فلسطين/ الأناضول/ علا عطاالله ومحمد خبيصة/ يرى خبراء اقتصاديون فلسطينيون أن ما تُريده الإدارة الأمريكية وإسرائيل هو السلام الاقتصادي بعيدا عن السلام السياسي، وأن الحديث عن مليارات الدولارات لتنمية فلسطين اقتصاديا، ما هو إلا مخدر للعودة إلى طاولة المفاوضات وتضييع الوقت.
وقال هؤلاء المختصون في أحاديث منفصلة لمراسلة وكالة "الأناضول" للأنباء إن الطرح الاقتصادي الذي تقدم به وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" خلال زيارته للمنطقة الأسبوع الماضي ما هو إلا بداية الطريق نحو هذا الهدف.
وأعلن كيري أمس قبيل اختتام المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) بالأردن عن الخطوط العريضة لخطته، الهادفة لدفع عجلة الاقتصاد الفلسطيني كمفتاح لعملية السلام الدائم مع الإسرائيليين، من خلال ضخ استثمارات، توقع أن تصل إلى 4 مليارات دولار خلال الفترة القادمة في الضفة الغربية.
ويسعى كيري للخروج بنتائج اقتصادية خلال ثلاث سنوات أهمها: زيادة الناتج المحلي للسلطة الفلسطينية بنسبة 50٪، وتخفيض البطالة من 23٪ إلى 8٪ فقط، وزيادة متوسط دخل الفرد بنسبة 40٪.
إلا أن هذا المقترح لن يكون الممهد لعملية السلام، بحسب الخبير الاقتصادي والمحاضر في جامعة بيرزيت د. نصر عبد الكريم، الذي يرى أن المقترح سيقف عاجزاً أمام صراع تاريخي، ف"وزير الخارجية الأمريكى يعتقد أن وجود مكاسب اقتصادية للفلسطينيين سيدفعهم لتقديم تنازلات سياسية".
ويضيف عبد الكريم، إن هذه المعادلة فشلت في السابق مع الدول المانحة كافة، التي قدمت لخزينة السلطة منذ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 أكثر من 25 مليار دولار، "إلا أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يتقدم خطوة واحدة".
وخلال إعلانه الخطة، لم يتطرق كيري إلى مصادر تمويل هذه الاستثمارات، وكيفية ضخها في السوق الفلسطينية، وهل ستقتصر على الضفة الغربية فقط، أم ستشمل القدس وقطاع غزة، وما هي دورة هذه الاستثمارات وأوجه إنفاقها، لتحقق مؤشرات اقتصادية ترفع من الناتج المحلي وتخفض من البطالة.
ويتساءل المحاضر في جامعة بيرزيت، عن كيفية تشغيل نحو 200 ألف عاطل عن العمل من أصل 300 ألف وفق خطة وزير الخارجية الأمريكى، مشيراً أن كل فرصة عمل تحتاج إلى استثمار بقيمة 30 ألف دولار، "إضافة إلى أن رفع الناتج المحلي بنسبة 50٪ يحتاج إلى 4 مليارات دولار سنوياً ولمدة 5 أعوام".
وفي السوق الفلسطينية، يبلغ عدد العاطلين عن العمل حسب إحصاءات رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني نحو 320 ألف عاطل، إضافة إلى دخول 60 ألف طالب جديد للعمل، فيما يبلغ متوسط دخل الفرد السنوي حتى نهاية العام الماضي قرابة 2000 دولار فقط.
"إطعام الفلسطينيين لأجل إسكاتهم هي رؤية تسعى إسرائيل لتطبيقها على أرض الواقع، بمساعدة أمريكية"، حسب مدير مركز "مشرق للدراسات الثقافية والتنموية " عادل سمارة.
وتستغل هذه الأطراف عجز السلطة المالي، وحالة الانقسام الفلسطيني لفرض رؤيتها القائمة على الحل الاقتصادي، الذي يصفه "سمارة" بـ"الخطير" :" فإسرائيل وأمريكا لا تهتم ولا تريد أي سلام حقيقي مع الفلسطينيين، فقط ما يتم طرحه وتنفيذه عبارة عن حلول مؤقتة لإطعام الفلسطينيين وإسكاتهم واستغلال مواردهم الاقتصادية لأقصى درجة."
ولن ينتعش الاقتصاد الفلسطيني بتأكيد "سمارة" فما يجري في حقيقة الأمر استغلال الموارد الاقتصادية الفلسطينية ، وإلقاء الفتات وإيهام السلطة وصناع القرار أنّ السلام الاقتصادي سيكون المدخل للسلام السياسي.
وكانت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية قد ذكرت في عددها الصادر أمس الأحد، أن خطة كيري الاقتصادية تهدف إلى تطوير حقول الغاز قبالة شواطئ قطاع غزة والسماح للفلسطينيين باستغلال حقول البوتاس شمالي البحر الميت.
وتهدف خطة استخراج الغاز بناء محطة للتزويد الطاقة الكهربائية في منطقة جنين بقوة 600 ميجاوات، لتزويد باقي مناطق الضفة الغربية.
وذكرت الصحيفة أن مسؤول اللجنة الرباعية تونى بلير ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي يوفال شتاينتس بحثا الأسبوع الماضي تفاصيل خطة كيري الاقتصادية.
هذا البحث رأى فيه "أستاذ المالية العامة في الجامعة الإسلامية بغزة "خالد البحيصي" مقدمة لإعادة الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات.
وأكد البحيصي أن فشل كيري في إحداث اختراق حقيقي في ملف المفاوضات المجمد بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ نحو عامين دفعه لطرح خطته الاقتصادية.
ولن تنقذ هذه الخطة الفلسطينيين بتأكيد البحيصي، الذي واصل قائلاً :" تبدو أمريكا مهتمة فجأة بإنعاش الاقتصاد الفلسطيني، لكن في حقيقة الأمر هي تستغل هذا المدخل لتحقيق أهدافها السياسية في المنطقة، ولإشغال الفلسطينيين بما تطلق عليه مساعدات تنموية اقتصادية ."
وقال البحيصي إن طرح مفهوم "السلام الاقتصادي" يتبناه رئيس الوزراء الإسرائيلى"بنيامين نتنياهو" وحكومته من أجل تهدئة الأوضاع ، وعلى وجه الخصوص في الضفة الغربية ، وعلى أرض الواقع لا يتم تحقيق أي اختراق اقتصاديا كان أم سياسيا.\ويرى المختص في الشؤون الإسرائيلية د. عزيز حيدر، أن الخطة الاقتصادية المقترحة لن تتجاوز الورق الذي كتبت عليه، "لأن الحكومة الإسرائيلية لا تبحث عن حلول، فرئيس الوزراء نجح في مسح القضية الفلسطينية من أذهان الإسرائيليين".
ويضيف، "التاريخ يقول إن إسرائيل تسعى دائماً لخلق اقتصاد مستقل قوي ومتين، ووقف الاقتصاد الفلسطيني في حالة يبقى فيها تابعاً للشروط الاقتصادية الإسرائيلية، عبر الاتفاقات الموقعة بين الطرفين".
ومثال ذلك، أن إسرائيل رفضت في وقت سابق إعطاء الفلسطينيين حق التنقيب عن الغاز قبالة سواحل غزة، بحجة إمكانية استغلال الأموال الناتجة عنه بيعه في تمويل الإرهاب.
ويتساءل الكاتب الفلسطيني والخبير الاقتصادي "عمر شعبان" عن جدوى هذه الخطة الاقتصادية، في ظل الممارسات الإسرائيلية والانتهاكات المتواصلة بحق الفلسطينيين، وأمام غول الاستيطان والحواجز والسيطرة على المعابر .
ووصف شعبان ما يجري بـ"إبرة التخدير" التي تحمل اسم "السلام الاقتصادي" ، لقتل وتقويض السلام السياسي وحل ملفات القضية الفلسطينية العالقة.
وأكد أن كل ما يجري الحديث عنه وإن تم تطبيق بعض بنوده، لن يكون إلا ضمن إطار الربط بين الاقتصادين "الفلسطيني والإسرائيلي ."
وشدد شعبان على أن المطلوب هو تحقيق نجاح ملموس على الصعيد السياسي؛ فالطرح الأمريكي بهذه الطريقة يضر بمصداقية الإدارة الأمريكية التي يجب أن تعمل على إنهاء الاحتلال لا أن تقدم خطط تخديرية بعيدا عن أية حلول اقتصادية وسياسية استراتيجية.
وفي تصريح صحفي قال رئيس صندوق الاستثمار الفلسطيني "محمد مصطفى" إنه قدم عدة مطالب اقتصادية لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري.
وأشار إلى أن هذه المطالب تمثل رؤية متكاملة لتطوير الاقتصاد الفلسطيني في المرحلة المقبلة تقوم على تغيير قواعد العلاقة مع "إسرائيل"، ومنح الفلسطينيين حرية اقتصادية تمكنهم من مواجهة المشكلات الاقتصادية المتفاقمة والمتمثلة في تزايد العجز في الموازنة، والارتفاع المستمر في البطالة، والدين العام".
وكانت العديد من الاجتماعات الاقتصادية التي جمعت مستثمرين فلسطينيين وإسرائيليين يوم أمس في منطقة البحر الميت، سبقها اجتماعات أخرى كانت تتم بشكل غير معلن فيما بينهم في الأراضي الفلسطينية، من ضمنها لقاءات جمعت رجل الأعمال الفلسطيني منيب المصري، والإسرائيلي رامي ليفي، في منزل الأول بمدينة نابلس، تحت ما يسمى لقاءات كسر الجمود، بهدف فتح طريق للمفاوضات عبر التعاون الاقتصادي.
news_share_descriptionsubscription_contact
