أنقرة / افتخار جيلاني / الأناضول
عبد الغني شيخ، المؤرخ والمؤلف الهندي البارز يتحدث للأناضول عن لاداخ، مركز التوتر بين الصين والهند:
- اللغة التركية، بسبب الروابط التجارية والحضارية، الثانية في لاداخ، حتى قرن من الزمان
-لاداخ كانت مركز اللعبة الكبرى أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20 بين البريطانيين والصينيين والروس
- تمتعت المنطقة بمكانة خاصة لأنها قدمت لجنوب آسيا وصولا بريا مباشرا إلى مدن يرقند وختن بتركستان
- سهلت حركة البضائع والتجار والمستكشفين والجنود عبر طرق مختلفة تمر عبر الجبال
وبحسب سليم بيغ المدير العام السابق لادارة السياحة في جامو وكشمير:
- استقر بعض التجار الأتراك، وجميعهم مسلمون، في ليه وتزوجوا من نساء لاداخ
- أُدخل العديد من الكلمات التركية في اللغة منطقة لاداخ وأصبحت جزءا منها إلى اليوم
لا يدرك كثيرون أن منطقة "لاداخ"، الواقعة على قمم جبال في كشمير، كانت ذات يوم بؤرة انصهار للروابط بين شبه القارة الهندية، وتركستان، والتبت، والصين.
"لاداخ" يُطلق عليها اسم "الصحراء الباردة"، وحتى العام الماضي كانت جزءا من جامو وكشمير المتنازع عليها، ومؤخرًا برزت في عناوين الأخبار الرئيسية، بعد تأجج التوتر بين الصين والهند واشتباك جيشيهما عليها.
ووفقا لتعداد العام 2011 الذي أجرته الهند، تضم منطقة لاداخ 274 ألفا و289 نسمة، 46.40 بالمئة منهم مسلمون و36.65 بالمئة بوذيون.
وحسب المؤرخ والمؤلف الهندي البارز عبد الغني شيخ، فإن اللغة التركية، كانت سبب الروابط التجارية والحضارية، والتي تعد اللغة الثانية في منطقة لاداخ، حتى قرن من الزمان.
ويقول "شيخ" وهو من سكان لاداخ، وشغل منصب مساعد مدير بوزارة الإعلام سابقا بجامو وكشمير، إن "منطقة لاداخ كانت مركز اللعبة الكبرى أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20 بين البريطانيين والصينيين والروس".
ويضيف في حديثه للأناضول، أن المنطقة تمتعت بمكانة خاصة لما قدمته لجنوب آسيا من مسالك برية مباشرة مع مدن يرقند وختن بتركستان، وما سهلته من حركة البضائع والتجار، وقدوم المستكشفين والجنود عبر طرق مختلفة تخترق الجبال.
وعلى عتبات المساجد التاريخية والأديرة البوذية، في المنطقة، يجلس كبار السن يكتنفهم الحنين وتدمع أعينهم لذكر تركستان ويرقند وكاشغر، ولاسا، عاصمة منطقة التبت ذاتية الحكم في الصين، بحسب "شيخ".
بدوره، يقول رينشن دولما، الباحث بمركز دراسات آسيا الوسطى في جامعة كشمير، للأناضول إن أمكن "إعادة فتح ممر كاراكورام سيكون ذلك مفيدا جدا لمنطقة لاداخ، وسيجعلها مركزا تجاريا رئيسيا كسابق عهدها".
ويربط ممر كاراكورام (بالتركية تعني الحصى السوداء) دول الهند والصين وباكستان، وهو منطقة محايدة متنازع عليها ومغلقة إلى يومنا هذا.
** أحداث 1947 عزلت المنطقة
قادت أحداث العام 1947 التي قسمت شبه القارة الهندية لدولتي الهند وباكستان، إلى أن تصبح المنطقة الجبلية التي تمتد من لاداخ حتى الأراضي الباكستانية (جيلجيت وبالتستان وهونزا وشيترال)، والأراضي التي تسيطر عليها الصين (أكساي تشين)؛ أطرافا حيادية ومعزولة عن العالم.
ويذكر سليم بيغ، المدير العام السابق لإدارة السياحة في جامو وكشمير، مؤرخ ومنظم صندوق الفن والتراث الثقافي، إن اللغة التركية ظهرت كلغة مشتركة واكتسبت شعبية في "ليه" (مركز لاداخ) ونوبرا، القرية التي كانت في طريق ليه المؤدية إلى يرقند.
واستقر بعض التجار الأتراك، وجميعهم مسلمون، في ليه وتزوجوا من نساء لاداخ، وقد نمت هذه الأسر، التي تسمى "المسلمين الأتراك" أو "الأرجون"، وتشعبت واندمجت تماما في مجتمع لاداخ، وهناك أعراق أخرى في المنطقة، وهي مونز، والمنغوليين والداردز.
كذلك أُدخلت العديد من الكلمات التركية في لغة لاداخ وأصبحت جزءا منها إلى اليوم، بحسب "بيغ".
وإلى أوائل التسعينات، عاش المسلمون والبوذيون بسلام، حتى أنهم اشتركوا بأسماء مركبة مثل محمد شيرينغ، وكانت تقاليد الزواج بين الطوائف سمة مشتركة آنذاك في القرى الواقعة بين منطقة "ليه" ذات الغالبية البوذية و"كارغيل"، ذات الغالبية المسلمة.
واتخذت العلاقات منعطفا مريرا بعد سلسلة من التحريضات عندما ثار البوذيون ضد حكم سريناغار وطالبوا بإقليم اتحادي (يدار مباشرة من قبل الحكومة)، وكان ذلك في التسعينات.
وقد رفضت الأغلبية المسلمة هذا الطلب، فقام البوذيون بمقاطعة المسلمين، استمرت لسنوات.
وفي العام 1994، أقرت الهند لمقاطعة "ليه" بقدر من الحكم الذاتي كحال سريناغار، وتشكل مجلس لاداخ المستقل للتنمية.
في العام 2003، وسع رئيس وزراء جامو وكشمير آنذاك مفتي محمد سيد، نطاق هذا الإجراء ليشمل كارغيل ذات الأغلبية المسلمة.
وفي العام 2012، وقعت اشتباكات بين المسلمين والبوذيين في منطقة "زانسكار تيسيل" ذات الأغلبية البوذية في مقاطعة كارغيل؛ بسبب أن 22 بوذيا ينتمون إلى 4 أسر اعتنقوا الإسلام.
وفرضت جمعية زانسكار البوذية، إجراء مقاطعة للمسلمين في المنطقة، حتى عام 2015.
** عادات فريدة من نوعها
تعتبر المنطقة موطنا للعديد من العادات الفريدة، بالرغم من أن العديد منها تختفي بسرعة.
ومع حظرها في عام 1950 في القانون، لا تزال بعض المناطق النائية في المنطقة تمارس تعدد الأزواج، حيث للمرأة العديد من الأزواج في ذات الوقت.
وتقول دولما تريسنغ، وهي عاملة في منظمة غير حكومية، أن هذه الممارسة تتم لمنع تقسيم الأراضي الممتلكة.
وتضيف: "في معظم الحالات، يتقاسم شقيقان أو أكثر زوجة واحدة. والسبب الرئيسي هو أيضا انخفاض معدل المواليد في الزيجات، حيث كان العرف أن المرأة تستطيع بذلك إنجاب المزيد من الأطفال".
و تعتبر ممتلكات وادي نوبرا الثمينة، والجِمال ذات الحدبتين، هي آخر ذكريات حية من طريق الحرير، حيث جلب التجار الأتراك هذه الإبل لأول مرة إلى نوبرا عبر الطريق في عام 1870.
** متحف لتصوير العلاقات التركية بالمنطقة
قبل بضع سنوات، حوّل سليم بيغ، بمساعدة السكان المحليين، المنطقة القريبة من مسجد "تسا سوما" الذي يعود للقرن 17 في مقاطعة ليه؛ إلى متحف لعرض الروابط التركية بالمنطقة.
ووفقا لبيغ، استغرق ترميم المسجد 3 سنوات واكتمل بناء المتحف بحلول عام 2014.
هذا المبنى المكون من 3 طوابق مع صالات العرض وأجهزة الإسقاط الضوئي هو تحفة وتمثيل فريد للعمارة التبتية وآسيا الوسطى التقليدية التي بنيت من الحجارة والخشب والطين.
كما تبرعت عائلات الأرغون التركية بالتحف والآثار والمخطوطات للمتحف.
ويحتوي الطابق الأرضي من المتحف على عرض صور لآثار لاداخ القديمة. وقد جاءت أكبر وأهم مجموعة منها من مسجد جاميا، بحسب بيغ.
ويقول المؤرخ عبد الغني شيخ، إن المسجد تم بناؤه في القرن 17، حيث قدم التجار الأتراك الأغنياء سجادا مصنوعا بشكل خاص للمسجد.
** وادي "غالوان" و"دولت بيغ"
وادي "غالوان" الحدودي بين الصين والهند، حديث الأخبار مؤخرا على خلفية المواجهة الجارية بين الهند والصين، قد تم اكتشافه من قبل تركي مسلم يدعى "مسلم غلام رسول غلوان"، الذي رافق البعثات البريطانية وغيرها عبر كاراكورام، والتبت كحمّال.
كذلك، سميت سهول دولت بيغ أولدي، القاعدة العسكرية الأمامية للهند، على اسم السلطان النبيل التركي سعيد خان، الملقب دولت بيغ، من منطقة يرقند.
فقد ذكر النائب السابق بـ "لاداخ" حسن خان، أن قافلة دولت بيغ، علقت في السهول بسبب عاصفة ثلجية بينما كانت عائدة من بعثة عسكرية في لاداخ وكشمير.
وبعد 4 قرون عندما وصل المساح البريطاني الجنرال والتر لورانس، إلى المكان لإعداد الخرائط، وجد عظام بشرية ورفات حيوانات متناثرة في السهول، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون 55 درجة مئوية في فصل الشتاء.
وذكر له السكان المحليون آنذاك أن تلك الرفات تعود لدولت بيغ، من قبيلة ترك أولدلي؛ ومن وقتها أطلق المساح البريطاني على المنطقة اسم "النبيل التركي".
** لعبة كبيرة
وفقا لدولما تريسنغ، بدأ الاهتمام البريطاني في لاداخ مع ما يسمى "اللعبة الكبرى"، التي كانت نتاج المنافسة الشديدة بين بريطانيا وروسيا خلال القرن 19.
وأدى ذلك إلى جعل لاداخ منطقة عازلة (حيادية) لإبقاء العين على روسيا التوسعية.
وعلى حد تعبير تريسنغ، من مصلحة كل من الهند والصين وباكستان أن تدرك الأهمية الاستراتيجية لـ "لاداخ"، لا أن تحارب الروابط المشتركة بل تحييها، لضمان السلام والازدهار والأمن عبر الثقافات.
news_share_descriptionsubscription_contact
