غزة / نور أبو عيشة / الأناضول
- بعد 23 يوما من فقدان آثاره، علمت النازحة الفلسطينية نادية الدبس أن زوجها ما زال على قيد الحياة- الدبس للأناضول: ذهب زوجي لجلب بعض المستلزمات، لكننا هربنا من هول القصف قبل أن يعود- لم أكن أرغب بالمغادرة آنذاك لأن زوجي لم يعد، لكن حينما سقطت القذائف غادر الجميع- إحدى قريباتي أخبرتني أن زوجي اتصل بهم ليطمئن علينا، ونأمل في لم الشمل بشكل عاجلبعد 23 يوما من فقدان آثاره، علمت نادية الدبس التي نزحت من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، أن زوجها صفوت ما زال على قيد الحياة بعد أن ظل مصيره مجهولا لأسابيع في الحرب المدمرة التي تشنها إسرائيل على القطاع منذ 7 أكتوبر/تشرين أول الماضي.
العائلة الفلسطينية كانت قد نزحت جراء القصف الإسرائيلي الكثيف من مدينة غزة إلى بلدة المغراقة (جنوب المدينة)، لكنها اضطرت هناك للافتراق فظلت نادية رفقة أطفالها الثلاثة وعاد صفوت إلى غزة لإحضار بعض المستلزمات من البيت، لتغيب أخباره.
السبت الماضي، تلقت نادية (35 عاما) أنباء من إحدى قريباتها، أن صفوت بخير، وأنه هاتفهم للاطمئنان على زوجته وأبنائه بعد أن تعذر التواصل معهم.
وصفت الزوجة الأنباء التي وصلتها عن مصير زوجها بأنها "مطمئنة ومفرحة"، بعد أن قضت ليالي طوال بالتفكير بمصيره المجهول، وما إذا كان على قيد الحياة أو قيود الضحايا.
وعن لحظات الترقب والانتظار والقلق، تقول الدبس في حديثها لمراسل الأناضول: "طفلي الصغير كان يوقظني ليلا باكيا، ويقول لي أريد والدي".
ومنذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، يشن الجيش الإسرائيلي حربا مدمرة على القطاع، خلفت أكثر من 15 ألف شهيد، بينهم 6150 طفلا، وما يزيد على 4 آلاف امرأة، ودمارا هائلا في البنية التحتية وكارثة إنسانية غير مسبوقة، وفقا لمصادر رسمية فلسطينية وأممية.
القصة كاملة
في اليوم الخامس والعشرين من العدوان الإسرائيلي، غادر الزوج صفوت منطقة المغراقة التي نزح إليها رفقة عائلته منذ 13 أكتوبر عائدا إلى مكان سكنه في حي الشجاعية شرق مدينة غزة.
تقول الزوجة إنه ذهب لجلب بعض المستلزمات الأساسية من المنزل أهمها الملابس، والعودة فورا إلى المكان الذي نزحوا إليه.
لكن بعد وقت قصير من مغادرة الزوج إلى الشجاعية، ألقت إسرائيل مناشير (بيانات ورقية) تطالب سكان المغراقة (حيث نزحت العائلة) بإخلاء المنطقة فورا.
في النصف ساعة الأولى لم يعر سكان المنطقة اهتماما للمناشير وأهملوها، وفق نادية، لتبدأ القذائف الإسرائيلية بالسقوط عشوائيا صوبهم.
أضافت: "كنا نحو 40 شخصا بالمنزل الذي يأوينا، خرجنا جميعنا متفرقين من هول القصف والقذائف التي سقطت فوق رؤوسنا وتحت أقدامنا".
في البداية، لم يعرف أي شخص مصير الآخر، وكانت نادية تولي جل اهتمامها لجمع أبنائها، لتجنبهم تبعات القصف العنيف الذي طال المنطقة.
"لم أكن أرغب في المغادرة آنذاك لأن زوجي لم يعد من الشجاعية، لكن حينما سقطت القذائف غادر الجميع إلى أماكن متفرقة، وكذلك أنا فعلت ذلك واصطحبت أطفالي"، وفق ما سردت.
صعوبات النزوح
تصف الزوجة رحلة النزوح تحت القذائف بأنها "خطيرة وشاقة للغاية"، خاصة وأنها اصطحبت أطفالها الثلاثة بمفردها، في ظل وضع تعايشه للمرة الأولى منفردة.
وما فاقم صعوبة الرحلة، الوضع الصحي لطفلتها الكبرى رهف (11 عاما)، التي تعاني من ثقوب في القلب وارتجاع في الصمام، ما يسبب لها حالات إغماء متكررة، وفق قول الزوجة.
أصيبت الطفلة خلال النزوح بالإغماء، ما أعاق مسير العائلة لعدم وجود أحد يساندها في حملها، والمضي هربا من القذائف.
بعض الأشخاص في منطقة تبعد عن المكان المستهدف، ساعدوها في استعادة رهف وعيها كي تكمل المسير مشيا.
تقول نادية إن "رهف بحاجة لإجراء عملية جراحية في القلب لكن الأطباء أخبروها أن العملية تُجرى للأطفال فوق سن 11 عاما فقط".
كانت رهف تجري مراجعات دورية في مستشفى الرنتيسي للأطفال بمدينة غزة، حيث تتلقى علاجا وريديا وإجراء صور أشعة، لكن منذ بداية الحرب، لم تتمكن أمها من اصطحابها للمستشفى.
مصير مجهول
بصعوبة كبيرة، وصلت النازحة وأطفالها إلى مخيم النصيرات للاجئين، كان أولى محطات النزوح من المغراقة، لتتجه في اليوم التالي إلى مدينة دير البلح وسط القطاع.
ومنذ ذلك الوقت، تمكث الزوجة وأطفالها في خيمة صغيرة في "مستشفى شهداء الأقصى" بالمدينة، رفقة عائلتين.
قضت الزوجة وأطفالها أيامهم داخل الخيمة دون معرفة مصير صفوت، كونه فقد هاتفه المحمول أول أيام الحرب، ما تسبب بتعذر التواصل بينهم.
كانت تواسي نفسها بالاعتقاد بأن صفوت يمكث في مجمع الشفاء الطبي (غرب مدينة غزة) ليحتمي من القصف، لكنها لم تملك آنذاك أي معلومة تؤكد ذلك.
قبل نحو 5 أيام، إحدى قريبات الدبس أبلغتها أن صفوت هاتفهم للاطمئنان على زوجته وأطفاله، وأكدت نادية أنها لم تسمع صوته منذ أسابيع.
بعد هذه البشرى ظل الأطفال تحت تأثير الصدمة، وفق نادية التي قالت إنهم رفضوا تصديق أن والدهم على قيد الحياة حتى يسمعوا صوته، أو يشاهدوه أمامهم.
وأعربت الزوجة عن أمل العائلة في أن يلتم شملها في القريب العاجل.
ويشهد قطاع غزة منذ صباح الجمعة، هدنة مؤقتة لأربعة أيام تم تمديدها 3 أيام بحيث تنتهي صباح غد الجمعة، تتضمن وقفا لإطلاق النار بين "حماس" وإسرائيل وتبادلا للأسرى، بموجب وساطة قطرية مصرية أمريكية.
وتتكشف جراء الهدنة المؤقتة العديد من قصص المعاناة والمآسي التي تظهر تباعا، وتظهر حجم الكارثة التي يعيشها أهالي قطاع غزة جراء الحرب الإسرائيلية التي خلفت كارثة إنسانية غير مسبوقة، وفق تقارير محلية وأممية.