هاجر الدسوقي
القاهرة ـ الأناضول
كشف وزير الري المصري محمد بهاء الدين عن قيام كل من الكونغو وجنوب السودان بوساطة، بين دول مصب نهر النيل من جهة ودول المنبع من جهة أخرى، موضحا أن بلاده أبدت استعدادها للتفاوض وبحث النقاط الخلافية بشأن التوقيع على اتفاقية "عنتيبي" لإعادة تقسيم مياه النيل بين دول حوضه العشرة.
وتطرح الاتفاقية بشكل غير مباشر إعادة النظر في حصتي دولتي المصب (مصر والسودان)، ووقعت عليها 7 دول للحوض، هي: إثيوبيا، رواندا، بوروندي، أوغندا، كينيا، تنزانيا، والكونغو الديمقراطية، فيما أعلن سفير جنوب السودان بمصر مؤخرا عزم بلاده (أحدث دولة عضو بتجمع حوض النيل) التوقيع على الاتفاقية، بينما ترفض مصر والسودان التوقيع.
وأعلنت كل من مصر والسودان رفضهما الاتفاقية التي يعتبران أن فيها "مساسا بحقوقهما التاريخية" في حصتهما بمياه النيل.
وحول سد "النهضة"، الذي بدأت إثيوبيا بناءه على نهر النيل ويتوقع أن يقلص حصة مصر والسودان من المياه، أوضح بهاء الدين خلال مقابلة مع مراسلة الأناضول بمكتبه في مقر وزارة الري بالقاهرة أنه "ننتظر التقرير النهائي للجنة الثلاثية نهاية الشهر الجاري، وفي حال ثبوت آثار سلبية سوف يكون هناك اتصال مباشر مع الجانب الإثيوبي لعرض الحلول هندسية التي يمكنها أن تؤدي إلى تلاشي هذه الآثار".
وتتكون اللجنة الفنية الثلاثية (مصر، السودان، إثيوبيا)، لتقييم سد النهضة، من 10 أعضاء، اثنان لكل دولة،، و4 خبراء دوليين في مجالات هندسة السدود وتخطيط الموارد المائية، والأعمال الهيدرولوجية، والبيئية، والتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية للسدود.
وعلى صعيد الوضع المائي في مصر قال الوزير إن "مصر تستخرج 2.2 مليار متر مكعب مياه جوفية سنوياً، نستهدف رفعها إلى 4 مليار متر مكعب بحلول 2017"، محذرا من دخول مصر في قائمة الفقر المائي.
وإلى نص الحوار:
*في البداية، هل مصر بالفعل على شفا جفاف وفقر مائي قريب؟
لا شك أن الموارد المائية محدودة منذ عام 1959 بينما الزيادة السكانية مطردة حيث تضاعفت 3 مرات كما تضاعفت المشروعات التنموية في الصناعة والزراعة والتوسع العمراني، كل ذلك يؤدي لزيادة الاحتياجات في حين لا توجد زيادة في الموارد، وبالتالي نعاني من ندرة مائية.
*إذاً، ما هو مستوى مصر في تصنيف الفقر المائي الدولي؟
في عام 1959 كان نصيب الفرد 2000 متر مكعب في السنة، وحاليا نصيب الفرد لا يتعدى 640 متر مكعب في السنة وهو ما يجعلنا من دول الفقر المائي وفق تقديرات الأمم المتحدة، ولو انخفضنا أقل من 500 متر مكعب سنصل حد الندرة المطلقة، وهذا متوقع مادامت هناك زيادة في عدد السكان ولا يقابلها زيادة في الموارد المائية..
حالياً نواجه هذه المشكلة لكن نقول لأنفسنا إننا أفضل من غيرنا فهناك بعض الدول المجاورة تحصل على 180 متر مكعب سنويا للفرد، لكن نتعامل مع المياه على أنها عنصر نادر يجب الحفاظ عليه وترشيد استخدامه.
*ما هي الخطوات التي تتخذها الوزارة في هذا الاتجاه؟
ترشيد الاستهلاك يعتمد على الترشيد في القطاعات المستخدمة للمياه (قطاع الزراعة والصرف الصحي والصناعة) ، كما نحاول إعادة استخدام المياه، حيث نعيد حاليا استخدام 22 مليار متر مكعب سنويا، كما نقوم بتقليل الفواقد عن طريق رفع كفاءة القطاع المائي للقنوات المائية والمصارف.
والأهم أننا نناشد المواطنين بالاقتصاد في استخدام المياه لأن الخوف أحيانا يدفعهم الى سحب المياه بكميات كبيرة، وكذلك المحافظة على المياه من التلوث حتى يمكن إعادة استخدامها.
وبالنسبة لاستخدامات المياه الجوفية نسعى للتأكد من عدم تعدي حدود السحب الآمن والالتزام بعدد ساعات التشغيل.
*ما هي كمية المياه الجوفية التي تقوم مصر باستخراجها سنوياً؟
نقوم باستخراج 2.2 مليار متر مكعب من المياه الجوفية الغير متجددة في الصحاري سنوياً، ونأمل زيادة عدد الآبار للوصول إلى إنتاج 4 مليار متر مكعب بحلول 2017، بعدها لن نقوم بالزيادة مجدداً حرصا على استدامة المشروعات وعدم تعدي السحب الآمن للمياه الجوفية وهو 4 مليار متر مكعب.
*وهل ما يتم استخراجه يكفي لسد احتياجات مصر في حال واجهت مشكلة مائية؟
هذه الكمية غير كافية وإنما هي المتاحة من المياه الجوفية في حدود السحب.
*هذا يعني أن لديكم بدائل للموازنة بين هذه الكمية الغير كافية والاحتياجات؟
صحيح.. لدينا برامج توازن بين الموارد والاستخدامات، فبالإضافة إلى أننا نستهدف زيادة السحب حيث هناك خزانات مياه جوفية سطحية غير عميقة موجودة في الدلتا والوادي، نتجت عن التسرب من شبكة الري والصرف والأراضي المروية، نقوم بسحب 6.5 مليار متر مكعب منها ونأمل أن يزيد السحب 8.5 مليار ونصف مكعب سنوياً بحلول 2017.
أما بالنسبة للمياه السطحية فنتوسع في إعادة الاستخدام أكثر من مرة، وكما قلت أننا نعيد استخدام 22 مليار متر مكعب، نحن نسعى إلى وصول هذا الرقم إلى 30 مليارا في المستقبل.
*في رأيك ما هو السبب الذي شرعت من أجله إثيوبيا لاتخاذ خطوات مسرعة في بناء سد النهضة مؤخراً؟
إثيوبيا أخذت قرارها ببناء السد، أثناء انشغالنا بثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.. ووجدت أن الظروف مواتية، كما أنها تحارب الفقر بين الشعب الإثيوبي ورأت أن أسهل الطرق بناء سد وتوليد الكهرباء من خلاله لدول الجوار لزيادة الدخل القومي.
والحقيقية نحن لسنا ضد الإنماء لأي بلد، لكن لا يجب أن يكون على حساب دول المصب بأي شكل من الأشكال.. نؤيدهم في الحد من الفقر ولكن يجب أن نكون واثقين أنه ليس له آثارا سلبية على مصر والسودان.
* قلت إن إثيوبيا وجدت أن الظروف مواتية لبناء السد، هل تعني بذلك أنها تسعى إلى أخذ ميزة استراتيجية تملكها مصر؟
غياب مصر عن المشهد السياسي لفترة طويلة ساعد على نمو الدور الإثيوبي، لكن عودة مصر وثقلها وموقعها المتميز إن شاء الله سيجعل الأمور بها اتزان.. نحن لسنا ضد أي دولة يكون لها دور إقليمي لكن لا يجب أن يكون هناك ضرر بمصر أو السودان.
* التقرير النهائي للجنة الثلاثية الدولية حول سد النهضة سيتم تسلميه نهاية قريبا، فماذا إذا تأكد أنه سيؤثر على حصة مصر من مياه النيل؟
اللجنة سترفع تقريرها للحكومات ولها أن تتخذ ما تراه، وفي حال ثبوت آثار سلبية سيكون هناك اتصال مباشر مع الجانب الإثيوبي للمصارحة ووضع حلول للتغلب على هذه الآثار سواء مشروعات لاستقطاب فواقد لو ثبت أن السد سوف يقلل الإيراد المائي لمصر والسودان، أو إذا ثبت أنه سيتسبب في نقص كهرباء من السد العالي فيجب على الجانب الإثيوبي التعهد بتعويض هذا النقص، أو إذا ثبت أن له تأثريات بيئية فيجب وضع برامج لتحسين المياه.
* وإذا لم تستجب إثيوبيا لهذه الحلول؟
لا أعتقد أن الجانب الإثيوبي سيبدي لامبالاة إذا كانت هناك آثار سلبية.. خاصة أنه صاحب اقتراح تشكيل لجنة ثلاثية لدراسة الآثار الناجمة عن السد.
*هناك دراسة، لمركز الدراسات الأمنية البريطاني "ميدل إيست أونلاين" نقلت من مصادر استخباراتية أن مصر تجهز لتوجيه ضربة عسكرية لسد النهضة، فما مدى صحة هذا الحديث في هذا التوقيت تحديدا؟
مصر لا تتجه إلى الحل العسكري لحسم النزاع، ولا يمكن أن تفكر فيه، فالحرب لن تحسم نزاعا ولكن يجب أن يتم ذلك بالمفاوضات.. يجب أن يكون هناك نظرة بناءة تسمح للجانب الإثيوبي بزيادة الدخل القومي دون الضرر بمصر أو السودان.
وفي إثيوبيا ينادون بزيادة الاستثمارات والتكامل، ونحن لدينا الموارد المائية محدودة ولا يمكن أن نقوم باكتفاء ذاتي، لذا يجب التكامل بين جميع دول حوض النيل، فلماذا مثلاً لا نزرع الأرز في أوغندا أو القمح في السودان أو نقيم مزارع لتربية المواشي في إثيوبيا؟!.
*تتحدث عن التكامل مع جميع دول حوض النيل، لكن هناك تركيز مصري ملحوظ على إثيوبيا فقط بشأن "عنتيبي"، رغم توقيع 7 دول أخرى عليها؟
نحاول زيادة مجالات التعاون الثنائي بيننا وبين هذه الدول، ودائما نقول لهم يجب أن نفصل اتفاقية عنتيبي عن المشروعات المشتركة بيننا، هناك بعض الدول كانت على عجلة رأت أن مباحثات سنوات يجب أن تكون نتيجتها إبرام هذه الاتفاقية وقاموا بالتوقيع، رغم أن هذه الاتفاقية تحتاج لتوقيع جميع دول حوض النيل حتى تحظى بالقبول العالمي.
وعرضت علينا الكونغو وجنوب السودان بعض الوساطات ونحن مستعدون لإعادة التفاوض بخصوص النقاط الخلافية، والوصول إلى صيغة متفق عليها.
*وماذا عن الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا الذي ربما يعوق جميع تلك المساعي، خاصة مع وجود تقارير إعلامية تتحدث عن أن هذا الدعم يمتد لسد النهضة؟
تغلغل إسرائيل في دول حوض النيل كأوغندا وتنزانيا وجنوب السودان معروف، وإثيوبيا واحدة من هذه المنابع، ولا أعتقد أن إسرائيل أو أي جهة عالمية تقوم بتمويل السد، وإنما الشعب الإثيوبي هو من يدفع كامل التكلفة.
كما أن إسرائيل لا تستطيع أن تضر مصر في المصالح المائية، هي فقط تشجع المشروعات هناك.. ولن يكون لها تأثير سلبي، فهي فقط تقوم بدور سياسي من منطلق "أنا موجودة هنا" ولا تعني شيئا أكثر من ذلك.
news_share_descriptionsubscription_contact
