كوالالمبور/ الأناضول
احتفلت باكستان بالذكرى السبعين لاستقلالها عن الهند (14 أغسطس/آب 1947)، وسط تعليقات صحفية وأفلام وثائقية حول موضوع طرح نفسه على الكثير من وسائل الإعلام الدولية، ويدور في معظمه تحت سؤال: "هل كان إقامة دول باكستان أمرا خاطئا منذ البداية ؟".
في مقال بعنوان "مأساة تقسيم الهند.. 70 عاما بعدها"، نشرته وكالة "بلومبرج" الإخبارية الأمريكية، في السادس عشر من الشهر الجاري، دفع الكاتب "نيسيد هاجاري" بأنه ما كان ينبغي أصلا تقسيم الهند، معتبرا أن ذلك كان سببا للشحن الطائفي بين جارتين، إحداهما ذات أغلبية هندوسية (الهند)، والأخرى ذات أغلبية مسلمة (باكستان).
وفي "تقرير خاص" بعنوان "سبعون عاما من العداوة الهندية الباكستانية"، حملت مجلة "إيكونوميست" البريطانية، يوم 22 يوليو/ تموز الماضي، باكستان مسؤولية "العداوة" بين الجارتين الآسيوتين النوويتين.
ولا يجد محللون كثيرون حرجا في وصف باكستان بـ"الدولة الفاشلة"، وهي فكرة يمكن للباحثين أن يجدوا عبر شبكة الإنترنت مقالات ومقاطع فيديو عديدة تروج لها.
مما سبق يمكن استخلاص سؤال، وهو: هل كان ظهور باكستان على خريطة العالم أمرا خاطئأ ؟، لكن هناك سؤال آخر لابد من طرحه، وهو: لماذا تثار مثل تلك التساؤلات حاليا ؟ وما الذي صار خاطئا بالنسبة لباكستان ؟
** لماذا باكستان ؟
يقال إن فكرة باكستان كدولة تم استلهامها من الشاعر الفيلسوف الشهير، محمد إقبال (1873 – 1938).
ففي كلمة ألقاها عام 1930، قدم "إقبال" مقترحاته في هذا الشأن، وأسهب في أفكاره التي أرست بعد ذلك دعائم طلب إقامة باكستان.
ويبدو أن مصدر قلقه الرئيسي كان وضع المسلمين داخل الهند، والتأثير المحتمل للاتجاهات الدينية الهندوسية على الحكم السياسي وانعاكاسات ذلك على المسلمين.
"إقبال" بدأ كلمته بتسليط الضوء على الحاجة إلى قيم ومُثُل أخلاقية للمجتمعات الحاكمة، مع الوضع في الاعتبار تحليل مصير أوروبا، تحت تأثير الحركة الإصلاحية، لأستاذ اللاهوت الألماني، "مارتين لوثر كينج".
ورغم أن نية لوثر كينج لم تكن الحد من تأثير المسيحية في أوروبا، فإن حركته توجت بـ"معاهدة وستفاليا"، التي انتهى بها المطاف إلى تقسيم أوروبا إلى دول عدة.
وبدافع مصالح الدولة القومية والكراهية العنصرية، المدعومة من قبل أنصار أفكار "داروين"، واجه الأوروبيون دمارا كاملا في شكل حربين عالميتين في القرن العشرين.
أما "إقبال" فكان مدفوعا بالقلق من سياسات حزب المؤتمر الوطني الهندي، الذي تغلبت عليه نعرة قومية، وتأثيرات ذلك على الهنود عامة، ومسلمي الهند خصوصا.
ورغم أن المسلمين ساهموا في نمو الهند وازدهارها على مدى مئات الأعوام، فإنهم لم يحصلوا على اعتراف يذكر بهذا من قادة حزب المؤتمر.
ولذلك اقترح "إقبال" إقامة دولة في المناطق ذات الغالبية المسلمة شمال غربي الهند، وكان يؤمن بأن أفكار الإسلام العالمية ستوفر المبادئ التوجيهية للحكم، الذي ربما يكون نموذجا لبقية الجنس البشري.
ومع تعارض هذا التوجه مع السياسة العالمية آنذاك، والتي هيمنت عليها الأفكار الأوروبية، اندرج ذلك تحت توصيف "القومية الإسلامية"، رغم أن "إقبال" كان بالكاد يؤيد فكرة القومية التي كانت تتشكل بها أوروبا حينها.
ولسوء الحظ، وصف مؤرخون طلب إقامة باكستان بأنه "انفصالية إسلامية".
في الواقع ما كان يريده "إقبال" هو حماية القيم الإنسانية العالمية والكرامة من نظام اجتماعي قومي تحركه الطائفة.
كان تصوره ينصب فقط على نموذج للهند يحترم كرامة الجميع، وكان يعتقد أن إقامة دولة مسلمة مستقلة يمكن أن يصبح نموذجا للسلام والازدهار، ليس فقط لبقية الهند، ولكن للبشرية جمعاء.
** قومية "جناح"
عُرف السياسي والمحامي، محمد علي جناح (1876-1948)، بأنه "سفير للوحدة الهندوسية– الإسلامية".
وباعتباره عضوا في المؤتمر الوطني الهندي كان يعمل بحماس من أجل فكرة "هند ديمقراطية ومستقلة"، لكنه أصيب بالاحباط من نفاق قيادة حزب المؤتمر في الهند، وغادر إلى لندن.
لكن بعدما عرض "إقبال" رؤيته، وأقنع الكثيرين بها، عاد "جناح" إلى الهند، ليتزعم "عصبة مسلمي عموم الهند"، واستطاع أن يترجم حقائق الهند البريطانية على الأرض إلى أفكار وصاغ إطار عمل نظري لباكستان، وهو ما صار يعرف آنذاك بـ"نظرية الدولتين".
وقد نجح في تحقيق هدفه في غضون عقدين.
كان "جناح" مقتنعا بإمكانات تعاليم الإسلام العالمية، وكان يريد إظهار تعاليم التسامح الإسلامية لغير المسلمين، والتي تعود إلى عهد النبي محمد (صلعم).
وتعهد "جناح" بأن يتم إتباع المبادئ الإنسانية نفسها وممارستها في دولة باكستان الجديدة.
لكن للأسف، وبعيدا عن رؤية "إقبال" و"جناح"، انتهى المطاف بباكستان كدولة قومية تروج لما وصفه قادتها بـ"المصالح القومية".
ومن هنا نعود إلى سؤالنا: ما الذي صار خاطئا بالنسبة لباكستان ؟
** علمانية "جناح"
من المثير للاهتمام، ورغم أن "إقبال" وجناح" أكدا على التعاليم الإسلامية كركيزة للتعامل بدلا من الطبقية الطائفية التي كانت تعصف بالهند "الديمقراطية"، فإن جدلا ثار في باكستان حول ما إذا كان "جناح" علمانيا أم زعيما إسلاميا.
بدأت عملية صياغة الدستور في الجمعية التأسيسية، وقام "جناح" بتعيين "غوغيندرا ناث ماندال" (1904-1968)، وهو عضو في جماعة "الداليت" الهندوسية من ولاية البنغال الشرقية، وزيرا للقانون في باكستان المستقلة حديثا آنذاك.
عرف "جناح" جيدا أن جماعة "الداليت" في الهند أيضا كانت تعانى مصير المسلمين نفسه من النظام الطبقي الهندوسي، وأعجب "ماندال" بفكرة الإسلام عن الكرامة الإنسانية.
كما أن "جناح" رشح "ماندال" للجمعية التأسيسية للهند، ليمثل "عصبة مسلمي عموم الهند".
لماذا فعل "جناح" ذلك ؟ ولماذا عيّن هندوسيا كوزير للقانون في باكستان ؟ وهل كان "ماندال" مناسبا لصياغة القوانين لباكستان التي تعتمد على القوانين الإسلامية البحتة؟
وهناك نقطة أخرى مثيرة للاهتمام، وهي أن "جناح" اختار "محمد أسد" (1900-1992)، المولود في النمسا، ليمثل باكستان في منظمة الأمم المتحدة.
يبدو أن "جناح" كان ملتزما بالإنسانية العالمية خارج القومية الضيقة، وبعيدا عن الأصولية الدينية والتعصب الذي كان مستشريا في وقته.
وكان "جناح" يعرف جيدا أن القرآن يتيح للأفراد الاحتفاظ بإيمانهم، وأن يكونوا شركاء في أي مجتمع مدني.
وأثبت "جناح" تلك القناعة في القضايا السياسية عندما كان يتفاوض حول "ميثاق لوكناو"، عام 1916، الذي تم التصديق عليه من جانب كلا من "المؤتمر الوطني الهندي" و"عصبة مسلمي عموم الهند".
ولكن في غضون سنوات، تخلى "المؤتمر الوطني الهندي" عن التزامه تجاه ميثاق 1916.
هذه التجربة وغيرها من التجارب المماثلة أقنعت "جناح" بأن المؤتمر ملتزم فقط بالحقوق الهندوسية، وليس حقوق الإنسان العالمية.
لكن السؤال الذي طرح نفسه حينها هو: لماذا لم تتبع باكستان المثل العليا بتضمين حقوق الإنسان في صياغة دستورها الخاص؟
** التطورات الدستورية
عملية وضع الدستور في باكستان بدأت بعد وفاة "جناح"، في 11 سبتمبر/أيلول 1948، مع إقرار ما يعرف بـ "قرار الأهداف" عام 1949، والذي وضع الأساس للدستور الأول في البلاد.
ونجح صائغو ذلك القرار في الحصول على الدعم من جميع الطوائف المسلمة في باكستان.
وحتى وزير القانون الهندوسي، "ماندال" أيد القرار، والقاضي "أ. ر. كورنيليوس"، وهو مسيحي كاثوليكي، ورابع رئيس للمحكمة العليا، والذي عمل سكرتيرا قانونيا لأول وزير قانون في باكستان.
وتم وضع الدستور في صيغته النهائية واعتماده عام 1956.
لكن حتى قبل طرح الدستور على الجمعية التأسيسية، نظم البيروقراطيون والقضاة "انقلابا دستوريا"، وأقصوا رئيس الوزراء آنذاك، حتى وإن كان الأخير قد حظي بدعم الأغلبية في الجمعية.
وكان "جناح" قد واجه صعوبة هائلة في إدارة شؤون الحياة اليومية للدولة، خلال الفترة القصيرة التي قضاها بعد ولادة باكستان، في 14 أغسطس/آب 1947.
ولم ترث باكستان سكرتارية أو أمانة دائمة للإدارة، وكان "جناح" يعتمد بشكل كبير على البيروقراطية المدنية، التي تدرب عليها على يد البريطانيين، وكان على علم أيضا بأن الزعماء الهنود لم يرفضوا وحسب تقديم نصيب باكستان من أموال الحكومة البريطانية– الهندية، بل كان يعلم أنهم يتآمرون على تفكيك باكستان.
وكان البيروقراطيون هم أول من خان رؤية "إقبال" و"جناح" لباكستان.
بدأ "مالك غلام محمد"، وكان موظفا حكوميا والحاكم العام الثالث لباكستان، يتآمر ضد المؤسسة السياسية، وبدعم من القاضي، محمد منير، تم إقصاء رئيس الوزراء، ومن ثم تولدت أزمة سياسية في باكستان.
كما تم تهميش السياسيين وموظفي الدولة الصادقين والملتزمين، واستقال أعضاء بارزون من غير المسلمين، منهم "ماندال"، خلال الخمسينيات من القرن الماضي، وهاجروا إلى الهند.
وواصل "كورنيليوس" فقط الدفاع عن دستور عام 1956، وتوفي في باكستان عام 1991.
اليوم يعيد ذلك المشهد القديم إلى الأذهان ما حدث مؤخرا، حيث عزلت المحكمة العليا (الشهر الماضي) مجددا رئيسا للوزراء (قضت بعدم أهلية نواز شريف للحكم إثر تحقيق في اتهامات فساد تتعلق بثروة أسرته)، وهو في الحكم، ومن ثم باتت إمكانات عدم الاستقرار السياسي تلوح في الأفق مجددا خلال الأعوام القادمة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل المحكمة تعالج فعلا مسألة الفساد أم أنها تحاول إقصاء ساسة بعينهم من المشهد السياسي الباكستاني ؟
** صعود التطرف
لا يمكن لأحد أن يغفل ظهور التطرف في باكستان، خاصة منذ الحرب في الجارة أفغانستان في ثمانينيات القرن العشرين.
مع ذلك، يجب أن نلاحظ أنه رغم أن الصحافة الدولية تعمل على تصوير طبيعة التطرف في باكستان على أنه ديني، فإن المسألة ليست هكذا دائما، ففي كراتشي وبلوشستان، فإن المتطرفين مدفوعون بالعنصرية والعرق، لكن في أجزاء أخرى يتم ذلك تحت اسم الدين.
وقد تكثفت هذه الأنشطة منذ تنصيب الحكومات المدنية في التسعينيات، والتي اتُهمت بالفساد المتفشي.
ومع تدخل الولايات المتحدة الأمريكية عسكريا في أفغانستان، عام 2001، تزايدت الأنشطة المسلحة في باكستان بشكل هائل.
وباكستان، في واقع الأمر، في أزمة. وكثير من الباكستانيين يرون أن هناك أياد أجنبية وراء صعود التطرف في البلاد.
ورغم أنه قد يكون هناك بعض الحقيقة في مثل هذه المزاعم، فإن إلقاء اللوم على الآخرين في مشاكل يمر بها وطن، لا يمكن أن يحل الأزمة.
** ختاما
خلال الأيام القليلة الماضية، ظهرت العديد من المقالات والأفلام الوثائقية حول استقلال باكستان، في وسائل إعلام، مثل "الجزيرة" و"ذا غاريان" و"فوكس نيوز" وموقع "يوتيوب".
تلك المقالات والأفلام تظهر بشكل مجمل أن باكستان تعاني من مشكلة بشكل أو بآخر.
من وجهة نظرنا، يجدر بالكثير من الباكستانيين تجاهل ذلك بشكل رئيسي، ليركزوا على تحديد أسباب ما آلت إليه أوضاعهم الداخلية.
وفي الذكرى السبعين لاستقلال باكستان، يتعين على الباكستانيين التفكير بشكل جاد في الأمور التي صارت خاطئة في تاريخهم. ويجب أن يطرحوا أسئلة مهمة، منها: هل سيفضلون مسلمين مثل غلام محمد ومحمد منير؟ أم غير مسلمين معجبين بالإسلام مثل "ماندال" و"كورنيليوس"؟ وهل يستطيع الباكستانيون تصور رؤية "إقبال" و"جناح"؟ أم أن الباكستانيين لديهم الشجاعة ليسألوا ما إذا كان "إقبال" و"جناح" مخطئين في تصور الأساس النظري لباكستان في المقام الأول؟
-------------------------------------------------------------
* الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهة نظر الأناضول
news_share_descriptionsubscription_contact
