Leila Thabti
08 أبريل 2016•تحديث: 08 أبريل 2016
كيراوا/ جوزيان كواغي/ الأناضول
انتصارات باهرة حقّقها، مؤخرا، الجيش الكاميروني ضدّ "بوكو حرام"، سواء كان ذلك في إطار عمليات عسكرية منفصلة أو في إطار القوة الإفريقية المشتركة، كان لا بدّ وأن تتجلّى تداعياتها الإيجابية على الأرض، حيث بدأ الآلاف من سكان منطقة أقصى الشمال رحلة العودة إلى قراهم ومنازلهم، محمّلين بآمال القضاء نهائيا على المجموعة المسلّحة، واستعادة أمنهم تبعا لذلك.
ففي بلدة "كيراوا" أقصى شمالي الكاميرون، والتي لا يفصلها عن نيجيريا معقل المجموعة المسلّحة سوى نهر صغير يدعى "مبوا"، لا يحمل السكان الناشطون في معظمهم في قطاعات الزراعة وتربية الماشية، سوى حلم واحد وهو مرافقة قطعانهم للرعي.
حلم كان في السابق بعيد المنال، غير أنه أضحى اليوم في المتناول، بفضل تحسّن الأوضاع الأمنية في المنطقة. محمد آلادجي، أحد سكان أقصى الشمال الكاميروني، يتطلّع كغيره من المزارعين إلى زيارة حقل الدخن الذي يملكه في المنفذ الشمالي للبلدة، غير بعيد عن الحدود النيجيرية، وذلك عقب اضطراره إلى عدم الذهاب إليه منذ بضعة أشهر، خوفا من انتهاكات "بوكو حرام".
"في السابق، كنت أذهب إلى حقلي كل يوم، لزراعة الدخن، وبفضل المال الذي أجنيه من بيع المحصول، أتمكّن من إعالة زوجتي وأطفالي"، يضيف محمد بصوت واهن لا يكاد يسمع، مستدركا، في حديث للأناضول، أنّ "الإرهابيين الذين يرتكبون أعمال القتل والنهب والخطف"، أجبروه وبقية المزارعين ومربّي الماشية على ترك كل شيء والهرب بحثا عن ملجأ آمن.
بدا لهؤلاء الرعاة والمزارعين حينذاك أن مأساتهم لن تدرك طريق الفرج أبدا، غير أنّ تبدّل إحداثيات الوضع الأمني في المنطقة، أطاح بمنسوب التشاؤم الذي أطبق لفترة على النفوس. "أعتقد أنّ الوضع مؤقت"، يقول علي مالو، شاب كاميروني يقوم بزراعة الدخن والبصل في حقل ورثه عن والده، ويبيع الخشب حين ينتهي موسم تلك الزراعات.
"اضطررنا جميعا لترك حقولنا مع وصول بوكو حرام"، يتابع الشاب للأناضول، "بل إن (السلطات) حضرت زراعة الدخن، لئلاّ تتخذه عناصر المجموعة المسلحة مخبأ لها، واليوم، أكسب رزقي من تجارة صغيرة في انتظار العودة قريبا إلى حقلي.
شحنة تفاؤل قال عمدة دائرة "كولوفاتا" التي تعود إليها بلدة "كيراوا" بالنظر إداريا، إنها تتغذّى من انتصارات الجيش الكاميروني، والتي برهنت عن تقدّم واضح له على حساب المجموعة المسلحة، وهذا ما "جعل الأوضاع تتحسّن بشكل كبير"، على حدّ قوله للأناضول.
ولـ "القضاء نهائيا" على "بوكو حرام"، انضمّ عدد كبير من المزارعين والرعاة إلى لجان "اليقظة" الشعبية، والتي تضم في صفوفها المئات من شباب المنطقة، لمعاضدة الجهود الأمنية في اجتثاث التنظيم من منطقة الشمال الكاميروني.
محمد آلادجي قال موضّحا مهام هذه اللجان: "نساعد الجيش في التصدّي لبوكو حرام عبر إبلاغهم بمعلومات تتعلّق بالتحرّكات المشتبه فيها وغيرها من المعطيات ذات الصلة بالتنظيم المسلّح، على أمل أن نتمكّن جميعنا من القضاء على عناصره، لنتمكّن من الذهاب مجدّدا إلى حقولنا، حتى أننا نخطّط لابتياع عدد من الماشية بشكل تدريجي، وذلك بمجرّد أن تضع هذه الحرب أوزارها نهائيا".
محمد أشار أيضا إلى أنّه يحدث اليوم وأن ترافق قوات الدفاع بعض السكان ممّن "يقرّرون الذهاب في مجموعات إلى حقولهم، لجمع محاصيلهم والعودة"، وهذا ما لم يكن واردا قبل بضعة أشهر.
اختلاف أكّده رئيس القسم الإعلامي بوزارة الدفاع الكاميرونية، الكولونيل ديدييه بادجاك، والذي لفت في تصريح للأناضول إلى أنّ "الوضع مختلف للغاية اليوم، فلقد نجحنا في تطوير استراتيجية للتخطيط سرعان ما حصلنا على ثمارها على الأرض، وهذا ما يثير سعادة السكان، ويدفعهم لاستقبال قواتنا استقبال الأبطال".
من جانبه، قال هاشم الهاشيمي، وهو شاب نيجيري يقيم في بلدة "كيراوا" التابعة لبلده (بما أن القرية منقسمة إلى نصفين أحدهما تابع للكاميرون والآخر نيجيري)، إنّ "جيشنا يقود حاليا عمليات مطاردة لعناصر بوكو حرام، وهذا ما قلّص من هجمات المجموعة المسلحة مقارنة بالسابق، باستثناء بضعة انتحاريين ممن يفجّرون أنفسهم. أعتقد أننا سنتمكّن قريبا من العودة إلى حقولنا دون مشاكل".
"بوكو حرام" التي أثقلت منطقة أقصى الشمال الكاميروني بحوادث القتل والنهب والخطف، شنّت في المجموع أكثر من 330 هجوما استهدف القرويين في الفترة الفاصلة بين أغسطس/ آب 2014 ومارس/ آذار الماضي، بحسب ريتشارد دانزيجر، المدير الإقليمي للمنظمة الدولية للهجرة لغرب ووسط إفريقيا.
دانزيجر أضاف الاثنين الماضي، في تصريحات لوسائل الإعلام، أنّ هذه الهجمات المروّعة تسبّبت في نزوح أكثر من 170 ألف كاميروني من منطقة أقصى الشمال، ممن اضطروا لمغادرة قراهم واللجوء إلى مدن أخرى أكثر أمنا وهدوءا.
غير أنه، وبمرور الوقت، تمكّنت، مؤخرا، القوات الكاميرونية في عملية مشتركة مع الوحدات النيجيرية، في إطار "القوة الإفريقية المشتركة"، لدول حوض بحيرة تشاد، من إلحاق خسائر فادحة بـ "بوكو حرام"، حيث وقعت تصفية نحو 300 من عناصره، وتحرير حوالي ألفي رهينة محتجزة لديه، وفقا لما أعلنه الجنرال الكاميروني، بوبا دوبيكريو، قائد المنطقة العسكرية الأولى التابعة للتحالف الإفريقي.
المصدر نفسه أضاف، في تصريح سابق للأناضول، أن القوات العسكرية المشتركة تمكّنت أيضا من تدمير قاعدة لوجيستية يستخدمها التنظيم لصنع المتفجّرات، إضافة إلى مصادرة عدد كبير من الأسلحة وتدمير سيارات ومولّدات وغيرها من ترسانات المعدّات الحربية.
"انتصارات" صنعت الفارق على الأرض، بحسب مراقبين يرون أنّ كرة اللهب التي صنعتها "بوكو حرام" بدأت تذوي تحت ثقل الحملات العسكرية للقوة الإفريقية المشتركة المؤلّفة من أكثر من 10 آلاف جندي من نيجيريا والكاميرون والنيجر وتشاد وبنين، وهي البلدان الأكثر تضرّرا من الهجمات، وذلك منذ نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تاريخ الانطلاقة الفعلية للتحالف.