أتيم سايمون
جوبا ـ الأناضول
أوضحت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بجوبا، هيلدا جونسون، أن مهام بعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان تتمثل في "حماية المدنيين، وتحقيق سيادة القانون، وتقديم المساعدة في عمل مؤسسات الدولة".
وفي حوار خاص مع مراسل الأناضول، أكدت جونسون أن الهجوم الذي تعرّضت له مؤخرًا بعثة الأمم المتحدة في ولاية جونقلي كبرى ولايات جنوب السودان، وراح ضحيته خمسة من جنود حفظ السلام وسبعة مدنيين يعملون في إطار بعثة الأمم المتحدة "لن يثنيهم عن القيام بواجباتهم في حماية المدنيين وتوفير الخدمات الأساسية لهم".
وكشفت أن "البعثة تمكنت بالتعاون مع حكومة جنوب السودان من تقديم دورات تدريبية متخصصة لقوات الشرطة وأجهزة تنفيذ القانون على كافة المستويات بدءًا من رتبة لواء وحتى رتبة عقيد الذي يتلقون تدريبهم حاليًا".
وإلى تفاصيل الحوار
- في البداية، ما هي طبيعة عمل بعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان؟
هناك 3 مهام؛ أولها حماية المدنيين، بمعنى وجوب العمل بجدية لمنع العنف والنزاعات، فمثلا في ديسمبر/كانون أول ويناير/كانون الثاني الماضيين عملنا، بالاشتراك والتنسيق مع الجيش الشعبي، على حماية المدنيين من هجوم كان محتمل وقوعه بمنطقة لوكانقلي وذلك بإجلائهم في الدقيقة الأخيرة لخارج البلدة.
كذلك قبل 3 أسابيع عندما أخبرتنا السلطات المحلية أن هناك اشتباكات قبلية على وشك الحدوث، تمكنا من التدخل وتهدئة الأوضاع، كما نعمل على حماية المدنيين الذين يلجأون إلى مقارنا طلبا للحماية من أعمال العنف التي تندلع بين حين وآخر وهؤلاء يقدرون بالآلاف.
أما المهمة الثانية فهي المهام المشتركة للبعثة مع الدولة في الجزئية المتعلقة بسيادة القانون والتي نعتبرها عصيّة جدًا، إلا أننا رغم ذلك قمنا بدعم إجراءات تفعيل جهاز الشرطة بما يساعد وزارة الداخلية على تطوير أدائها، وكذلك الجهات المهتمة بشؤون النازحين، هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية فإننا قمنا بأمرين، الأول بناء مركز لتدريب الشرطة في مدينة راجا (غرب)، والذي تحول الآن إلى أكاديمية (كلية) للشرطة تقوم في ذات الوقت بتقديم نماذج الدول المجاورة في العمل الشُرطي، والثاني تأهيل ورفع كفاءة المستويات والرُتب العليا في الشرطة بدءاً باللواءات، والعُمداء، ونحن الآن في مرحلة تدريب وتأهيل عُقداء الشرطة، إلى جانب أن للبعثة أكثر من (500) شرطي منتشرين على امتداد جنوب السودان لمساعدة شرطة المجتمع وتدريبها على كيفية القيام بالمهام الشُرطية وحماية المدنيين وممتلكاتهم، ويمكن القول بأن الناس بدأوا يشعرون ببعض التغيير في هذا الشأن، لكن عملية التحول الكبيرة في جهاز الشرطة ستؤتي ثمارها خلال عام أو عامين على أقل تقدير.
وأخيرًا مساعدة مؤسسات الدولة في مجالات أخرى مثل الأمن، والعدالة، خاصة فيما يتعلق بالاعتقالات التحفظية (الحبس الاحتياطي الذي يسبق صدور الأحكام)، وتعطيل إجراءات القضايا المرفوعة أمام المحاكم، ويمكنني القول في هذا الإطار بأن ظاهرة الاعتقالات التحفظية قد انتهت، وأن القضايا الكثيرة التي كانت المحاكم تَعُّجُ بها قد اُغلِقَتْ ملفاتها بعد تدخلنا بمساعدة السلطة القضائية.
- كيف تُعلِّقين على أعمال القتل الأخيرة بولاية جونقلي، والتي راح ضحيتها عدد من أفراد البعثة؟
أدنا الهجوم وأدانته جهات عدة، بينها مجلس الأمن الدولي، والاتحاد الأفريقي ورئيس جنوب السودان سيلفا كير ميارديت.. نعم لقد تعرّضنا للصدمة، ولكننا الآن نُجري تحقيقًا حول الحادث بغرض معرفة من كانوا وراءه، والدوافع التي جعلتهم يقومون بذلك، ويجدر بي هنا ذكر، أن بمعيتنا الآن مسؤولٌ رفيع من الأمم المتحدة سيقوم برئاسة لجنة التحقيق الخاصة بالبعثة.
ونحن إذ ندين هذا الهجوم، فإننا نستطيع التأكيد على أن الهجوم لن يُثني البعثة عن القيام بالمهام التي تقع على عاتقها. نعم لقد كانت هجمة مروّعة، لكننا سوف نستمر أيضاً في تقديم الدعم لشعب جنوب السودان، ولن يحول ذلك الهجوم بيننا وبين الاستمرار في إنجاز مهامنا.
- هل أنتِ متفائلة إزاء تحقيق الحكومة في هذه الفاجعة؟
من المهم القول بأننا نُقدِّر أي جهد تقوم به الحكومة لمعرفة ما حدث، ونُقدِّر بكل تأكيد قيامها بإرسال فريقٍ منفصلٍ للتحقيق حول هذه الحادثة، لكن دعوني اُوضح بأن هنالك بعض التعقيدات المصاحبة للتحقيق، وليس سهلاً على البعثة والحكومة طي ملف القضية دون الوصول إلى الجناة، الذين نرجو أن تنتهي التحقيقات إلى القبض عليهم وتقديمهم إلى العدالة.
- هل يمكن للبعثة أن تُقدم العون الإنساني مباشرةً للمدنيين الذين يتعرضون لشبح المجاعة في ولاية شرق الاستوائية (جنوب شرق) الآن؟
دعني اُخبركم بأن تقديم العون الإنساني للمدنيين مهمة تخص وكالات الأمم المتحدة الاُخرى مثل برنامج الغذاء العالمي، لكنه ليس ضمن مهام بعثتنا.
- كيف تُقيّمين أوضاع حقوق الإنسان في جنوب السودان؟
جنوب السودان بدأ للتو مشواره الطويل كدولة، مازالت في طور التكوين والنمو، وهذا ينعكس على أوضاع حقوق الإنسان أيضاً.
والملاحظة الجديرة بالاهتمام أن هنالك 70 إلى 80% من قوات الجيش، والشرطة وغيرهما تحتاج إلى التدريب وشرح أهمية حقوق الإنسان، ونحن نساعد بقوة في أن تنخرط الحكومة وبشكلٍ ملموس في بناء قدراتها، هذا من ناحية أولي، ومن ناحية ثانية نقوم بتسجيل الانتهاكات التي يتم ارتكابها مع مراعاة أننا لا نتوقع أن تكون هناك آليات محاسبية غاية في الكمال لصيانة حقوق الإنسان، وهذه مسألة خاضعة للحوار بيننا وبين الحكومة، وللأسف هناك انتهاكات نرى أن على الحكومة معالجتها.
ويجدر بي القول بأن هناك التزامًا واضحًا من الحكومة حيال حرية التعبير لمسناه خلال تصريحات وزير الإعلام والبث، مريال بنجامين، الذي أكد تعاون وزارته مع وكالات الأمم المتحدة مثل اليونسكو والمكتب التابع لمفوضية حقوق الإنسان، ما يفضي إلى حماية حقوق الصحفيين، ومنع تعرضهم للاعتقال غير القانوني، وبذلك نخلق البيئة الملائمة لحرية التعبير.
والحقيقة أنني قلقة من أن بعض أبناء جنوب السودان بدأوا ينظرون لمسألة حقوق الإنسان على أنها قضية تهم "الأجانب" فقط، في حين أن جنوب السودان كان محور نضاله عبر السنوات الماضية من أجل الحفاظ على حقوق الإنسان، والذي انتهى بتكوين دولتهم الوليدة، الأمر الذي يجب أن ينعكس أيضا في الدستور الجاري العمل عليه.
- كيف تُعلقين على وصف حكومة جنوب السودان لتقارير البعثة حول حقوق الإنسان بأنها "تفتقر للمصداقية والدقة"؟
دعنا نتفق على أن لكل حكومة من حكومات الدول الأعضاء حق التعليق على تقارير الأمم المتحدة الصادرة حول حقوق الإنسان، لكن كل ما يصدر من تقارير من جانبنا يتم عرضه على الحكومة أولاً بغرض التشاور قبل نشره، ويكون للحكومة في هذه الحالة حق إبداء الرأي أو إضافة وتوضيح ما تراه مجافياً للحقيقة.
وفي حالتنا مع حكومة جنوب السودان، فهي لم تُبدِ ما يفيد رفضها لبيانٍ أو بيانين أصدرناهما حول انتهاك حقوق الإنسان بولاية جونقلي (شرق)، ولم تعترض في البداية عليهما، لكن بعد نشرهما رأى الجيش الشعبي (جيش دولة جنوب السودان حاليا) أننا بالغنا في تقدير تلك الانتهاكات رغم أنه كان بياناً وليس تقريراً كما ذكرتم.
- كيف تُقيّمين الأداء العام للبعثة بعد مضي قرابة العامين على تفويضها للعمل في جنوب السودان؟
انفصال الجنوب حدث قبل إغلاق الملفات العالقة بين طرفيْ اتفاقية السلام الشامل، فأصبح هذا عاملاً للشد والجذب بين شمال وجنوب السودان، وكانت النتيجة أن جنوب السودان صار رهينة للقضايا العالقة مع السودان ما منعه من إحراز التقدم على المستوى التنموي الذي كنا ننشده.
لقد تم إحراز تقدم على المستوى السياسي، حيث تم وضع اللبنات الأساسية للديمقراطية من خلال قانون الأحزاب وتكوين مفوضية مراجعة الدستور التي هي قيد العمل الآن، ومن هذه الناحية يمكننا القول بأن الأحزاب السياسية فاعلة فيها أيضاً.
ولذلك فإننا نقول، إنه قد تم القيام بعملٍ جيّد، فقد طرأ تغيير في أداء الشرطة بعد إجراء الإصلاحات اللازمة، وقد لاحظنا أيضاً أن جنوب السودان أخذ على عاتقه مسؤولية فض النزاعات القبلية بتَحرُّك الجيش بشكلٍ ملحوظ أكثر بالمقارنة مع المراحل السابقة التي كنا نحن من يقوم بالحراك والإشراف على كل ذلك.
وفي الختام، دعوني أوضح بعض ما يتعلق بالنزاعات القبلية في ولاية جونقلي، حيث يعتقد البعض أننا ننحاز لبعض قبائلها على حساب قبائل اُخرى، وهذا غير صحيح البتّة.
البعثة ليست منحازة لطرف على حساب الآخر، لأن كل ما نقوم به هو التحرك لحماية المواطنين إذا تطلب الأمر، وليس لنا خيارات سياسية في تلك المسألة.
news_share_descriptionsubscription_contact


