غزة / نور أبو عيشة / الأناضول
يثير ارتفاع نسب البطالة في صفوف خريجي الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة، والتي بلغت وفق أحدث الإحصاءات حوالي 67 %، تخوفات الطلبة الجدد حاملي شهادة الثانوية العامة من ملاقاتهم المصير ذاته.
هذا الهاجس دفع مسؤولين معنيين إلى حث الطلاب على المواءمة بين التخصصات التي سيقبلون على دراستها ومتطلبات سوق العمل الشحيحة أصلا، فيما ينصح آخرون الطلاب بالبحث عن مشاريع ريادية خاصة.
كفاح عفانة، الحاصلة على شهادة الثانوية العامة كانت تحلم بدراسة "التربية"، إلا أن تقريرا لجهاز الإحصاء الفلسطيني يرصد التحاق حوالي 63 % من خريجي ذلك المجال في غزة بجيش العاطلين من العمل بدد أحلامها.
وتبحث عفانة عن تخصصات جامعية لم يتشبع بها السوق المحلي الفلسطيني، فيما نصحها بعض الأكاديميين بالالتحاق بالتخصصات التقنية.
عفانة، واحدة من آلاف خريجي الثانوية العامة الذين يحرصون على توفير حياة مستقبلية مهنية آمنة عن طريق اختيار تخصصات تفتح لهم "أبواب المستقبل".
ويعيش نحو مليوني مواطن فلسطيني في غزة أوضاعا اقتصادية واجتماعية وسياسية يصفها مراقبون دوليون بـ "الكارثية"، جراء استمرار فرض الحصار الإسرائيلي على القطاع للعام العاشر على التوالي.
وبلغت معدلات البطالة في غزة وفق تقرير "القوى العاملة" الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الثلاثاء الماضي، حوالي 44 % بواقع 216.9 ألف فرد في القطاع.
فيما تبلغ نسبة خريجي التعليم العالي العاطلين من العمل حوالي 67 % وفق وزارة العمل الفلسطينية في غزة.
وفي مؤشر على مدى فداحة المشكلة، كانت نقابة المهندسين في غزة قد دعت في يوليو / تموز 2015 خريجي الثانوية العامة إلى عدم دراسة هذا التخصص، نظرا لاكتفاء السوق بخريجي الهندسة العاطلين من العمل.
ويعاني قطاع غزة فجوة عميقة بين مخرجات التعليم الأكاديمي العالي، والاحتياجات الفعلية لسوق العمل المحلي، بحسب مدير عام التخطيط في وزارة العمل الفلسطينية ماجد إسماعيل.
ويقول إسماعيل في حديثه مع الأناضول "الظروف الاقتصادية والسياسية الخاصة التي تمر بها الأراضي الفلسطينية بشكل عام، وغزة بشكل خاص، تلقي بظلالها السلبية على سوق العمل المحلي".
ويصف إسماعيل المرحلة التي يمر بها السوق المحلي الفلسطيني بـ "الحساسة، جراء الظروف السياسية المعقدة التي يمر بها القطاع".
ويبين أن القدرة الاستيعابية لسوق العمل الفلسطيني "ضعيفة ومحدودة"، مشددا على ضرورة اتخاذ سياسات إدارية ملائمة لاستيعاب الأعداد الجديدة من الخريجين الذين يضافون إلى "جيش" العاطلين من العمل في غزة.
وتخرج جامعات وكليات ومعاهد التعليم العالي الفلسطيني سنويا حوالي 40 ألف طالب وطالبة في قطاع غزة، فيما تبلغ فرص العمل التي يوفرها السوق المحلي بشكل سنوي حوالي 8 آلاف فرصة فقط، وفق إسماعيل.
ويستكمل قائلا "عدد الخريجين كبير ومتراكم، ويضاف إلى أعداد الخريجين العاطلين من العمل".
ويوضح إسماعيل أن الفجوة الكبيرة التي خلفها فارق الاختلاف بين مخرجات نظام التعليم العالي واحتياجات السوق، يبرز الحاجة إلى وجوب مراجعة سياسات التعليم العالي في فلسطين.
وتابع "كما يبرز الحاجة لتوجيه الطلبة إلى تخصصات يحتاجها سوق العمل، بدلا من أن يضافوا بعد التخرج إلى جيش العاطلين".
ويلفت إلى أن سوق العمل يعاني حالة تشبّع في عدد كبير من التخصصات التي يصفها بـ "التقليدية".
ويرى مدير عام التخطيط في وزارة العمل أن أنجع الحلول لردم تلك الفجوة هي إرشاد خريجي الثانوية العامة للالتحاق بالتخصصات المستجدة، خاصة فيما يتعلق بالعلوم "التطبيقية، والفنية، والتقنية".
وقال "من المهم أن يبحث خريج الثانوية العامة عن التخصصات المستجدة التي تفرضها احتياجات السوق، ووضع قطاع غزة الخاص".
وفي السياق ذاته، تطرق إسماعيل إلى أهمية توجه خريج الثانوية العامة نحو التفكير الريادي الذي يقوده في نهاية المطاف إلى إيجاد فرص عمل خاصة به.
ويتابع "في ظل هذا الوضع، على خريج الثانوية العامة الالتحاق بالتخصصات التي يجد من خلالها إجابة لتساؤل (كيف تجد فرص عمل لنفسك؟)، وهذا ما توفره تخصصات الإدارة الحديثة، وتسهله حاضنات الأعمال التكنولوجية والمبادرات الريادية".
وتشعر الشابة روان دلول الحاصلة على شهادة الثانوية العامة بامتياز، بنوع من الارتياح جراء اختيارها لتخصص "الهندسة"، كونها تطمح مستقبلا إلى تأسيس مشروع ريادي خاص بها في مجال تخصصها، وليس البحث عن وظيفة حكومية.
وتقول دلول لمراسلة الأناضول "في ظل ارتفاع نسب البطالة، وتكدس العاطلين من العمل على أبواب السوق المحلي، يصعب على الطالب اختيار تخصصه الذي يرغب، إذ دائما يدخل في صراع حول رغبته وحاجة سوق العمل لذلك التخصص".
وفي المرحلة التي يستعد فيها طلبة الثانوية العامة في غزة للالتحاق بالجامعات، تنشط المخيمات الصيفية التي ترشد الطلبة لاختيار التخصصات المناسبة لهم والتي تتوافق مع سوق العمل.
ونفذت شركة "تشكيل 3D" (محلية)، مخيما بتمويل ورعاية من مؤسسة Galia (مقرها في كندا)، يستهدف خريجي الثانوية العامة في غزة ممن يرغبون في التخصص بالمجالات الهندسية.
ويرشد المخيم طلبة الجامعات الجدد إلى اختيار تخصصاتهم الهندسية المختلفة وفقا لميولهم الشخصية، ولاحتياجات سوق العمل.
ويقول محمد أبو مطر صاحب شركة "تشكيل 3D"، إن أهمية هذا المخيم تنبع من توفير معلومات تثقيفية لخريجي الثانوية العامة حول الاختلافات الرئيسية في تخصصات الهندسة، لتمكينهم من التمييز بينها، واختيار الأنسب لهم.
ويتابع خلال حديثه للأناضول "كما يبين هذا المخيم مدى احتياج سوق العمل المحلي أو الخارجي إلى المشاريع ضمن التخصصات المطروحة، وهذا البند لا بد من مراعاته من قبل خريجي الثانوية العامة".
ويخضع الطلبة المشاركون في المخيم لمجموعة من المحاضرات العلمية إضافة إلى بعض الأنشطة العملية الهندسية التي تساعدهم في التعرف على فروع ذلك المجال.
ويوضح أبو مطر أن الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة، وتردي الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع نسب البطالة، تضع طلبة الجامعات الجدد أمام مجموعة كبيرة من التحديات.
واستكمل قائلا "نحاول قدر الإمكان مساعدة أولئك الطلبة على كسر تلك التحديات والتغلب عليها، لوضعهم على أولى طرق النجاح في حياتهم الأكاديمية والمهنية".
وعقب انتهائه من تقديم محاضرة نظرية خلال المخيم، يقول يوسف عيسى رئيس قسم الهندسة في جامعة الأزهر بمدينة غزة، إن واقع سوق العمل للخريجين الجامعيين صعب للغاية.
ويتابع في حديثه مع الأناضول "على مستوى خريجي كليات الهندسة الجدد بغزة، فها هم يلتحقون بجيش العاطلين من العمل، ومكدسون على أبواب السوق المحلي".
وبحسب عيسى، يصل عدد خريجي كليات الهندسة في جامعات قطاع غزة إلى نحو 600 خريج سنويا.
وينصح عيسى طلبة الجامعات الجدد بالبحث عن المشاريع الريادية الخاصة، مشيرا إلى أنها الأفضل في ظل تشبّع سوق العمل المحلي بالتخصصات التقليدية.
ويقول في ذلك السياق "في غزة عشرات الشركات وحاضنات المشاريع الصغيرة والتي تدعم أفكارا مبدعة، هذه قد تكون مفتاحا لخلق فرص عمل آمنة، في بيئة اقتصادية غير مستقرة".
ويذكر عيسى أن فرص العمل التي تطرحها المؤسسات الحكومية سنويا تكون "محدودة جدا، وغير قادرة على استيعاب كافة خريجي الكليات الجامعية".
ويدفع ذلك الواقع خريجي الجامعات إلى البحث عن المشاريع الريادية أو السفر إلى الخارج بغرض العمل، وفق عيسى.
وأعرب عيسى عن آماله بـ "استقطاب الدول المعنية بدعم القضية الفلسطينية، لخريجي الكليات الجامعية المختلفة، وتوفير فرص عمل آمنة لهم".
news_share_descriptionsubscription_contact
