03 أبريل 2023•تحديث: 03 أبريل 2023
لندن/ ليلى نضيروفيتش/ الأناضول
رغم الإشارة إلى دولة السويد في كثير من الأحيان على أنها "دولة اشتراكية" في توزيع الثروة، إلا أن مجتمعها أصبح في الواقع، واحدا من أكثر المجتمعات "غير المتكافئة" في العالم.
وخلال الفترة الأخيرة، برزت العديد من التقارير والكتب، إضافة إلى تداول نقاشات على نطاق واسع، ترصد ظاهرة تزايد أعداد الفقراء في السويد مقابل تضاعف أعداد فائقي الثراء.
ولفهم طبيعة الأزمة، استطلعت الأناضول آراء عدد من الأكاديميين والمحللين، للإجابة عن الأسئلة المثارة، وفهم أبعاد وأسباب أزمة تزايد الفجوة بين طبقات المجتمع في السويد، وحول العالم.
** اتساع الفجوة
وفقا لمؤشر "أوكسفام" للالتزام بالحد من عدم المساواة للعام 2022، فخلال العامين الماضيين، انخفض ترتيب السويد من حيث عدم المساواة من المرتبة 10 إلى 20.
وعام 2017، احتلت السويد المرتبة الأولى في العالم من حيث مكافحة عدم المساواة الاقتصادية، ومنذ ذلك الحين استمرت في الانحدار في جميع تقارير "أوكسفام"، التي تظهر أن "الفجوة بين الأغنياء والفقراء آخذة في الاتساع".
وخلال 2019، بدأت موجة من الاحتجاجات تضرب عدة دول أوروبية للمطالبة بتحسين ظروف المعيشة، انطلقت من فرنسا ضمن حراك يسمي بـ"السترات الصفراء"، وانتقلت منها إلى عدد من الدول بينها السويد.
وحينها، تحدث الناشط السويدي درور فايلر، باسم المتظاهرين، قائلا: "أغنى 3 أشخاص في السويد يديرون اقتصاد نصف سكان البلاد (..) ويتم بيع المصادر التي توفر لنا الرفاهية إلى شركات متعددة الجنسيات".
ويفسر ذلك، أندريس سيرفينكا، أحد كُتاب الأعمال الأكثر شهرة في السويد، أن "السويد الاشتراكية" أصبحت جنة لفائقي الثراء، وأن كل شيء في البلاد يشير إلى "أزمة مالية مدمرة ستأتي عاجلا وليس آجلا".
عام 1996، كان لدى السويد 28 مليارديرا، وفق صحيفة "لوموند" الفرنسية، لكن يوجد في البلاد حاليا 1095 مليارديرا، وفق دراسة نشرتها مؤسسة "كريديت سويس" للأبحاث.
ويجادل سيرفينكا، في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان "السويد الجشعة: كيف تحول منزل الناس إلى جنة للأثرياء"، بأن السويد أصبحت "واحدة من أكثر المجتمعات غير المتكافئة في العالم، في ظل مستويات مقلقة من المديونية".
ويشير مصطلح "منزل الناس" إلى فترة في تاريخ السويد، عندما دمجت الاشتراكية والرأسمالية معا، في محاولة لتحقيق المساواة في توزيع الثروات، وتقليل الفجوات بين أفراد المجتمع.
** زيادة الفقر
ورغم أن السويد كانت دولة "الرفاه الاجتماعي" منذ عام 1932، ونموذجا لـ"طريق وسط" مسؤول عن تقليص الفجوات الاقتصادية، فإن "الوضع تغير في تسعينيات القرن الماضي"، وفقا للكاتب والخبير السويدي مسعود كمالي.
وأوضح كمالي، للأناضول: "في التسعينيات بدأ الديمقراطيون الاشتراكيون بعد سقوط الاتحاد السوفيتي التكيف مع السياسات الليبرالية الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي".
وتابع الكاتب السويدي، وهو مؤلف مشارك لكتاب "النيوليبرالية ودول الرفاهية الاسكندنافية وتحديات العمل الاجتماعي الحالية والمستقبلية"، أن "عدد الأسر التي تعيش تحت خط الفقر لم يكن بهذا الارتفاع من قبل".
وبعاني 14 بالمئة من السويديين من "فقر نسبي"، أي العيش على 60 بالمئة من متوسط الدخل الأقل، بعدما كانت النسبة 7 بالمئة في أوائل التسعينيات، وفق مكتب الإحصاء المركزي السويدي.
وأرجع كمالي، السبب في انهيار النموذج السويدي، إلى "السياسة الليبرالية الجديدة للخصخصة والتسويق وإلغاء الضوابط وانحدار الدولة، التي أدت إلى انعدام الأمن الاجتماعي والمجتمعي، وعدم توزيع الموارد بالشكل المطلوب".
كما أرجع ذلك إلى أن "السويد أرادت جذب الاستثمار الأجنبي من خلال خفض ضريبة الشركات إلى 22 بالمئة فقط، وهي نسبة منخفضة للغاية، بينما يواجه الناس تغيرات مجتمعية أدت إلى زيادة الفقر يوما بعد آخر".
** تجاهل حكومي
من جهتها، قالت الأمينة العامة لمنظمة "أوكسفام" في السويد سوزان ستاندفاست، إن السويد إحدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي "زاد فيها التفاوت الاقتصادي بشكل أكبر في العقود الأخيرة".
وأضافت ستاندفاست، لوكالة "TT" المحلية (حكومية)، أن هذا "يرجع جزئيا إلى فرض ضرائب على دخل العمل أكثر من دخل رأس المال، لذا فإن الأشخاص ذوي الدخل المنخفض يدفعون نسبة ضريبية أعلى من ذوي الأصول الأكبر".
وتابعت أن "قضية الانقسامات الاقتصادية لم يتم التطرق إليها خلال الحملة الانتخابية التي جرت العام الماضي في البلاد"، في إشارة إلى الانتخابات العامة (برلمانية وبلدية) التي جرت في 11 سبتمبر/ أيلول 2022.
وأوضحت أن "الأمم المتحدة والبنك الدولي أثارا القضية، لكن السويد صامته حيالها بشكل مذهل، فلا نرى أي مناقشات بشأن ما تعنيه هذه الفجوات لمجتمعنا وتنميتنا الاجتماعية التي نحتاجها".
وتابعت أن الاتجاه العالمي في المساواة بين المواطنين والشعوي "سلبي" وأن "الفجوة تتسع"، حيث يظهر مؤشر أوكسفام أن البلدان الغنية والفقيرة على حد سواء "فشلت فشلا ذريعا في منع التفاوت الاقتصادي".
وأضافت: "نرى أن الأمر مقلق للغاية، لا سيما بالنظر إلى الانكماش الاقتصادي الوشيك".
** ارتفاع اللامساواة
ومقابل تأكيد تقرير "أوكسفام"، أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء تزداد على عالميا، يرى أستاذ الاقتصاد بمعهد أبحاث الاقتصاد الصناعي (مقره ستوكهولم) دانيال والدنستروم، أن "العالم أكثر مساواة خلال السنوات العشرين الماضية".
وقال والدنستروم، للأناضول، إن "مستوى عدم المساواة في الدخل عالميا أصبح أكثر مساواة اليوم مما كان عليه قبل 20 أو 30 عاما".
وأضاف أن "الاقتصاد العالمي يواجه تحديات كبيرة، لكن توزيع الدخل في العالم ككل أصبح أكثر مساواة خلال السنوات العشرين الماضية".
وأرجع ذلك إلى "زيادة الدخل في الصين والهند، إذ رفعت الإصلاحات الاقتصادية ملايين الأشخاص من الفقر المدقع إلى وضع متوسطي الدخل".
وشدد على أن "العديد من البلدان لا تزال تعاني من فروق كبيرة في الدخل، وبالتالي هناك مجال أكبر للتطوير في مجال صنع السياسات والبنية التحتية والاستثمار".
ووفقا للأمم المتحدة، فقد ارتفع التفاوت في العديد من البلدان خلال العقود الثلاثة الماضية، بينما تراجع في بلدان أخرى، وأنه منذ الأزمة المالية العالمية لعام 2008، زاد عدد أصحاب البلايين بأكثر من الضعف.
فيما يقول مصرف "كريدي سويس" السويسري، إن 82 بالمئة من مجموع الثروة التي أنتجت في 2018، ذهبت إلى أرصدة شريحة الواحد في المائة العليا، ولم يكن للشرائح الباقية من البشرية نصيب من هذه الثروة.