بيروت/ يوسف حسين/ الأناضول
جدل واسع فجره إسقاط القضاء اللبناني تهمة العمالة لإسرائيل عن عامر الفاخوري، الشهير باسم "جزار معتقل الخيام" الذي استخدمته إسرائيل لسجن الأسرى اللبنانيين إبان احتلالها لجنوب البلاد.
وثمة حديث متصاعد عن ضغوط مارستها الولايات المتحدة على بيروت لإطلاق سراح الفاخوري الذي يحمل الجنسية الأمريكية، والمسؤول العسكري السابق لميليشيا "جيش لبنان الجنوبي".
وفي وقت سابق الجمعة، استدعى وزير الخارجية اللبناني ناصيف حتي، السفيرة الأمريكية لدى لبنان دوروثي شيا، على خلفية إخراج فاخوري من سفارة واشنطن في بيروت، وفق إعلام رسمي.
والفاخوري كان أيضا القائد العسكري لمعتقل "الخيام"، ثم فر إلى إسرائيل عام 2000، وحصل على الهوية الإسرائيلية.
و"جيش لبنان الجنوبي" (جيش أنطوان لحد)؛ هو ميليشيا عسكرية تأسست عام 1976 من أبناء القرى الجنوبية ووحدات منشقة عن الجيش اللبناني، لمواجهة منظمة التحرير الفلسطينية، وتحالفت مع إسرائيل بعد احتلالها جنوبي لبنان عام 1978.
** عودة وغضب
وكان الأمن اللبناني قد اعتقل الفاخوري في 13 سبتمبر/ أيلول 2019، لدى محاولته دخول لبنان عبر مطار بيروت، قادمًا من الولايات المتحدة، لاعتقاده بسقوط حكم سجنه 15 عامًا الصادر عن محكمة عسكرية في 1998 أدانته بالعمالة لإسرائيل، وذلك لمرور 20 عامًا على الحكم.
ووفق القانون اللبناني، تسقط التهم بـ"التقادم العشري"، أي بمرور 10 سنوات على توجيهها.
وولّدت عودة الفاخوري إلى لبنان غضبًا شعبيًا عارمًا، خاصة لدى الأسرى المحررين من السجون الإسرائيلية إبان فترة الاحتلال.
وتقدم المتضررون بدعاوى بحق الفاخوري لدى القضاء، وطالبوا بمحاكمته وإعدامه، إلا أن المحاكمات تأجلت مرارًا بسبب مرض الفاخوري بـ"سرطان الدم"، وعجزه عن حضور جلسات المحاكمة.
وبعد عدة جلسات لم يحضرها الفاخوري بسبب مرضه وتأجيل إصدار الحكم بحقه، عقدت جلسة للمحكمة العسكرية بشكل سري، الأحد الماضي، وعرضت ملف الفاخوري على التصويت.
وصوّت لصالح إطلاق سراحه ثلاثة قضاة بينهم رئيس المحكمة العسكرية العميد حسين العبد الله، والمدعي العام القاضي بيتر جرمانوس.
قرار وسّع نطاق الحديث عن ضغوط مارستها واشنطن على بيروت لإطلاق سراح الفاخوري بالتزامن مع ضغوط سياسية وإعلامية أمريكية كالتهديدات بفرض عقوبات على لبنان، وإعلان مرضه وإجراء مقابلات مع ابنته التي طالبت السلطات الأمريكية بالتدخل فورًا، واتهامها للبنان باحتجاز والدها.
وجاء القرار عقب اتهامات وجهتها قاضية التحقيق العسكري نجاة أبو شقرا، في 5 فبراير/ شباط الماضي، بحق الفاخوري، إذ اتهمته بمحاولة قتل معتقلين داخل سجن الخيام، وخطف وتعذيب آخرين، وارتكاب جرائم قتل، وهي اتهامات تصل عقوبتها - في حال ثبوتها - إلى الإعدام.
وتقدم قاضي الأمور المستعجلة في النبطية جنوبي لبنان، غسان الخوري، بطلب أمام محكمة التمييز العسكرية لنقض القرار الصادر عن المحكمة العسكرية الدائمة بكف التعقبات عن الفاخوري ومنعه من مغادرة لبنان بناء على تكليف من الأسرى المحررين.
من جانبه، تداول إعلام لبناني مقطعاً مصوراً لطائرة أمريكية قال إنها قادمة من قبرص وحطت في مقر سفارة واشنطن في عوكر قرب بيروت، وقامت بنقل الفاخوري ومغادرة لبنان.
فيما قالت وكالة الأنباء الرسمية، الجمعة، إن رئيس المحكمة العسكرية الدائمة العميد الركن حسين عبد الله، تنحى عن مهامه في رئاسة المحكمة، في كتاب رفعه إلى قائد الجيش العماد جوزيف عون، على خلفية الحملة التي تعرض لها مع أعضاء هيئة المحكمة، إثر القرار الذي أصدره في قضية الفاخوري.
ومن الجانب الأمريكي، أعلنت السيناتور جين شاهين، أنّ "الفاخوري أطلق سراحه وهو في طريقه إلى الولايات المتحدة".
بينما شكر ترامب الحكومة اللبنانية لتعاونها في الإفراج عن الفاخوري، وقال بمؤتمر صحفي: "كان الفاخوري موقوفًا في لبنان منذ أيلول 2019، وهو في مرحلة متقدمة من إصابته بمرض السرطان، ولم يكن يحصل على العلاج اللازم".
** طلب بفتح تحقيق
الوكيل القانوني للأسرى المحررين، المحامي حسن بزي، اعتبر أن "ما حصل (إسقاط التهم عن الفاخوري) خرق ويشكل عدوانا على السيادة اللبنانية وخرق لكل القوانين".
وأضاف للأناضول: "لم نسمع أي ردة فعل رسمية رغم مضي ساعات على الحدث، لا يوجد أي موقف رسمي لا من الحكومة ولا من وزير الخارجية ولا وزيرة الدفاع ولا من قيادة الجيش".
وأعرب بزي عن خشيته من أن "يكون إطلاق سراح الفاخوري ومغادرته لبنان بطائرة أمريكية حصل بالاتفاق مع السلطة اللبنانية وهنا الكارثة".
ولفت إلى أن "دخول الطائرة الأجواء اللبنانية تستوجب إذنا من وزارة الدفاع وقيادة الجيش، بالتالي إذا أعطت قيادة الجيش الإذن نكون دخلنا بجرائم جزائية، وإذا لم تعط، فهذا يعني اعتداء أمريكيا على سيادتنا لم يلق أي رد أو حتى استنكار".
وكشف بزي: "حضرنا شكوى للنيابة العامة التمييزية تتضمن طلب فتح تحقيق من لحظة المذاكرة (المداولة) وصدور الحكم إلى لحظة إخراج الفاخوري، ودعينا بشكل شبه مباشر إلى الاستماع لرئيس المحكمة العسكرية وأعضائها، وطلبنا الاستماع لمن يلزم من قيادة الجيش لترتيب المسؤوليات".
وأردف: "هناك مجموعة من الجرائم، جرم خرق سرية المذاكرة، جرم مخالفة قرار قضائي، جرم مخالفة قرار إداري، طلب مجلس الوزراء بمنع التحليق بالأجواء اللبنانية وقد نكون أمام جرم التآمر على الدولة اللبنانية وسيادتها من قبل بعض الأشخاص النافذين الذين اتفقوا مع واشنطن ووكالة المخابرات المركزية لإخراج الفاخوري".
وتابع: "قد يظهر التحقيق أن هناك تواطؤا وعليه نحن أمام 4 جرائم كبيرة".
واستطرد: "الشكوى التي ستقدم وستنشر تطلب من النائب العام التمييزي فتح تحقيق مع كل المسؤولين، مع القضاة ومع هيئة المحكمة ومع سياسي أو أمني أو جهاز أمني يثبت أنه متواطئ في صدور الحكم وفي المساعدة بفرار الفاخوري".
** العمالة.. تهمة لا تسقط بالتقادم
من جانبها، قالت المحامية بشرى الخليل، للأناضول، إن "العقوبة إذا مر عليها 20 سنة تسقط قانوناً هذا صحيح، ولكن هو معه جنسية إسرائيلية ولا يزال يستخبر مع العدو الصهيوني ويزور إسرائيل، هذا جرم لم يسقط بمرور الزمن ويفترض أن يحاكم بهذا الجرم ويحكم في لبنان".
وأضافت: "يبدو أن الموضوع أكبر من القضاء، وجماعة السلطة دائماً يستخفون بالقضاء، كان يجب أن يحاكم بتهمة الجنسية الإسرائيلية، هو عدو الآن".
** إهانة
أما أنور جمعة، النائب عن "كتلة الوفاء للمقاومة" التابعة لـ"حزب الله"، فاعتبر أن "هذا العمل الذي ارتكب إهانة لسيادة لبنان وشعبها، والحكم الذي صدر ليس باسم الشعب".
وقال: "تعرضنا لانتهاك سيادي من الدرجة الأولى، وواشنطن ضغطت على كل العالم بدءا من القضاة وما يحكى عن عقوبات وحجز على الأموال ومنع السفر للولايات المتحدة لأكثر من 25 شخصية والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور بحال حصول أي أمر لفاخوري".
ولفت إلى أن "الفاخوري عميل مثبت تماماً بالشهود والدلائل، وهناك جثة شهيد لم يتم العثور عليها حتى الآن، وقتل اثنين بأوامر مباشرة منه وارتكب جرائم تعذيب لا يمر عليها الزمن".
وأدان "من استند على بعض المخارج السخيفة مثله، وختم حياته المهنية بهذا الشكل، كان من الأفضل تقديم استقالتهم ولا ينهوا مسيرتهم المهنية بهذا الذل والعار والوصمة التي سترافقهم حتى مماتهم"، في إشارة إلى القضاء.
** العميل لا يكرم و"ضغوطات داخلية"
فيما قال فادي علامة، النائب عن "كتلة التنمية والتحرير"، للأناضول، "نحترم القضاء ودوره، واليوم حصل تمييز بالموضوع، العميل لا يجب أن يكرم ويجب أن يُعاقب على عمالته، وغير مقبول في أي دولة أن تتم مكافأة عميل".
وأضاف علامة أن "هناك إثباتات ودعاوى، ومطلوب تعديل بقانون العقوبات بخصوص موضوع مرور الزمن، يجب العمل على الموضوع".
من جهته، شدد روجيه عازار، النائب عن "تكتل لبنان القوي"، على أن "الفاخوري قام بأعمال مشينة بحق اللبنانيين، وارتكب جرم الخيانة العظمى بحق لبنان".
وقال: "أنا ائتمن للقضاء، وهل تصرف القضاء بهذا الموضوع بشكل صحيح أو لا، هذا يعود إليه".
وأردف: "لا أعرف ما الصيغة التي أوجدوها، ولكن هذه السلطة هي التي أطلقت الحكم، ولا يمكنني القول بأنه حصل ضغط سياسي أو دبلوماسي، للأسف أوجدوا مخرج".
وختم عازار: "لا شك انه حصلت تدخلات سياسية وضغوطات داخلية، ونتمنى أن يكون هذا الضغط الذي حصل يصب بالتبادل لمصلحة اللبنانيين بحال هناك شيء من هذا الكلام، وأن لا يكون إطلاق سراحه حصل بشكل مجاني بدون مقابل".
news_share_descriptionsubscription_contact
