كوثر الخولي
تصوير: محمد الشامي
القاهرة - الأناضول
عند تقاطع زقاق "العيني" مع شارع "الأزهر" بالقاهرة القديمة، تهم مجموعة من الفتيات، يليهم عدد من السائحين العرب والأجانب، بالولوج إلى منزل الأميرة "زينب خاتون" الأثري ، وبين أيديهم منشوراً عن تاريخ المنزل الذي يعود تاريخ إنشاؤه إلى عام 1486.
قد يبدو هذا المشهد نادرا هذه الأيام في مصر التي تعاني من انخفاض ملحوظ في عدد السياح غير أنه لا يزال هناك عدد من المزارات الأثرية في مصر ومنها منزل زينب خاتون يلقى إقبالا يوميا من الزائرين المصريين والأجانب.
عند باب المنزل الخشبي الذي صمم مدخله طبقاً لنموذج العمارة المملوكية، حيث "المدخل المنكسر" الذي لا يتيح للضيف رؤية من بالداخل، دخلت "مي الشريف" طالبة الإعلام بجامعة القاهرة هي وعدد من صديقاتها في تخصصات علمية مختلفة لزيارة هذا المنزل التاريخي الذي يقع خلف الجامع الأزهر الشريف، الذي يعود تسميته لآخر الأميرات التي امتلكته إبان العصر العثماني.
وعن سبب زيارة المنزل تقول "مي" لمراسلة الأناضول: "سمعت عن المنزل من أصدقائي في الجامعة، مشيرة إلى أنه "منزل جميل يتميز بروعة التصميم وجمال البناء، وخاصة في الجزء العلوي منه حيث المشربيات والفسيفساء الملونة".
وأضافت: "كما أنه يحكي قصة شخصية عظيمة مثل الأميرة زينب خاتون التي عرف عنها أنها كانت تأوي الفدائيين المصريين الذين كانوا يلجأون لمنزلها عندما يطاردهم الجنود الفرنسيون أثناء كفاحهم لمقاومة الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)، فهي مصدر إلهام لكثير من المصريات اللاتي يناضلن من أجل أن يكون لهن مكانة تليق بهن".
من جهته، يقول محمد إبراهيم، وزير الأثار المصري لمراسلة الأناضول إن "هناك العديد من المزارات الأثرية في مصر التي تستقبل الزائرين بشكل معتاد ولم يؤثر عليها المشهد السياسي الجاري، ومنها منزل زينب خاتون".
ويتوسط المنزل حوشا كبيرا، أو ما يسمى "صحن البيت"، والذي يحيط بأركان البيت الأربعة، وهو ما تتميز به بنايات العمارة الإسلامية في العصرين المملوكي والعثماني، حيث كان الهدف منه هو ضمان وصول الضوء والهواء لواجهات البيت وما تحويه من حجرات.
ويتميز المنزل بشكل عام بالقباب التي تعمل على توزيع التهوية في المنزل، وبالمشربيات التي تتميز بها العمارة الإسلامية المنزلية، وبالزجاج الملون الذي يشيع جو من الجمال في المكان.
وتقع الغرفة التي وجد فيها – بعد رحيل الحملة الفرنسية - جثة 27 فدائيا من المناهضين للاحتلال الفرنسي على مصر على يمين مدخل المنزل، حيث تشير كتب المؤرخين إلى أنهم كانوا يلجأوا لمنزل زينب خاتون لمداوة جروحهم التي لحقت بهم أثناء قيامهم ببعض عمليات المقاومة وقتذاك.
ويحوي الطابق الأول حجرات؛ "المندرة"، وهي مخصصة لاستقبال الضيوف من الرجال، كما يوجد إسطبل الخيل، وهناك أيضاً "المزيرة" وهي غرفة لحفظ المياه، بالإضافة إلى غرف؛ المطبخ والطاحونة ومخزن الغلال.
وفي الطابق الثاني من المنزل يوجد مقعد الرجال أو ما يعرف بـ "السلاملك"، وهو عبارة عن شرفة واسعة تطل على صحن البيت، وهناك كذلك، "الحرملك"، وهو مقعد الحريم والذي يتميز برحابته واتساعه.
أما الحمام والذي يوجد أيضا في الطابق الثاني، فينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ الحمام نفسه، غرفة التدليك، وملحق صغير مخصص لارتداء الملابس.
في الطابق الثالث من المنزل تقع غرف الأميرة التي تتميز بالزجاج الملون الذي يضئ الغرفة بألوان مختلفة حين يقع عليه ضوء الشمس.
وعن هذا المنزل وصاحبته والقصة التاريخية وراءه تقول زينب نصر الدين، الأستاذة في معهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة: "يعتبر هذا المنزل مثالا فريدا في عمائر القاهرة السكنية، حيث تجمع عناصره المعمارية بين مميزات عصريين تاريخيين مميزين المملوكي والعثماني".
وحول تاريخ إنشاء هذا المنزل تضيف نصر الدين: "اختلفت تكهنات الأثريين حول التاريخ الدقيق لهذا المنزل، لكن وفق وثائق وزارة الأثار فهذا الأثر تم بناؤه على مرحلتين؛ الأولى وهي مرحلة البناء، وكانت في القرن 15 الميلادي وبالتحديد في الفترة قبل 1486، وهي فترة ما يعرف بفترة المماليك البرجية، أما المرحلة الثانية فكانت مرحلة التجديد، والتي شهدها القرن 18 الميلادي، وتحديدا في عام 1713".
وعن صاحبة المنزل والذي سمي باسمها، تقول زينب نصر الدين: "قامت الأميرة شقراء هانم حفيدة الناصر حسن بن قلاوون، أحد سلاطين المماليك في عام 1486، ببناء منزلا خلف الجامع الأزهر، وظل هذا المنزل يقع تحت ملكيتها حتى عام 1517، ودخول العثمانيين مصر".
وزينب خاتون، كانت خادمة لمحمد بك الألفي أحد أمراء المماليك، وأعتقها الألفي فتحررت وتزوجت أميراً يدعى "الشريف حمزة الخربوطلي"، ولأن زينب تزوجت أميراً فقد أصبحت أميرة مثله بل وأضيف لقباً إلى اسمها وهو خاتون أي المرأة الشريفة الجليلة، لذا أصبح اسمها زينب خاتون.
واشترى لها زوجها منزل "شقراء هانم" حفيدة السلطان الناصر حسن بن قلاوون وسمي المنزل باسمها منزل زينب خاتون وكانت آخر من سكن هذا البيت.