Istanbul
إسطنبول/ علي عثمان قايا، رويدة مينا مرال/ الأناضول
- يشكّل جامع أيوب سلطان، المطل على ضفاف القرن الذهبي في إسطنبول، أحد أبرز الرموز الدينية والتاريخية في المدينة- شُيّد الجامع عقب فتح إسطنبول بين عامي 1458 و1459، غير أنه تعرّض لأضرار جسيمة جراء زلزال 1766
- ارتبط في العهد العثماني بمراسم "تقليد السيف" التي كان السلاطين يؤدونها عقب اعتلاء العرش
- خلال عهد السلطان سليم الثالث أُعيد النظر في حالته، وبحسب السجلات العثمانية بدأت أعمال إعادة بنائه عام 1798
يشكل جامع أيوب سلطان، المطل على ضفاف القرن الذهبي في إسطنبول، رمزا دينيا وتاريخيا بارزا، إذ ارتبط في العهد العثماني بمراسم "تقليد السيف" التي كان السلاطين يؤدونها عقب اعتلاء العرش، إعلانًا لشرعية الحكم ورمزيته الدينية.
ويأتي التقرير ضمن ملف الأناضول حول "المساجد السلطانية في إسطنبول"، مسلطا الضوء على الجامع بوصفه مركزا معماريا وروحيا وثقافيا مؤثرا في حياة المدينة لقرون.
**من التأسيس إلى إعادة البناء
فقد شُيّد الجامع عقب فتح إسطنبول بين عامي 1458 و1459، قبل أن يتعرض لأضرار جسيمة جراء زلزال 1766.
وفي عهد السلطان سليم الثالث أُعيد النظر في حالته، وبحسب السجلات العثمانية بدأت أعمال إعادة بنائه عام 1798 بعد هدمه حتى الأساسات لعدم صلاحيته، ليفتتح مجددًا للعبادة عام 1800.
ورغم إعادة تشييده في فترة شهدت تأثيرات غربية واضحة في الفن العثماني، حافظ الجامع على التقاليد الكلاسيكية للعمارة العثمانية، مع ظهور لمسات باروكية في بعض التفاصيل الزخرفية، ويتوسطه مخطط ذو ثمانية دعائم تحمل قبة بقطر يقارب 16 مترا.
ويمتد الطابع المعماري إلى المجمع المحيط به، الذي يضم مدرسة، ومطبخا عاما (إمارة)، وأماكن لإطعام المحتاجين، وحمامًا، إضافة إلى ضريح أبي أيوب الأنصاري.
كما يبرز في ساحته سبيل بُني عام 1613 بأمر السلطان أحمد الأول، يتميز بأعمال رخامية كلاسيكية.
** ضريح أبي أيوب ومراسم تقليد السيف
يحتل ضريح الصحابي أبي أيوب الأنصاري، المعروف بأنه من حملة راية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مكانة خاصة في الوجدان الشعبي، كما ارتبط تاريخيا بمراسم "تقليد السيف" التي كان سلاطين الدولة العثمانية يؤدونها فيه عقب توليهم الحكم.
ويعكس البناء هذه الرمزية؛ إذ يتخذ الضريح مخططا مثمنا تعلوه قبة، وتكسو جدرانه بلاطات خزفية، فيما أحاط السلطان سليم الثالث التابوت بشبكة فضية، ويضم لوحات خطية كتبها سلاطين وخطاطون.
ومع تعاقب العهود، دُعم الجامع والضريح بالأوقاف المخصصة لقراءة المولد في الليالي المباركة وتوزيع الأشربة، ما عزز مكانته مركزا دينيا وثقافيا.
ولا يزال الجامع حتى اليوم يؤدي دوره مسجدا ومزارا دينيا، محافظا على حضوره في الحياة الروحية للمدينة.
**عمارة كلاسيكية بتأثيرات غربية
وفي قراءة للتطورات المعمارية، قال رئيس قسم تاريخ الفن بكلية الآداب في جامعة إسطنبول مدنيات، البروفيسور قادر بكتاش، للأناضول، إن قبر أبي أيوب الأنصاري اكتُشف عقب الفتح مباشرة، وشُيّد في الموقع مسجد وضريح بين عامي 1454 و1458.
وأضاف أن الجامع تضرر بشدة في زلزال 1766، وأُجريت محاولات إصلاح أولية لم تكن كافية، فظل مغلقا فترة قبل إعادة بنائه بالكامل عام 1798 وافتتاحه عام 1800.
وبيّن أن النسخة الحالية شُيّدت في عهد السلطان سليم الثالث، مع الحفاظ على طابع الضريح المرتبط بعهد السلطان محمد الفاتح، عبر أعمال ترميم وتجميل لم تمس الأسلوب الكلاسيكي.
وأوضح أن إعادة البناء جرت في مرحلة "التغريب" الفني، إلا أن المخطط المعماري الذي اعتمده المعمار سنان(رجل دولة وقائد عسكري عثماني) في القرن السادس عشر أُعيد تطبيقه.
وأشار بكتاش إلى أن البناء الأول في عهد الفاتح ضم 16 خلية مدرسية على جانبي الجامع باتجاه الضريح، غير أنها أُزيلت خلال إعادة البناء، وحُولت المساحة إلى ساحة ذات أروقة.
كما وُضعت أربع نوافير في زوايا الساحة، وأُزيل كشك وشاذروان للوضوء نُسبا إلى جاندارلي سنان باشا، واستُبدلا بالساحة الحالية التي ارتبطت في الوعي الشعبي برواية غسل أبي أيوب الأنصاري ودفنه في موضعه الحالي.
ولفت إلى أن زخارف الضريح الداخلية والخارجية تتكون في معظمها من بلاطات إزنيق تعود إلى القرن السادس عشر، إضافة إلى بلاطات أضيفت لاحقا.
كما أجرى عدد من السلاطين والوجهاء ترميمات وقدموا هدايا، بينهم داماد إبراهيم باشا الذي نفّذ إصلاحات بين عامي 1723 و1724 شملت الشبكات المعدنية وتنظيمات داخلية حافظت على الطابع الكلاسيكي.
**نواة عمران حي أيوب
وأكد بكتاش أن جامع أيوب سلطان شكّل نواة التوسع العمراني في حي أيوب، إذ نشأت حوله مجمعات عدة، منها كلية مهرشاه والدة سلطان، ومجمع شاه سلطان، ومجمع زال محمود باشا، ومجمع سوقلو محمد باشا التعليمي، إضافة إلى أضرحة لكبار رجال الدولة.
وأوضح أن المنطقة تضم مئات وربما آلاف الشخصيات العثمانية المدفونة، ما يجعلها شاهدا على تطور الفن العثماني بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر.
وبيّن أن الجامع خضع لترميم مهم في خمسينيات القرن الماضي خلال عهد رئيس الوزراء عدنان مندريس، واستُعيدت خلاله روزنامة أعمال البناء عبر أبحاث المؤرخ المعماري إكرم حقي آيفردي بعد فقدانها.
وأضاف أن سجلات الوقف، التي جُددت في عهد السلطان مراد الثالث بعد ضياع الوقفية الأولى، أظهرت تخصيص ممتلكات في إسطنبول وأدرنة لصالح المجمع، مع نصوص تنص على قراءة المولد وتوزيع الأشربة في ليالي القدر وقراءة القرآن.
و أكد أن مراسم "تقليد السيف" التي كانت تُقام في الجامع مثلت إعلانا رسميا لشرعية الحكم العثماني، ليغدو الموقع فضاءً تتقاطع فيه وظائفه الدينية والاجتماعية مع رمزيته السياسية في قلب تاريخ إسطنبول.
الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
