İman Sehli
18 فبراير 2016•تحديث: 19 فبراير 2016
تونس/أبيدجان/ نادية الشاهد/فولبارت ياو/الأناضول -
يافطة ورقية دوّنت عليها عبارة "كابينة اتّصالات"، إعتلت طاولة صغيرة، إلى جانب 4 هواتف نقّالة، غير بعيد من محطّة النقل البرّي في ضاحية "يوبوغون" شمال أبيدجان العاصمة الإقتصادية لكوت ديفوار..
تلك هي مكوّنات مشروع مارسيلين نغيسان، الشابة الإيفوارية ذات الـ 28 عاما، والحاصلة على الإجازة في "علم الجريمة". مفارقة تبدو لافتة بين المستوى الأكاديمي للشابة وبين عملها، غير أنّ مارسيلين قالت إنّها اضطرت لاختيار هذا العمل، مع توالي التجارب الفاشلة في العثور على وظيفة شاغرة في مجال تخصّصها.
ورغم دخلها الجيد الذي يصل الى ما يعادل 30 دولارا في اليوم، إلا أنها تحس بالمرارة "كلما عادت بها الذاكرة إلى السنوات الطويلة التي قضتها على مقاعد الدراسة دون الإستفادة منها في العثور على وظيفة مناسبة"، على حدّ قولها للأناضول.
علي كوليبالي، هو أيضا شاب إيفواري في الـ 26 من عمره، وحاصل على شهادة تقني سامي في النقل اللوجستي، وتفاصيل معاناته لا تختلف كثيرا عن مارسيلين، حيث اضطر هو الآخر للعمل بائعا بمحل لقطع غيار السيارات، في نهاية رحلة طويلة لم يتمكّن خلالها من الحصول على ردّ إيجابي لمئات مطالب الشغل التي أرسلها للعشرات من الشركات الناشطة في مجال دراسته.
أمثال مارسيلين وعلي ممّن يواجهون معضلة البطالة كثيرون سواء في كوت ديفوار أوفي القارة الإفريقية عموما. آفة تتفشّى بشكل صاروخي نتيجة الهوة الشاسعة الفاصلة بين متطلّبات سوق الشغل الإفريقية وبين الاختصاصات أو التكوين المتوفّر لدى الشباب، والذي غالبا ما لا يتلاءم مع المواصفات المطلوبة للوظائف الشاغرة.
إشكال جوهري أصاب أصحاب الشهائد العليا بخيبة أمل كبيرة، وأصحاب الشركات بإحباط أكبر، فكان أن ازدادت الفجوة بين الجانبين اتّساعا، فتزداد معدّلات البطالة من جهة، ويحتدّ نقص العمالة من جهة أخرى.
البنك الدولي ذكر، في تقرير صادر في 2014، عن تشغيل الشباب في إفريقيا جنوب الصحراء، أنّ نوعية التعليم الفاشلة التي تقدّمها المؤسّسات المدرسية والجامعية في إفريقيا، وغياب الجانب التطبيقي خلال المسيرة الجامعية، وهيمنة الاختصاصات الأدبية على حساب العلمية، إضافة إلى غياب التكوين المناسب في القطاعات التي تحتاج لليد العاملة، تعتبر من بين العوامل التي تؤثر على القدرة التنافسية للشباب الإفريقي في سوق الشغل.
وأوضح التقرير نفسه، والذي ركّز على نوعية التعليم في بعض البلدان الإفريقية، أنّ 43% من تلاميذ الصف السادس من التعليم الابتدائي في تنزانيا، و74% في موزمبيق، لم يتجاوزوا، حسابيا"، مستوى الكفاءات الأساسية، بينما لا يستطيع 44% من طلاّب الموزنبيق "القراءة من أجل فهم واستيعاب النص".
من جانبه، قال درامان إيدارا، المختص في استراتيجيات تطوير الشغل في مكتب داكار بالسنغال، والتابع لمنظمة العمل الدولية (للأمم المتحدة)، خلال ملتقى عقد، مؤخرا، حول تشغيل الشباب في أفريقيا، إنّ "الاقتصادات الإفريقية ترتكز على الزراعة بنسبة 80٪، ومع ذلك لا توجد مدرسة زراعية واحدة ذات كفاءة في القارة".
وأظهرت دراسات أجريت في تنزانيا عام 2011، ودورية "التوقعات الاقتصادية من أجل إفريقيا" (نشرية مشتركة بين البنك الإفريقي للتنمية وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية)، أن من بين 23 مركزا للتكوين المهني بالمناطق الريفية في إفريقيا، 3 منها فقط تقدّم تكوينا في قطاع الفلاحة.
وفي تصريح للأناضول، أشار من جانبه سيري سي، الخبير السنغالي في الجغرافيا الاقتصادية، إلى غياب التكوين في المجالات ذات القدرة التشغيلية المرتفعة، على غرار القطاع الفلاحي، وذلك في أغلب دول إفريقيا جنوب الصحراء، مبينا أن "التكوين المقدم موجه، بالأساس، إلى قطاع الخدمات مع أنّ الأخير لم يعد يحتمل المزيد من اليد العاملة".
وضع بات من الصعب تجاوزه، نظرا للإرتفاع المتوقّع، خلال السنوات القادمة، في عدد الشباب وأصحاب الشهائد العليا. وبحسب تقرير صادر في 2014 عن البنك الدولي، فإنّ نحو 11 مليون شاب إفريقي، سيدخلون سنويا سوق الشغل خلال العقد المقبل.
وفي 2030، من المنتظر أن يبلغ عدد الشباب الإفريقي الحامل لشهائد عليا، ممن تتراوح أعمارهم بين الـ 20 إلى 24 عاما، 12 مليون شخص، وفقا لـ "التوقعات الاقتصادية من أجل إفريقيا".
معطيات وتوقّعات تشي بصعوبة الوضع الراهن والمستقبلي، ما دفع بالكاميروني "بون" والمالي "تاهاني" والتشادي "جيفري" والكونغولي "كابوكولو"، إلى مغادرة بلدانهم ومتابعة دراستهم في الخارج، للتغلب على هذا المشكل. والتقت الأناضول بهؤلاء الشباب، في إحدى الجامعات التونسية الخاصة، حيث يزاولون تعليمهم في شعب الاقتصاد والعلوم التكنولوجية والاتصالات والهندسة. شهادات قالوا إنها ستمكنهم من الحصول على "وظائف جيدة"، فور عودتهم إلى بلدانهم، على حدّ قولهم.
وفي المقابل، أطلقت الحكومة الايفوارية عدة مبادرات تهدف إلى التقليص من الفجوة الفاصلة بين التكوين و التعليم ومتطلبات سوق الشغل، أبرزها، عملية "التكوين، جواز سفري من أجل العمل"، والتي تستهدف 15 ألف شاب، وتقدّم تكوينا إضافيا يهدف إلى تحسين اندماج 800 عاطل عن العمل في سوق الشغل.
كما أطلقت كوت ديفوار، هذه الدولة التي تناهز فيها معدّلات البطالة الـ 9.4 %، و13.8 % في صفوف الشباب (من 14 إلى 35 سنة)، منظومة لتمويل 700 مشروع من أجل دمج 5 آلاف و880 شاب ممن تلقوا تكوينا مهنيا في السوق التشغيلية، بحلول نهاية عام 2016، بحسب وزير التشغيل الايفواري، سيدي توري.
وأوضح البنك الدولي أن تكوينا تلقاه مراهقون في كل من أوغندا وليبيريا، بهدف اكتسابهم لمهارات تقنية وتطبيقية، أسهم في الترفيع في نسب التشغيل. ففي البلد الأول، ارتفعت النسبة إلى 32% ، في صفوف الفتيات اللواتي تلقين هذه الدروس.
وعلاوة على جملة الإصلاحات الحكومية، يجزم بعض الخبراء أنه يظلّ من الضروري تحفيز شباب القارة السمراء على التكفّل بمصيرهم، حيث شدّد سيري سي، على أهمية دعم الاستثمار الذاتي وتغيير العقليات التي "تقدس العمل الإداري والدخل الشهري".