Mustafa M. M. Haboush
14 نوفمبر 2023•تحديث: 14 نوفمبر 2023
غزة / مصطفى حبوش / الأناضول
بخلاف ما تواصل إسرائيل الترويج له منذ بداية حربها على غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، الواقع يقول إن الانتقال من شمال القطاع إلى جنوبه لا يعني النجاة.
فمئات النازحين الفلسطينيين قتلوا في غارات إسرائيلية متفرقة على تلك المناطق، والبقية معرّضون للموت عطشا وجوعًا وسط النقص الحاد في الموارد الغذائية والمياه.
ضغط كبير على الخدمات العامة والمواصلات يواجهه الفلسطينيون في مناطق الجنوب، إضافةً إلى الازدحام الهائل، فنحو مليون شخص من مدينة غزة ومحافظة شمالي القطاع نزحوا جنوبًا خلال أقل من 3 أسابيع.
بين طوابير الخبز والمياه ولقمة متواضعة تسد رمق الأطفال، رحلة مشقات تتكرر يوميًا حكى تفاصيلها للأناضول نازحون لجأوا إلى الجنوب الذي لم يكن أبدا بمنأى عن الحرب وتبعاتها، فضلا عن كونه غير مجهز لاستيعاب الازدحام الهائل الذي طرأ قبل أسابيع.
* اكتظاظ وندرة موارد
جنوبي غزة، لا يستيقظ الفلسطينيون مبكرا على أصوات القصف الجوي والمدفعي أو الاشتباكات، كما يحدث بشمالي القطاع فالقصف بهذه المنطقة محدود.
لكن من يعيش في مخيمات البريج والمغازي والنصيرات ومدن دير البلح وخان يونس ورفح جنوبية، عليه أن يستيقظ مبكرا للبحث عن المياه والطعام والحطب لإشعال نار ليعد الخبز، في رحلة تستغرق حتى غروب الشمس.
في مدينة دير البلح التي يقطن فيها مراسل الأناضول منذ وصوله إلى جنوبي القطاع قبل 3 أيام، المحال التجارية فارغة تماما من الأطعمة المعلبة والبسكويت والأرز وأي من أنواع الطعام.
هذه الظروف أجبرت العديد من النازحين الذين وصلوا في الأيام الأخيرة إلى جنوبي غزة، على البقاء من دون طعام لعدة أيام معتمدين فقط على بعض البسكويت ومياه ملوثة قد لا يستطيع البعض تجرعها من شدة ملوحتها.
هنا، يعتمد الفلسطينيون على ما خزّنوه من أطعمة في الأيام الأولى للحرب، وهي كميات ضئيلة أيضًا تكاد تنفد من غالبية البيوت، فلا أحد كان يتوقع أن تستمر المواجهة إلى هذا الوقت.
* معركة الخبز والمياه
الفلسطينية خالدة عبد النبي، نزحت من بلدة بيت لاهيا (شمال) إلى منطقة "الحكر" أقصى جنوبي مدينة دير البلح، وتقطع يوميًا مسافة 3 كيلومترات ذهابًا ومثلها إيابًا لتعبئة غالون واحد من المياه المحلّاة من مستشفى شهداء الأقصى شمالي المدينة.
يوميا تغادر خالدة منزلها من الساعة السادسة صباحا، لتعود بعد 4 ساعات، فإضافةً للمسافة المرهقة التي تقطعها بين ركام المنازل المدمرة مشيًا على الأقدام، عليها الانتظار في طابور طويل داخل المستشفى لتعبئة غالون المياه.
طريق العودة هو الأصعب بالنسبة للفلسطينية الثلاثينية، فهي تحمل المياه بوزن 20 كيلوغراما، وتسير بحذاء مهترئ على طريق وعرة تزدحم فيها حجارة المباني المدمّرة في المدينة بفعل القصف الإسرائيلي المتواصل.
وعندما تصل إلى ذلك المنزل القديم في منطقة "الحكر"، تكون الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحا، فتجد ابنها قد أشعل النار لتبدأ هي إعداد الخبز على لوح معدني صدئ تثبته أعلى موقد باستخدام حطب جمعته قبل يومين من أراض زراعية قريبة.
كيس الدقيق (25 كيلوغراما) الذي تعد خالدة الخبز منه، اشترته قبل أيام بـ200 شيكل (نحو 50 دولارا)، أي 4 أضعاف سعره الأصلي.
وبمجرد أن تنتهي من إعداد الخبز، تبدأ تحضير الطعام وهو عبارة عن جبن وزعتر وقليل من الفلفل المهروس، وهي في الحقيقة وجبة الغداء، فالساعة تكون قد تجاوزت الواحدة ظهرا.
وأمام خالدة وقت قصير لغسل ملابس أطفالها الأربعة وزوجها المريض المقعد، بمياه تصل المنزل عبر خطوط بلدية مدينة دير البلح لمدة ساعتين إلى 5 ساعات فقط كل 3 أيام.
ويقوم الفلسطينيون في المدينة بتجميع هذه المياه مرتفعة الملوحة في خزانات إلى سطوح منازلهم واستخدامها بتقنين شديد على مدار الأيام التي تنقطع فيها.
* مساعدات محدودة
أما في المدارس والمستشفيات فيبدو أن النازحين أقل حظا، ذلك أنهم يعيشون في خيام أو في غرف المدارس المزدحمة، وينتظرون المساعدات الغذائية والمياه التي تصلهم كل 3 أيام أو أكثر من ذلك لتلبّي جزءًا يسيرًا من احتياجاتهم.
وبحسب نازحين فلسطينيين للأناضول، فإنهم يحصلون على سلة غذائية من خضراوات وأطعمة معلبة ومياه توزع كمساعدات إنسانية على فترات متباعدة نظرا لشحّها، منها ما يأتي من مصادر دولية وإقليمية ويدخل من مصر عبر معبر رفح، أو من خلال إنزال جوي كما يفعل الأردن بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي.
وفي ظل عدم توفر أي من المواد التموينية والغذائية في المدينة، فإن هذه المساعدات هي وسيلة الحياة الوحيدة لهم إضافة إلى ما يعدّونه من خبز يوميا.
أما الكميات التي يحصل عليها النازحون في المدارس فتكفي في الوضع الطبيعي ليوم واحد فقط، لكنهم يستهلكونها حاليا على مدار 3 أيام.
* التنقل.. معاناة أخرى
جانب آخر من حرب البقاء يواجهه الفلسطينيون جنوبي غزة يتمثل في صعوبة التنقل، فالمواصلات هنا لا تتوفر إلا عبر عربات تجرّها الحيوانات فقط، وهي بأعداد قليلة جدًا.
هذه العربات باتت تستخدم أيضًا كأمل أخير لنقل الجرحى في بعض الأحيان، خاصة في المناطق البعيدة التي لا تستطيع سيارات الإسعاف الوصول إليها.
وليس بعيدًا عن هذه الظروف يعيش المرضى، فهم لا يحصلون على الرعاية الصحية الكافية بسبب ضعف الإمكانيات الطبية، وعليهم الانتظار طويلاً قبل مقابلة طبيب، ثم تبدأ معضلة البحث المضني للحصول على الأدوية التي في أغلب الأحيان لن يجدوا كل ما يحتاجونه منها.
ومنذ 3 أيام، تكثف القوات الإسرائيلية تمركزها في محيط مستشفيات شمال قطاع غزة، في ظل مطالب متلاحقة لسكان الشمال بالتوجّه جنوبًا، مع ادّعاء أن الجنوب مكان آمن من القصف، وهو ما ثبت عكسه حيث تعرض نازحون للقصف في مناطق النزوح وعلى الطرقات أثناء انتقالهم إلى "الأمان" الموعود.
ومنذ 38 يوما يشن الجيش الإسرائيلي حربا جوية وبرية وبحرية على غزة "دمّر خلالها أحياء على رؤوس ساكنيها"، وقتل أكثر من 11180 فلسطينيًا بينهم 4609 أطفال و3100 سيدة و678 مسنا، وأصاب أكثر من 27490 بجراح مختلفة، بحسب مصادر رسمية، حتى صباح الاثنين.