غزة / الأناضول
بينما يهتز العالم غضبا على المراسم التي أجرتها حركة "حماس" أثناء تسليم جثامين 4 إسرائيليين بينهم سيدة وطفليها كانوا محتجزين في قطاع غزة، تبقى جثث آلاف الأطفال والنساء الفلسطينيين تحت أنقاض منازل دمرها الجيش الإسرائيلي خلال حرب الإبادة الجماعية.
ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 19 يناير/ كانون الثاني الماضي، إلا أن الفلسطينيين ما زالوا يعجزون عن انتشال تلك الجثث التي لم يبق من بعضها إلا العظام بسبب نقص المعدات والآليات الثقيلة التي ترفض إسرائيل إدخالها، في قضية لا تحظى باهتمام دولي مماثل لتسليم جثامين الإسرائيليين.
والخميس، سلمت الفصائل الفلسطينية في غزة 4 توابيت لجثامين إسرائيليين، وقالت إنها لشيري بيباس وطفليها كفير وأرئيل، والأسير عوديد ليفشتس، وذلك ضمن الدفعة السابعة من المرحلة الأولى باتفاق وقف إطلاق النار الساري.
وقالت "حماس" في بيان، مخاطبة عائلات بيباس وليفشتس: "كنا نفضل أن يعود أبناؤكم إليكم أحياء لكن قادة جيشكم وحكومتكم اختاروا قتلهم وقتلوا معهم 17 ألفا و881 طفلا فلسطينيا".
مباني قطاع غزة المدمرة التي تحولت إلى مقابر جماعية ما زالت تحتفظ بأسماء الأطفال الذين لم يتم انتشالهم، فمثلا كتب فلسطينيون على أحد الجدران المدمرة قبل نحو عام "الأطفال ما زالوا تحت الأنقاض.. عمر وعبد الله وماسة".
ألعاب هؤلاء الأطفال الممزقة تبرز بين الركام لتذكر العالم أن أطفالا كانوا يقطنون في هذه المنازل قبل أن تدمرها إسرائيل التي تمتلك التقنيات التكنولوجية بما مكنها من معرفة معلومات الأشخاص داخل المنازل قبل استهدافها، وفق ما أكدته تقارير حقوقية.
وفي الوقت الذي ما زال فيه صدى استغاثات أطفال من الموت برصاص إسرائيلي وصراخ أمهات ثكالى فقدوا كافة أطفالهم يتردد في أذهان الكثيرين، يغض العالم الطرف عن المذبحة التي ارتكبت بحقهم ويبقهم أرقاما داخل تقارير حقوقية لا تجد طريقها إلى العدالة.
وفي ضوء ذلك، تسلط الأناضول الضوء على أبرز القصص المأساوية لضحايا من الأطفال والنساء بغزة ما زالت عالقة في الأذهان:
** "إعدام" أطفال خدج
في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، اقتحم الجيش الإسرائيلي مستشفى "النصر" للأطفال غرب مدينة غزة، وأجبر الطواقم الطبية على المغادرة تحت ترهيب السلاح، فيما رفض إجلاء الأطفال الخدج إلى خارج المستشفى، ما تسبب بوفاة 5 منهم، وفق ما أوردته وزارة الصحة آنذاك.
بعد انسحاب الجيش من حي "النصر" عُثر على جثث الخدج الخمسة متحللة داخل الحضانات وعلى أسرة المستشفى بعدما فرض عليهم الجيش الإسرائيلي الانقطاع عن العلاج اللازم لبقائهم على قيد الحياة.
** يوسف.. "شعره كيرلي وأبيضاني"
في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، انتشرت حكاية أم فلسطينية مكلومة تجوب أروقة مستشفى بقطاع غزة باحثة عن طفلها يوسف (7 سنوات) بين المصابين أو القتلى الواصلين إليها.
وعبر مقطع فيديو مؤثر ومبكٍ انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي آنذاك، ظهرت والدة يوسف وهي في حالة صدمة وخوف تسأل الأطباء عن طفلها إن كان مر عليهم أم لا، قائلة "يوسف، 7 سنين، شعره كيرلي وأبيضاني وحلو".
وصدمت الفلسطينية بعد ساعات من وجود طفلها داخل ثلاجة الموتى في المستشفى بعد أن قتل باستهداف إسرائيلي.
**ريم.. "روح الروح"
في نوفمبر 2023، قتلت غارة إسرائيلية ريم (3 سنوات) وشقيقها طارق، حفيدي الجد خالد نبهان المكنى بـ "أبو ضياء" والذي قتلته إسرائيل هو الآخر في 16 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
وتداول ناشطون فلسطينيون على مواقع التواصل الاجتماعي آنذاك مقطع فيديو يُظهر الجد حاملا بين ذراعيه جثمان ريم، ويودعها بأسلوب مؤثر ومبكٍ.
وهو يحتضن جثمانها برفق، قال الجد نبهان بكلماته الحنونة المعهودة: "روح الروح هذه.. روح الروح"، وفق ما أظهره مقطع الفيديو.
** "هذا حلم أم حقيقة؟"
في ديسمبر 2023، تداول ناشطون مقطع فيديو لطفلة فلسطينية أُخرجت من تحت الأنقاض وبينما كانت تتلقى الرعاية الطبية في أحد مستشفيات القطاع، قالت للطبيب وهي مصدومة: "عماه.. دعني أسألك: هل ما يحدث حلم أم حقيقة؟".
أجابها الطبيب فورا: "لا تخافي.. أنت بخير"، لتكرر السؤال وهي تبكي: "أعلم أنني بخير لكن أخبرني: هل هذا حلم أم حقيقة؟".
** "هي أمي.. بعرفها من شعرها"
في أكتوبر 2024، تداول ناشطون مقطع فيديو لطفلة فلسطينية سقطت أرضا وهي تبكي بشدة بعد أن تعرفت على والدتها بين جثامين فلسطينيين قتلتهم إسرائيل.
الطواقم الطبية داخل المستشفى حاولوا إبلاغ الطفلة أن هذا الجثمان لا يعود لوالدتها، لكنها قالت بعد أن أجلسوها على مقعد حديدي، وهي تبكي بحرقة وبأنفاس متقطعة: "إنها هي.. أقسم أنها هي، أنا أعرفها من شعرها.. إنها هي".
لم تتوقف الطفلة عن البكاء في مقطع يدمي القلوب، وتقول: "أقسم أنني لا أستطيع العيش دونك يا أماه، لماذا تركتيني!"، ومن ثم توسلت من أجل إلقاء نظرة عليها.
وبعد نوبة بكاء، قالت الطفلة إن شقيقتها أيضا قتلت مع والدتها، وأردفت: "لم يكتفوا، قتلوا جدتي وجدي وعمتي وأبناءها وأمي وأختي".
وفي محاولة منه لمواساتها، أخبرها شقيقها أنهم شهداء، لترد صارخةً: "أعلم أنهم شهداء.. لكنني أنا أحتمل ذلك، إنهم لا يرحمونا.. ماذا فعلنا لهم!!".
** هند رجب.. "أمانة تعالي خذيني"
في يناير 2024 تداول ناشطون مكالمة هاتفية مؤثرة سجلها الهلال الأحمر الفلسطيني للطفلة هند رجب التي لم تكمل ربيعها السادس وهي تتوسل لمسؤولي المنظمة بإنقاذها من سيارة كانت تتواجد بداخلها مع أقاربها الذين قتلوا جميعهم برصاص الجيش الإسرائيلي.
قالت هند آنذاك لموظفة الهلال الأحمر وهي تبكي عبر الهاتف المحمول: "أمانة (أرجوك) تعالي خديني"، بعد أن أبلغتها أن الدبابة الإسرائيلية تتحرك بجانبها.
طواقم الإسعاف عجزت آنذاك عن الوصول إليها بسبب كثافة النار واستهداف الجيش الإسرائيلي كل ما يتحرك.
انتظرت الطفلة وظلت طوال ثلاث ساعات تخبر طواقم الهلال الأحمر عبر الهاتف بأنها خائفة بين جثث أقاربها في السيارة الذين أعدمهم الجيش الإسرائيلي.
وبعد نحو 12 يوما على المكالمة، عثرت فرق الإسعاف على جثمان هند، وكانت قد فارقت الحياة منذ اليوم الذي أطلقت فيه استغاثتها، فضلا عن جثماني المسعفين اللذين خرجا لإنقاذها.
** "سيدرا".. جثمان مُمزق علق بالجدار
في فبراير/ شباط 2024 تداول ناشطون مقطع فيديو وثق جثمان طفلة فلسطينية (7 سنوات)، ممزقا بعدما علق بأحد الجدران، إثر قصف إسرائيلي استهدف المنزل الذي تواجدت به.
الجثمان يعود للطفلة سيدرا حسونة، التي قُتلت مع توأمها ووالديها وجدتها وجدها وعمها، في قصف إسرائيلي على منزل نزحوا إليه قادمين من شمال قطاع غزة.
هذه الطفلة التي دائما ما كانت تهتم بأناقتها بينما تعلو صوت ضحكتها في أرجاء المكان، مزقت إسرائيل جثمانها بشكل مرعب لا يمكن أن يُنسى.
** "أبو الروح هذا"
في مارس/ آذار 2024 جرى تداول مقطع فيديو لسيدة فلسطينية تحتضن أحد أطفالها التوأمين اللذين قتلا برفقة زوجها بغارة إسرائيلية، وتقول بحسرة إنه كان من المفترض أن يتم جلب الحفاضات والحليب الخاص بهما.
وهي تمسك بأحد توأميها القتلى، تقول بعد أن أجهشت بالبكاء مشيرة إلى عينه: "عينه كانت تدمع (..) أخذناه إلى الدكتور، قال اعملي له مساج (تدليك)"، وتقول بقلب مكلوم: "أبو الروح هذا أبو الورد هذا.. نبض قلبي".
وتضيف وهي تبكي بحسرة: "ليتهم على الأقل أخذوا واحدا (الأحد التوأمين) وأبقوا على الآخر".
وفي مقطع آخر، كانت تمسك بالتوأمين في يديها، وتخاطبهما باكية: "أبو الورد رحت يما.. يا قلبي"، وتخاطب الثاني قائلة: "رحتي يا سوسو؟".
** قتل توأمين ووالدتهما
في أغسطس/ آب 2024، قتلت إسرائيل التوأم الفلسطيني "آيسل" (أنثى) وآسر (ذكر) أبو القمصان مع والدتهما، بقصف إسرائيلي استهدف المنزل الذي نزحوا إليه، بعد 3 أيام من ولادتهما، وقبل استخراج شهادتي الميلاد الخاصة بهما.
وبدعم أمريكي، شنت إسرائيل حربًا على غزة بين 7 أكتوبر 2023 و19 يناير 2025، أسفرت عن أكثر من 160 ألف قتيل وجريح فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 14 ألف مفقود، وفق معطيات فلسطينية.
وفي 19 يناير الماضي، بدأت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى المقسم إلى ثلاث مراحل، كل منها تستمر 42 يوما، مع شرط التفاوض على المرحلة التالية قبل استكمال المرحلة الجارية.
news_share_descriptionsubscription_contact
