غزة/ الأناضول
- تحاول الطبيبة نوال عسقول بجهود فردية تضميد جراح مئات الأطفال من صدمات الحربفي غرفة صغيرة أسفل منزلها شبه المدمر في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، تحاول الطبيبة نوال عسقول، بجهود فردية، تضميد جراح مئات الأطفال من صدمات الحرب التي تحولت إلى نوبات هلع وآلام جسدية ومعاناة نفسية يومية.
وتستقبل الطبيبة عسقول في الغرفة التي تحولت إلى عيادة ميدانية ومركزا تعليميا، عشرات الأطفال يوميا ممن نجوا من القصف أو فقدوا أباءهم وأمهاتهم وأقاربهم، ويعانون من اضطرابات مركبة تجمع بين الأعراض النفسية والجسدية.
وتقول عسقول، في لقاء مع الأناضول، إنها تستقبل أطفالا يعانون آثارًا غير مسبوقة للحرب، مؤكدة أن الصدمة "تجاوزت حدود الخوف المؤقت لتتحول إلى أمراض نفسية وجسدية معقدة".
وتوضح أن العديد من الأطفال فقدوا القدرة على النوم الطبيعي، ويعانون من الكوابيس الليلية وفقدان النطق المؤقت، والتبول اللاإرادي، إضافة إلى آلام جسدية دون أسباب عضوية واضحة.
وتشير إلى أن الحرب أدت إلى تراجع ثقة الأطفال بنفسهم، وتشكل سلوك عدواني وانطوائي لديهم.
وتضيف أن "أصعب ألم يعيشه الأطفال هو ألم المشاعر… الخوف، الفقد، والعجز، كلها تترجم داخل أجسادهم".
ويعد الأطفال، الذين يشكلون ما نسبته 47 بالمئة من الفلسطينيين في قطاع غزة، من أكثر الفئات تضررا من الإبادة الإسرائيلية، حيث قتل الجيش أكثر من 20 ألف طفل وأصاب المئات بحالات بتر، فضلا عن تسببه بتيتم 56 ألفا و348 آخرين، وفق أحدث إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومي.
وقبل الحرب، كانت عسقول تدير مركزا مخصصا لدعم الأطفال الذين يعانون من التنمر أو العنف الأسري.
وعقب عودتها إلى منزلها المدمر بعد فترة من النزوح، قررت تخصيص غرفة بإمكانات بسيطة للمعالجة، وقالت: "نحن مثل العنقاء، كلما احترقنا نولد من جديد".
وتستقبل عسقول نحو 300 طفل في جلسات علاج نفسية وجسمانية فردية وجماعية، تعتمد على تقنيات تفريغ الصدمة والرسم والتخيل العلاجي والدعم العاطفي المباشر.
ورغم كل الجهود الفردية، تحذر عسقول من أن صدمات الحرب "ما زالت عميقة في قلوب الأطفال"، مؤكدة أن غياب برامج دعم نفسية طويلة الأمد "سيترك آثارًا كارثية على جيل كامل نشأ تحت القصف والخوف والفقد".
ويأتي هذا في ظل معاناة غير مسبوقة يعيشها أطفال غزة منذ اندلاع حرب الإبادة، حيث تعرضوا للقصف المتكرر والنزوح وفقدان أفراد من عائلاتهم، وسط انهيار واسع للقطاع الصحي ونقص حاد في خدمات الدعم النفسي، ما فاقم آثار الصدمة على صحتهم النفسية والجسدية.
وبدأت إسرائيل حرب الإبادة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واستمرت لمدة عامين بدعم أمريكي. وخلفت نحو 72 ألف قتيل وأكثر من 171 ألف جريج، ودمار واسع في الأحياء السكنية والمرافق الصحية، وفاقمت معاناة المدنيين ولا سيما الأطفال.
وتقول عسقول إنه في إحدى الجلسات طلبت من الطفل أنس قويدر أن يرسم ما يخيفه في مخيلته، فجاءت ورقته وعليها صورة دبابة كبيرة.
تقول الطبيبة: "هذا كل ما بقي في ذاكرته من النزوح".
أما الطفلة ميرا ذات الأربعة أعوام، فقد تحولت أصوات الصواريخ في ذاكرتها إلى نوبات هلع متكررة وخوف دائم، وانعزال عن محيطها، حتى بدأت تظهر عليها أعراض اضطراب نفسي حاد، بحسب الطبيبة.
وتنقل عسقول في حديثها للأناضول رسائل كتبها أطفال لذويهم الذين فقدوهم في الحرب، فتغالبها الدموع وهي تقرأ كلمات صغيرة محملة بالشوق والحزن.
المعاناة النفسية للأطفال في غزة تحدث عنها المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، إذ قال إن تعافي أطفال القطاع بعد الحرب سيستغرق وقتًا طويلًا، في ظل ما تعرضوا له من عنف وصدمات متراكمة.
وتروي والدة الطفل يزن المصري الذي يتلقى العلاج على يد عسقول، كيف ساعدت الطبيبة طفلها على تجاوز معاناة صحية استمرت معه منذ الولادة.
وتقول للأناضول: "ابني كان يعاني دوارا دائما ومشاكل في البصر، منها ضعف النظر وانحرافه، وبعد الجلسات العلاجية تحسن كثيرا وأصبح شبه طبيعي".
وتقف الأم إلى جانب طفلها بابتسامة امتنان واضحة، معبرة عن فرحتها بالنتيجة التي وصل إليها بعد رحلة علاج قصيرة في ظل ظروف قاسية.
وفي 13 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، قال مكتب الأمم المتحدة المعني بتنسيق الشؤون الإنسانية في تقرير إن 93 بالمئة من أطفال غزة يُظهرون "سلوكا عدوانيا" بسبب الحرب وانهيار الخدمات الأساسية.
وفي التفاصيل، قال المكتب إن تسعة من كل 10 أطفال بغزة "يُظهرون علامات سلوك عدواني مرتبطة بأكثر من عامين، حيث تآكل إحساس الأطفال بالاستقرار والأمن مع انهيار الخدمات اليومية الأساسية".
وإلى جانب السلوك العدواني، فإن التقرير الأممي رصد ما نسبته 86 بالمئة من الأطفال يعانون من حالة الحزن والانعزال، و79 بالمئة يعانون من اضطرابات نوم، و69 بالمئة يرفضون الدراسة.
أما والدة الطفلة ميرا سمحان فتتحدث عن التغيير الكبير الذي طرأ على ابنتها بعد الحرب، مشيرة إلى أنها عانت من صدمات نفسية شديدة تفاقمت مع فترات النزوح المتكررة.
وتضيف أن ابنتها كانت تعيش حالة خوف مستمرة، وتعاني من التبول اللاإرادي ليلا ونهارا، قبل أن تبدأ جلسات العلاج مع الطبيبة عسقول.
وتتابع بامتنان في حديثها للأناضول: "بعد الجلسات تحسنت ابنتي كثيرا، صارت تحكي وتلعب مع إخوتها والأطفال، وعاد لها جزء كبير من الأمان الذي فقدته".
وتجلس الطفلة سنين النجار (12 عاماً) بهدوء بجوار الطبيبة عسقول تخفي حزنا عميقا بعد أن فقدت والدها في قصف مدفعي شرقي خان يونس في مايو/ أيار 2024.
وتقول النجار في حديث للأناضول، إنها تعيش حزنا دائما وقلقا متواصلا وتوترا لا يفارقانها منذ فقدان والدها، فيما تحاول عسقول التخفيف عنها من وطأة الفقد ومساعدتها في تفريغ الألم المكبوت.
تطلب منها إغماض عينيها وتخيل والدها حيا، وتخاطبها بصوته: "أريد أن تكوني بخير وتعتني بنفسك وإخوانك ووالدتك".
تنهمر دموع سنين وهي تستعيد ذكرى والدها، فتحتضنها الطبيبة محاولة تهدئتها، مؤكدة أن والدها "في مكان أفضل من العالم الذي نعيشه".
أما والدة الطفل أنس قويدر فتروي أن ابنها كان يتمتع بصحة طبيعية قبل الحرب، دون أي مشكلات تُذكر، إلا أن مشاهد الجنود الإسرائيليين والدبابات خلال القصف تركت أثرًا نفسيًا صادمًا عليه.
وتقول إن أنس دخل في نوبات بكاء متواصلة تسببت في تدهور حالته الصحية بشكل خطير، حيث انخفضت نسبة الدم في جسده إلى مستوى حرج.
وتضيف أن حالته بدأت تتحسن بشكل واضح بعد خضوعه لجلسات العلاج مع الطبيبة عسقول، مؤكدة أنه بات في وضع صحي ونفسي أفضل بكثير.
ويعاني مئات الآلاف من النازحين في القطاع من ظروف معيشية قاسية، بعد تدمير منازلهم ونزوحهم القسري، وسط نقص حاد في الأغطية ووسائل التدفئة، وتدهور واسع في الأوضاع الإنسانية مع دخول فصل الشتاء.
وتأتي المعاناة وسط تنصل إسرائيل من الوفاء بالتزاماتها التي نص عليها وقف إطلاق النار وبروتوكوله الإنساني، بما فيه إدخال مواد الإيواء، وفق ما أكده مرارا المكتب الإعلامي الحكومي بغزة.
ودخل اتفاق وقف النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، بوساطة مصر وقطر وتركيا ورعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ضمن خطة وضعها تتضمن عدة مراحل.
news_share_descriptionsubscription_contact
