غزة / نور أبو عيشة / الأناضول
تلملم عائلة محمد مرتجى المتعاقد مع وكالة التعاون والتنسيق التركية "تيكا" في قطاع غزة، المعتقل في السجون الإسرائيلية، جراحها بعد أن صدر قرار المحكمة العسكرية القاضي بسجنه 9 سنوات، الأحد الماضي.
ولا يزال أطفال مرتجى الثلاثة "أحمد" (13 عاما)، و"عبد الرحمن" (11 عاما)، و"فاروق" (8 أعوام) يمسحون دموع الشوق لوالدهم، والخوف عليه من بطش السجان الإسرائيلي.
ويتساءل الابن الأصغر "فاروق" بصوت مختنق، ما إذا كان والده "محمد جائعا داخل السجون الإسرائيلية، أو عطشا، أو حزينا، أو تعرض للاعتداء الإسرائيلي الجسدي".
أما الابن الأكبر "أحمد" فيتسلل خلسة إلى غرفة والديه ويجلس في مكان أبيه، وبعد صمت طويل يقول لوالدته: "أشتم رائحة والدي هنا".
في حين أن صغيرته الوحيدة "سارة" ابنة العامين ونصف العام، لم تدرك بعد المعنى الحقيقي لغياب والدها، لكنها تفتقده حيث تتعلق تعلقا شديدا بأعمامها (أشقاء والدها)، وتناديهم بـ "بابا".
وبعد أن حرمه الموت من طفلته السابقة "مريم" التي توفيت بسبب مرض ألم بها، تهجد "محمد" لله من أجل أن يرزقه "طفلة أخرى".
وجاءت سارة، وجاءت السعادة بقدومها، لكن الاحتلال الإسرائيلي اختطف "محمد" عندما كانت طفلته بعمر العام الواحد، كما تروي زوجته "فاطمة" (33 عاما) لمراسلة "الأناضول".
ويتساءل "محمد" في كل زيارة حينما يلتقي أحد أفراد عائلته داخل السجن أو بمحاميه عن أحوال سارة قائلا: "كيف سارة؟ ماذا تأكل؟ وماذا تلبس؟ كيف تمشي؟ كيف كانت خطوتها الأولى؟ كيف تتكلم؟".
الكثير من تفاصيل الحياة الصغيرة تؤلم "محمد" داخل السجن، كما تؤلم أفراد عائلته بالخارج على حد وصف زوجته.
وتستكمل قائلة: "غياب محمد صعب جدا، نحاول الآن التأقلم مع حالة الغياب، رغم أنها غير بسيطة، لكن لا بد أن نكون أقوياء، على الأقل من أجل الأطفال".
وتضيف: "يوجد فراغ كبير، مقعده على مائدة الغداء يوم الجمعة (اليوم الوحيد الذي يتناول فيه وجبة الغداء مع عائلته بسبب مشاغله في تيكا) فارغ، وهذا الفراغ فاجعة بالنسبة إلينا".
واعتقل "محمد" البالغ من العمر 41 عاما في 12 فبراير / شباط 2017، أثناء مغادرته قطاع غزة متوجها إلى العاصمة التركية أنقرة للمشاركة في أعمال مؤتمر تدريبي لموظفي "تيكا"، وحكم عليه بالسجن الأحد الماضي لمدة 9 أعوام.
** تشويه "العمل الإنساني"
والده مدحت مرتجى (67 عاما)، يقول إن جميع التهم التي وجهت لمحمد "ملفقة"، فيما يصف الحكم الذي أصدر بحق نجله بـ "القاسي والجائر الذي لا يرتهن لأي من معايير الصدق".
ويوضح أن محمد "كان يعمل في مؤسسة تركية إغاثية، يقدم المساعدات لجميع أفراد الشعب الفلسطيني من الفقراء والمحتاجين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية".
ويرفض مرتجى الأب جميع التهم التي وجهت لنجله قائلا: "كان يعمل بإخلاص دون انحياز لأي طرف سياسي، عمله كان إنسانيا بحتا".
ويعتقد مرتجى أن هذه التهم جاءت من أجل "تشويه صورة العمل الإنساني المقدم للمحتاجين في قطاع غزة"، في سياق المساعي الإسرائيلية للتضييق على سكان القطاع.
وكان المحامي محمد زبارقة قد أوضح في تصريح سابق للأناضول، أن التهم التي تمت إدانة موكله بها تشمل "العضوية في حركة حماس، وتوجيه عناصر من حماس للاستفادة من مساعدات (تيكا) في الفترة ما بين 2014 ـ 2015".
فضلا عن اتهامه بـ "النشاط في مؤسسة (IHH) التركية، وتوزيع مساعدات على المحتاجين زمن الحرب، وتوزيع سلات غذائية على المحتاجين في غزة، وتنظيم حفلات زفاف جماعي لفلسطينيين في غزة"، بحسب المحامي.
وقال زبارقة: "تلك التهم دليل على أن السلطات الإسرائيلية تريد قمع أي مساعدة للفلسطينيين، وأنها تجرم المساعدة الإنسانية للمحتاجين في غزة".
وقال مرتجى إن نجله (محمد) "اعتبر الشعب التركي الذي عاش بينهم لفترة تتجاوز 6 سنوات خلال دراسته في الجامعة تخصص هندسة معمارية (تخرج عام 2003)، شعبه وبلده الثاني، ويكنّ لهم الكثير من الحب والإخلاص".
وفي السياق، ناشد مرتجى جميع الدول الصديقة للشعب الفلسطيني، والمنظمات الحقوقية بالعمل على "الإفراج عنه".
** حكم جائر
والدة محمد تغريد مرتجى (64 عاما) تصف الحكم الإسرائيلي الذي صدر بحق نجلها محمد بـ "الجائر".
وتقول للأناضول: "تلقينا خبر الحكم بصدمة كبيرة، كان خبرا مؤلما، والفراق بحد ذاته أمر مؤلم ومرهق بالنسبة إلينا وإلى أطفاله وعائلته".
وتذكر أن "محمد كان من المساعدين لشعبه، يساعد جميع المحتاجين دون النظر إلى انتمائهم السياسي".
وتضيف: "كان يقدم المساعدة للفقراء من حركة فتح، كما الفقراء من حركة الجبهة الشعبية، كما الفقراء من حركة حماس، لم ينظر بعين الحزبية خلال توزيعه للمساعدات".
ولفتت إلى أن "محمد لم يرتكب أيا من المخالفات فيما يتعلق بطبيعة عمله الإنساني بقطاع غزة".
news_share_descriptionsubscription_contact
