماس" وإسرائيل، أفرجت الأولى عن 3 محتجزين لديها يحملون الجنسية الروسية، استجابة لجهود الرئيس فلاديمير بوتين وتقديرًا لموقف بلاده تجاه القضية الفلسطينية.
news_share_descriptionsubscription_contact
